سينما
أطرافها في أوضاع عصية، مؤلمة ومهينة، عاملها كدمية بلا حدود شخصية أو كرامة، أمرها أن تنظر بعيدا لأن نظراتها تزعجه ولأنه لا يريد رؤية وجهها، راح يقلبها ويقيمها ويسجيها ويسألها عن حبيبها في اقتراح إيروتيكي أحمق، رسمها من كل منظور ممكن، وواجهها غاضبا بقصوره: «سوف أكسرك إلى أجزاء، سأخرجك من حدود جسدك، سأنتزعك من الجثة التي تسكنينها. أتظنين أني سآخذ ما تعطيني أنت إياه؟! أريد أن أعرف وأن أرى ما بداخل جسدك». لكنه لم يجد ضالته رغم كل شيء. في صراع الإرادات ذاك - بينه وبين مادته - كان هو الخاسر. في اليوم الثالث قررت ماريان أن تستلم الدفة ليجري الأمر بطريقتها؛ ستتخذ الوضع الذي تريد وتتحرك كيفما تشاء، ستتحدث عما يعن لها وعليه أن يستمع، وسينظر إلى وجهها، «هذا هو الشيء الوحيد الذي نسيت فعله»، تؤنبه ساخرةًً. وفيما هي مستلقية، تتحدث بانسياب عن ذكرياتها في المدرسة
قد نحب أو نكره صورتنا كما يراها الآخرون، متوهمة كانت أو حقيقية، لكنها تبقى فرصتنا الوحيدة للخلود، ومحوها لا يغتفر. هذه الكلمات التي وجهتها ليز إلى زوجها هي الإيضاح الأمثل للفكرة: «أن أصبح قديمة بالنسبة لك فلا بأس لدي ًًا بذلك، أن تهجرني فلا بأس أيضاًً، لكن وجهي كان موجود هناك، وقد أعجبني.. أكان عليك أن تطمسه؟!». لم يكن مدهشا أن تعود المياه إلى مجاريها بينهما فقط بعد تخليه عن تحفته الكاملة - تضحية أخرى بالفن لأجل الحب - ورسمه لوحة بديلة لماريان، لكن من دون وجهها، سالبا إياها هويتها، وفرصتها للخلود في عالم المثل وخلاصها النيتشوي ٍ سواء �ٍّ على حد كاتبة وروائية مصرية المصدر: - فيلم «الجميلة المشاكسة» من كتابة چاك ريڤيت وإخراجه، وشارك في الكتابة باسكال بونيتزر وكريستين لوران. بطولة ميشيل بيكولي، وإيمانويل بيار، وچين . 1991 بيركين، وقد حاز الجائزة الكبرى من مهرجان كان في عام
الداخلية وعلاقتها بنيكولا، كاشفة عن نفسها، حدث الأمر! التقط الوهج الذي كان يبحث عنه، وجد الجميلة المشاكسة التي تخيلها منذ عشر سنوات وفشل في إسقاطها على زوجته أولا ًً، وفي تعديل ماريان لتطابقها ثانيا ًً. طلب منها أن تنظرإليه، ليظهر وجهها أخي ار في اللوحة التي لن نراها أبدا ًً. منذ متى كان التقدم في عمل ما يؤدي إلى تدمير عمل آخر؟ كما يمكن أن نتخيل كانت زوجته لتسعد بانتهاء اللوحة المنتظرة ولو بجسد آخر غير جسدها، فقط لو لم يطمس وجهها في لوحة قديمة ليرسم أخرى فوقها. لم يشفع له دفاعه بأن ذلك آلمه و«إنها ليست أنت من قمت بطمسها»، وكالت له ما كان مكبوتا بينهما من لوم وتأنيب، ردت له القسوة مضاعفة وذكرته بخوفه الأكبر: أفول شبابه وشغفه معاًً، فتلك اللوحة هي نهايته المؤجلة منذ سنوات ٍٍ، لأنه توقف عن البحث وفقد طاقته، تاركا الملل يتسلل إلى حياتهما. أليس ذلك رعب الفنان - والرجل أيضا - الذي لا يهدأ؟ تتمادى في انتقامها منه بأن رسمت صليبا صغي ار على ظهر لوحته، كأنها شاهد قبر ٍٍ. وفي أغرب قرار على الإطلاق يخفي فرينوفر تحفته خلف حائط يبنيه ليلا في مرسمه، كأنها لم تكن، لم يطلع عليها سوى زوجته وماريان والخادمة التي ساعدته في دفنها. قد يكون ذلك الاختيار المتطرف بمثابة إحراق طائر الفينيق لنفسه، ليتسنى له البدء من جديد في عمل آخر ليس مثقلا بتلك الذكريات المشتركة مع زوجته. «ما الذي يبقى ميتا ولا يمكن إحياؤه من جديد؟»، تساءل فرينوفر بعد انتهاء شجارهما، وهو يعلم في قرارة نفسه أن
علاقتهما لن تنتهي أبداًً، هي الشخص الأكثر ملاءمة له في العالم، خاصة وأن هوايتها الوحيدة بجانب الطهي والعناية به هي تحنيط الطيور النادرة بعد موتها. أقنعة بدأ الفيلم بمشهد تمزح فيه ماريان مع نيكولا عن طريق التظاهر بأنها غريبة تلتقط له الصور، واستجاب هو للعبتها وبادلها التمثيل. وفي نهاية الفيلم نسمعها تحكي عن نفسها كأنها ذات منفصلة عنها: «ماريان ارتدت قناعها مجدداًً، أو ربما ارتدت واحدا جديداًً». عقب انتهاء اللوحة، والأيام الثلاثة بعيدا عنه، كانت قد تأكدت أنها ستفارقه، منتظرة اللحظة المناسبة فحسب. لذلك لم تعجبها نسختها التي رسمها فرينوفر، والتي نرى أثرها فحسب على وجهها المكفهر، رأت نفسها في لوحته جافة وباردة، كما هي حقيقة ًً، أو كما صارت وقد خبا حب نيكولا في قلبها؟ كم قناعا لماريان شاهدنا؟ أعتقد أننا لن نعرف.
87
86
2024 فبراير 292 / العدد
الجميلة المشاكسة: الفن.. الحقيقة والوهم
Made with FlippingBook - Share PDF online