torath 292 - Feb -2024

قصيد

سرد الذاكرة

شاشة التلفزيون أو أثير الإذاعة. عاش محمد الجناحي لفنه، فأبدع في الدراما بكتابته، وبأدائه أصعب الأدوار الدرامية. وأعتقد أنه من الضروري أن يهتم المسؤولون عن الإذاعة والتلفزيون في أبوظبي بجمع إنتاج للباحثين ا � المرحوم الفنان محمد الجناحي، وجعله متاح والدارسين الذين يقومون بالاهتمام بجميع ما قدمه وما يقدمه أبناء وبنات هذا الوطن من أعمال فنية سواء في مجال الكتابة أو في مجال التمثيل والإخراج. من البرامج التي تعاونت فيها مع المرحوم الجناحي كان برنامج «يعجبني ولا يعجبني» الذي كنت أكتبه، وكان هو يقدمه بصوته بعد أن يحول الكلام من الفصحى إلى اللهجة المحلية للإمارات. وكان البرنامج جريئا في نقد الظواهر غير الصحية في المجتمع الإماراتي سواء على مستوى الجمهور أو على مستوى المسؤولين الحكوميين. استطاع محمد الجناحي أن يصل إلى المشاركة في الأعمال الفنية الكبيرة سواء على مستوى الخليج أو المستوى العربي؛ فقد شارك في مسلسلات مهمة، وترك بصمة واضحة ومميزة في جميع تلك الأعمال. وكانت تلك المشاركات تتطلب منه جهدا غير عادي إلا أنه كان سعيدا بها، يعطيها من وقته الكثير، ولا يترك لنفسه أو لعائلته إلا بقايا من الاهتمام والتفكير.. كان يحب عمله، ولا يبخل عليه حتى بالوقت الذي يجب أن يخلد فيه للنوم أو الاستراحة، ولذلك كان أداؤه لجميع ما أداه من أدوار على الشاشة ممي از ومؤث ارًً. وبرغم ذلك الانشغال المستمر، لم تكن ابتسامته تفارق وجهه، ولم يسمح لعنكبوت الحزن أن يغزل خطوط الأسى والحزن فوق عينيه أو على جبهته، وظل حتى آخر أيام عمره بشوشا ضاحكا ًً. كنت أخشى عليه من نفسه الطموحة، فلم تكن لطموحاته حدود تقف عندها، أو خطوط حمراء لا يسمح لها بتجاوزها؛ فمحمد الجناحي علم نفسه بنفسه، ويمكن اعتباره من العصاميين الذين استطاعوا أن يصلوا إلى العلم والثقافة بجهود ذاتية محضة، فهو لم يتح له إكمال دراسته على مقاعد المدارس الثانوية أو الجامعات، ولكنه بما استطاع الوصول إليه ذاتيّّـا من خلال جهده الخاص، وتثقيفه لنفسه جعل حتى أولئك المتخرجين من الجامعات يقفون أمامه وقفة التلميذ أمام أستاذ متبحر في العلم متعمق في الثقافة. كان محمد الجناحي من أوائل أولئك الذين صادقتهم في زمن البدايات، وكانت صداقتنا في ذلك الزمن الجميل خالصة

ُُسلام عليكم يا رسول مكرََّر ُُوإن لم أقلْْه فهو في البال يخطر ُُإذا مؤمن ألقاه رد سلامََه ِر �ِّ ًًعليه الرسول الأعظم المتدث رسول من الرحمن أُُرس ِِل رحمة ٍٍومََكرمة للعالمين إذا دروا ِ مهجة �ِّ ُُلينشر نور الله في كل تريد الهدى، لا قلب من شاء يكفر ُُرسالتك السمحاء ليس يصد ّّها ِر �ِّ من الخلق إلا جاحد متكب فيخلد في نار الجحيم مكبكبا ِروا �ِّ برفقة إبليس ومن فيه كو ُُألا أيها المختار حبك في دمي ٌٌوفي دم أبناء الهداية أنهر ُُإذا نُُش ِِرت حقدا رسوم مسيئة ٍٍتهب جموع المسلمين ت ُُز ََمج ِِر ِ موطن �ِّ ُُلقد عرف الأعداء في كل ٌٌبأن ََّك خط يا محمد أحمر ُُوأن ََّك بعد الله في القلب كعبة ِر �ِّ وفي الفكر والأرواح نور منو ُُوأن حديث المصطفى بعد ذِِكْْرِِنا ِس ُُه في ديننا ونوقر �ِّ ًًنقد ُُبنيت أبا الزهراء دينا مؤز ار ْْبدولة إسلام بها الدهر ي ََفخر ُُمدينتُُك الفُُضلى بطيبة أس ِِس ََت ِ الذي ليس يُُقهر �ِّ ٍٍعلى العدل والحب وفيها الصحاب الغر ُُّ.. هم خير أم ّّة ُُفكم جاهدوا في المعمعات وكبّّروا ُُفدانت شعوب الأرض لله وحدََه ٍٍوأقبلت الأفواج ُُ.. والدين يُُنصر ُُفإن ّّك ذو خ ُُل ْْق عظيم ورحمة وأنت الشفيع المرتجى يوم نحشر

شعر: الدكتورشهاب غانم رحمةللعالمين

من كل شوائب المادة محلقة في فضاء الروح، وعلى جناحي الكلمة التي تشاركنا في حبها والإيمان بها. مضى الجناحي وغاب عن وطنه وعن أهله وأحبابه مبك ارًً، وقبل أن يبلغ مرحلة الشيخوخة التي أجاد أداء أدوارها ولم يعشها. وكأنني كنت أحس بأن ذلك الرجل لن يعمر طويلا ًً؛ فهو لا يرحم نفسه ولا يراعي صحته، بل يصل ليله بنهاره وهو يؤدي دو ار في مسلسل، أو يخط كلمات مبدعة فوق أوراقه. ترك الجناحي بعد انتقاله إلى رحمة ربه ذكريات لا تنسى مع جميع الذين عرفوه أو شاركوه في الأعمال الفنية التي قام بها. إنه من القلائل الذين لا يمكن للأوطان أن تنساهم، أو تنكر الدور الذي أدوه في المجتمع لا الأدوار التي قاموا بها على الشاشة فحسب. بدأ الجناحي في زمن البدايات، وانتهى في زمن شهد فيه وطنه تغييرات جذرية وحقق فيه إنجازات عظيمة، ساهم هو نفسه ، لم 2009 فيها. عندما زرت دار الإذاعة في بداية هذا العام أجد من البناء القديم حتى جدا ار واحداًً.. تغير البناء وأصبح أكثر حداثة، ولكن ظل شيء لا أعتقد أنه يمكن أن يتغير ألا وهو صور أولئك الرواد الذين انطلقوا من المكان نفسه، وحفروا أسماءهم وصورهم في قلوب أبناء الوطن. كدت أسأل وأنا أتجول في المبنى الجديد للإذاعة: هل ما زال الجناحي في مكتبة الإذاعة؟ ولكن تهديد دمعتي لي بالانفجار جعلني أكتم السؤال وأمضي صامتاًً، فليرحمك الله أيها الصديق الراحل.. فأنت ما غبت، ولن تغيب أبدا

إعلامي وشاعر

79

78

2024 فبراير 292 / العدد

محمد الجناحي من المكتبة إلى الدراما

Made with FlippingBook - Share PDF online