torath 292 - Feb -2024

دراسات إماراتية

حين يربطه بطريقة احترافية تضمن له تنفيذ مهمته بسهولة وأمان، وذلك خلال موسم العناية بالنخيل، أما في الشتاء فينسى الناس ذلك الحبل لعدم الحاجة إليه، ويُُضرََب المثل لمن لم تعد له حاجة ولا أهمية، فيكون م ََنسي ّّا مهملا كما يفعل الشتاء بالحابول. سنة الفحول محول وسنة البنات نبات: وهذا المثل فيه شيء من ثبات التجربة بما يشبه الواقعة المحققة، من خلال الحالات التي مرّّت من قبل، حيث استنتج أهل الخبرة أن السنة التي يكون أغلب مواليدها ذكوار تأتي جاف ّّة م ُُمح ِِلة، يغلب عليها القحط والشدة، وأن العام الذي تكثرفي مواليده نسبة الإناث اِِر كثير النبات خصب الأرض وفير المواسم، يكون شتاؤه مُُمط فصاغوا هذا الاستنتاج ليوازي خبرتهم وملحوظاتهم على قياس جنس المواليد بحالة الشتاء الآتي إليهم. يوم المخازن خارّّة الله يعين أهل العشش: والمخازن هي الأبنية القوية التي يدخل في بنائها الحجر والإسمنت والحديد والطابوق، أمّّا العشََش فهي أماكن الإيواء المؤقتة كالخيمة والعريش والعزبة، ومقصد المثل في حال كان الشتاء مطي ار جد ّّا بحيث يؤثر في المباني القوية، فتصاب سقوفها بالتشقّّقات، فكيف الحال بالخيام؟ وهذا يقودنا لفكرة عامة

مفادها، إذا كان الأمر صعبا على الأقوياء فكيف هو على ِعاف الذين ليس لديهم الحد الأدنى من الإمكانات؟ �ِّ الض برد البداية توقّّاه وبرد النهاية تلقّّاه: وهو مثل دارج صحيح المحتوى موجود لدى الكثيرمن الشعوب، إذ عرفوا من خلال التجربة أن البرد في أول فصل الشتاء يكون ضاار للإنسان والحيوان والنبات، فنصحوا بالوقاية منه في الكانون والملبس والمأوى ووسائل التدفئة المتاحة، وأن برد نهاية الشتاء يبش ّّر بقدوم الربيع فنصحوا بالتعرّّض له ومعايشته لأنه يكون نافعاًً، ومن ذلك ما جاء في المأثورمن أقوال الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نهج البلاغة حين قال: «اتّّقوا البرد في أوّّله وتلقّّوه في آخرِِه فإن فعلََه في البشر كصنيعِِه في الشجر؛ أوّّله يََحرق وآخره يورق». برق الشمالي يسعد حلالي: حيث من المعروف أن المطر غالبا ما يرافقه البرق والرعد والرياح، فكان أهل الجزيرة العربية يميّّزون البرق الصادق المتبوع بالمطر، من البرق الخادع الذي مع من جهة ا لا يعقبه غيث نافع، وكانوا يتفاءلون بالبرق اللّا الشمال، لأن المطر سينزل معه أو بعده، وذلك من تجاربهم الحياتية، ومعايشتهم لأحوال الطقس في صحرائهم مترامية الأطراف، وبنزول المطر يكثر النبت والنفل فتشبع الحيوانات،

وتتكاثر ويبارك الله تعالى رزق أهلها من ألبان وأصواف وصغار مولودة، ما يدخل السعادة والبهجة على قلوب أصحابها، إذ من أسماء قطيع الأنعام التي ي برّّيها البدو (الحلال) وذلك تيم ّّنا ببركتها وشرعية تملّّكها ونمائها. ولو تقص ّّينا الأمثال الشعبية كلها المتعلقة بفصل الشتاء في تراث الشعوب لجمعنا أسفا ارًً، ولكننا نقتصر على هذه العي ّّنة، لنوض ّّح أهم ما يميّّز هذه الأمثال وارتباطها بالتراث المروي لإقليم الجزيرة العربية عموما ًً، حيث تتمي ّّز هذه الأمثال ببلاغة المعنى، وسهولة الألفاظ، وتكثيف العبارة، وزبدة التجربة الحياتية، وجمال الصياغة من حيث السجع والموسيقى، وتلك الميزات كلها تجعل حفظ ََها سهلاًً، وتناقلََها عبر مرور الزمن م ُُتاحا لا يتطلب الكثير من العناء، وظل ّّت هذه الأمثال متداولة بالرواية الشفوية كجزء مهم من التراث الشعبي، حتى اجتهد الباحثون فوثّّقوها مكتوبة خشية عليها من النسيان في عصر التبد ّّلات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.

ونختم بقولنا إن الشتاء بطول شهوره وشد ّّة أيامه فصل رئيس مؤثر في البيئات والأقاليم الجغرافية كلها، أما أمطاره فكانت سعادة وفرحة للأرض والبشر والشجر، وليس غريبا أن يكون من التراث الشعبي تبادل التهاني بنزول المطر، كقولهم: مبروكة الرحمة، الله يبعث الخير، الحمد لله على نعمته، مبارك غيثكم... وغيرها. وبهذه البشارة وتلك الأمثال الشعبية التراثية كان الشتاء مصدار ثيرّّا للذاكرة الشعبية بمظاهره المتنوعة، من رياح وأمطار وبرد ورعود وبروق وسيول، وخصوبة وقحط، ما جعله حاض ار في الأحاديث والأقوال والأشعار والأمثال التي تناقلتها الأجيال أديب سوري المصادر والمراجع: . 2008 الأمثال الشعبية الشامية، نزارالأسو ََد، مكتبة التراث الشعبي، دمشق . 2014 المتوص ّّف، عبد الله بن دلموك، مركزحمدان بن محمد لإحياء التراث، دبي

75

74

2024 فبراير 292 / العدد

طقوس الشتاء في الأمثال الشعبية الإماراتية

Made with FlippingBook - Share PDF online