سينما
حين يقترح عليه بوربس استئناف عمله على «الجميلة المشاكسة» يجيب بـ «مستحيل، كانت تلك ليز. والآن تأخر الوقت وستكون كارثة إن رسمتها». لماذا لم يستطع فرينوفر إنهاء اللوحة منذ عشر سنوات؟ لقد قالت زوجته لاحقا إنه رسمها في البداية لأنه أحبها، ثم توقف عن رسمها لأنه يحبها! فهل لم ترق إلى خياله آنئذ عن الحياة الصاخبة لكاثرين ديسكولت؟ نسمع هذا التساؤل: «هل يمكن القبض على حياة بكاملها فوق قطعة قماش بآثارمن الطلاء؟». ونتساءل نحن، هل كانت ليز هي المشكلة؟ هل كانت أبولونية الجمال فيما جنح هو إلى نزعة ديونيسيوسية؟ لقد توقف عن الرسم تماما ما إن بات عاج از عن رؤيتها كعارضة، اكتفى بها زوجة وانطفأ شغفه للعمل دفعة واحدةًً، كأنه استنفد رصيده من الدافعية مع ولعه بها كموضوع فني، حتى لو جاملها قائلا في حضورهم: «أنت هي الجميلة المشاكسة». لكن وكيله يجد الحل في اتخاذ ماريان الشابة - ذات الجمال الأيقوني المشع بالذكاء - نموذجا للرسم، وهو ما يتحمس له فرينوفركأمل متجدد، ويوافق عليه نيكولا دون سؤالها. تغضب ماريان؛ فحبيبها لم يرجع إليها أولاًً، ولا يجد غضاضة في أن يرسمها آخرعارية، كما أنها تجد الرسام الكهل سخيفا ًً، متكلفا ًً، إلا أنها تذهب إليه في النهاية، من باب الفضول أو التحدي. استغرقت محاولات رسمه لماريان ثلاثة أيام، واستمرت المشاهد التي تنقل تلك المحاولات أغلب وقت الفيلم، في لقطات طويلة ثابتة دون قطع، ودون موسيقى، حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة. على مدى يومين نراها وقد استسلمت تماما لأسلوبه بحياد بارد وبلا مبالاة، كان يشكل جسدها ويعدل
الجميلة المشاكسة: الفن.. الحقيقة والوهم
فيبي صبري رأى أفلاطون في الفن محاكاة قاصرة للواقع، لمظهرالأشياء لا جوهرها؛ بما أن جوهر الأشياء يتحقق كاملا في عالم المثل، فما يقدمه الفن هو وهم، ظل للحقيقة، لا يجوز الركون إليه والتحول عن المثل الأعلى غير الحسي. على النقيض تماما رأى نيتشه الفن خلاصاًً، هو تمث ُُّل قوة الحياة، التجربة الميتافيزيقية التي تجعل الحياة جديرة بالعيش، لأن «كل حياة تقوم على المظهر والفن والوهم وزاوية النظر والمنظارية والخطأ». عند نيتشه المظهر/ الحسي هو الحقيقة الوحيدة. أي المنطقين ينتصر عندما نختص فن الرسم بالنظر؟ ماذا نرى عندما ننظرإلى لوحة أيا كان موضوعها أوأسلوب صانعها؟ هل نرى حقيقة شيء ما أم وهما خلقه حدس الفنان؟ أيظل تصنيف الرسم كفن أبولوني قائما مع مدارس الفن الحديث؟ بهذه التساؤلات وغيرها شاهدت فيلم «الجميلة المشاكسة» أو ” مرتين. الفيلم من إخراج الفرنسي چاك La Belle Noiseuse ريڤيت، مستوحى من قصة لبلزاك ومدته أربع ساعات. في المشاهدة الأولى خايلتني فكرة المظهر والحقيقة والمسافة
في تلك الزيارة يثار الحديث عن عمل فرينوفر الأخير الذي لم يكتمل قط، أو «الجميلة المشاكسة» كما دعاه. لقد بدأ برسم اللوحة قبل عشر سنوات بإيحاء من كتاب عن محظية ماجنة من القرن الثامن عشر، واتخذ من زوجته – آنذاك - نموذجا لرسمها، إلا أنه توقف بعد محاولات عديدة فاشلة، دون أن يوضح سبب ذلك الفشل. «إننا نريد الحقيقة من خلال الرسم، وهذه الحقيقة تتصف بالقسوة». هذا ما قاله فرينوفرفي حوار مع ضيوفه، وهومحق غالبا ًً. عملية الإبداع لا تتصف بأي مرونة أورقة، هي نحت مؤلم وتشكيل متبادل بين المادة والفنان؛ كل منهما يغير الآخر بالدرجة نفسها. لا يخفي فرينوفر مشكلته في إنهاء أعماله، فهو لا يرضى عنها متى قاربت الاكتمال، يشعر دائما أنها لم تحقق المثال المنشود ومازال بإمكانه إضافة المزيد مهما شكّّل ذلك من مخاطرة بإفسادها.
بينهما في الفن، ثم وجدتني أرى كل شيء على نحو مختلف؛ فإذا بلب الحبكة هوالإرادة والشغف الفني وعلاقتهما بالعاطفة الإنسانية المتغيرة. يبدو أن هذا شأن الأفلام التي تتناول الفن فتربكك؛ هل هي عن العملية الفنية نفسها أم دراسة نفسية لفنان محدد؟ فيلم - «البجعة السوداء» مثال عبقري في السياق ذاته - ولا أدل على ذلك من عنوان الفيلم/اللوحة؛ فالجمال دوما مشاكس، زلق، متعال على التعريف. إما أن أرسم تحفة أو لا شيء نيكولا رسام شاب نجح معرضه الأول تواًً، حبيبته ماريان كاتبة لم تتحقق بعد، يزوران معا فرينوفر، الرسام الكهل المتقاعد في قصره، بصحبة وكيل أعمال فني يدعى بوربس. تعيش مع الفنان في عزلته زوجته ليز، موديله المفضلة في زمن سابق.
85
84
2024 فبراير 292 / العدد
الجميلة المشاكسة: الفن.. الحقيقة والوهم
Made with FlippingBook - Share PDF online