torath 292 - Feb -2024

أثر العابر

تراث الشعوب

قناديل لشجرة العام الجديد

ينتهي عام وتُُنسج خيوط نور لعام جديد. وفي أنحاء العالم وفي أركان زواياه، وبيوته، تستعد قلوب مبتهجة للاحتفالِِ، بين اقتناء أشجار الكريسماس، وزينتها، وأضوائِِها، وتعليق بطاقات الأمنيات والشموع عليها، كأنما يتوحد العالم في محفل بهيج، تغطيه ندف الثلج المتساقطة على البيوت التي أشعلت مدافئها، وتراكمت أخشابها، في حراك دافئ لعائلات وأسر تلتقي على الأمنيات بسنة جديدة أكثر سعادة وعلى تفاؤل بالقادم البهيج، المضيء والمستبشر. في أركان العالم وزواياه، أطفال يحلمون بـ «بابا نويل» حاملا كيسه الأحمر المملوء باللعب والهدايا والحلوى والشوكولاتة، وبعربته التي تطير بها الوعول، حيث تشق السحب وتتناثر من كيسه عليها أكياس هدايا الكريسماس، لتكون من نصيب مََن ستسقط ًًا فوق منزله أو بالقرب منه، حتى إن بعض الأطفال ينامون باكر في الليلة التي تسبق ليلة السنة الجديدة ليحلموا بـ «بابا نويل» وهداياه، حتى إنهم يحلمون به فعلاًً! في منازل أضيئت نوافذها بأضواء خافتة وعلقت فيها زينات ملونة بينما تنبعث من أركانها موسيقى احتفالات السنة الجديدة، موسيقى هادئة تهدهد الروح وتهدئها وتبعث فيها الارتياح والطمأنينة والسكينة، بينما ارتفعت بالونات ملونة في أركان البيوت، وأخرى استقرت في زواياه، إيذانا ببدء الاحتفال القريب بالسنة الجديدة. ثمة من يجدون في تزيين شجرة السنة الجديدة وإضفاء طابعهم الخاص عليها، متعة كبيرة ًً، تبرزشخصية كل إنسان، وتكشف طبيعته الإنسانية، فهناك من يقتني شجرة كبيرة ويعلق عليها أضواء كثيرة وبطاقات قليلة، وثمة من يفضل امتلاك شجرة متوسطة يضع عليها بعض القناديل أو الكرات الملونة والقليل من الأضواء ويترك المساحة الأكبر لخ ُُضرتها ولونها الطبيعي البهيج، وغيرهم يفضلون أن تكون الشجرة حافلة بالقناديل والأمنيات الموقعة في البطاقات، وفريق آخر يحب أن تحفل قاعدة الشجرة بالأكياس الحمراء والهدايا المغلفة والمصابيح الصغيرة. في زوايا البيوت وفي أركان العالم، تستعد الاحتفالات في جوبهيج من الألوان والأضواء والموسيقى والأشجاروالشموع وتبادل الأمنيات، وبطاقات الاحتفال، وأخشاب المدافئ، والزينات، واللوحات، والمقطوعات الكلاسيكية، والثياب

حمزة قناوي شاعر وناقد مصري

رسومات باللون الأحمر. رجال واقفين يرفعون أيديهم، 5 عبارة عن رسم الرسم الأول: وإلى جانبهم صورة ثور واقف، وغالبا ما تُُرََى رسوم تُُشبه هذه الرسوم في بعض الكهوف كما هو مشهور في رسومات (لاس جيل)؛ حيث يظهر على جدرانها وحيطانها رجال واقفون يرفعون أيديهم تحت بقرة أوثور، وكانت عبادة الأبقاروتقديسها منتشرة في المنطقة. رسم يدل على شكل إنسان، وآخر مربع على الرسم الثاني: شكل مسكن، مما يدل على وجود استيطان لمنطقة بندر ). وبالنسبة إلى الرسومات الملونة Bender-wanaag( وناج دائما تكون في المغارات والكهوف، ويرجع تاريخها إلى العصور الحجرية، وتكثرفي الكهوف التي تحمل جدران ُُها رسومات جميلة في أرض الصومال. هناك أمكنة أثرية ورسومات مكتشفة حاليا مما تركها الصوماليون قبل آلاف السنين منتشرة في ضفاف الأودية والجبال، وهي عبارة عن كهوف على شكل البيوت،

ونشاهد قبوار منتشرة أمام الكهوف وسفوح الجبال أيضاًً. وإذا قا نرََّا آثار ما قبل التاريخ المنتشرة في أرض الصومال، التي اكتشفناها في أعوام مختلفة، بما ورد في كتابات الإغريق التي جاءت متأخرة بالنسبة إلى تلك الحقبة التي بدأت بحياة الكهوف والعيش بداخلها؛ فإنها تُُرشدنا إلى فهم حياة الصوماليين في ذلك الزمن ومعرفة تقاليدهم وعاداتهم التي تغيرت تماما اليوم. وقد ذكر الجغرافيون الإغريق أن الصوماليين الذين كانوا يعيشون داخل الكهوف كانت لهم عادات وتقاليد غريبة، ويهتمون بتربية المواشي، وكذلك أشارت تلك المصادرأيضا إلى أنهم أقاموا مدنا ومراسي للسفن التجارية. وأقدم تلك الكتابات ما كتبه الجغرافي اليوناني «أجاثار». وهذه المصادر لها أهمية كبيرة بالنسبة للآثار المكتشفة حاليا في الصومال لأنها ت ُُوض ّّح مدى تقديسهم للثوروجعل ِِهم له مكانة الأب، وللبقرة مكانة الأم كما ذكر (آجاثار) و(ا ِِسترابون) باحث من الصومال

الجديدة، والأحلام المسافرة من عام إلى آخر. في ليلة السنة الجديدة، لا تتلألأ أشجار الكريسماس في زوايا البيوت فقط، ثمة أشجار أخرى تورق وتزهر وتأخذ زينتها في قلوب بشر لا يملكون ثمن أشجار الاحتفال، وإنما يملكون قلوبا من ذهب تنمو فيها أشجار الحب والخير والأمنيات للسنة الجديدة، وهم يتمنون الخيرللعالم بأكمله، لفقرائه ومحتاجيه، لم ُُتعبيه، ومن لا يملكون من العالم سوى أحلامهم الطيبة له. هؤلاء البشر، هم الذين يمنحون السنة الجديدة أشجارها المثمرة والبهيجة، حين تنمو في قلوبهم الأمنيات، وهم يعلقون قناديل الأحلام في أشجار قلوبهم المبرعمة في السنة الجديدة والمزدهرة بالخير والحب والجمال والرفق والرحمة والعطاء، قد تكون هذه القناديل أمنيات ٍٍ، أو تكون وجوها دافئة ح ُُف ِِرََت ملام ِِحها في أرواحهم قبل أن تغادر العالم، قد تكون صورة أم يفتقدها أبناؤها في غيابها الطويل، أو عودة ابن من غربة ممتدة حاملا في قلبه صوت أهله وعائلته الذي لم يغب عنه يوما في رحلته الشاقة. قناديل شجرة السنة الجديدة، لا تتلألأ بالأضواء فقط، إنما بأمنيات البشر الصادقين، الطيبين، بحلم الدفء والرحمة، والخير، بألا يظل في العالم طفل جائع أو محروم أو آمل ببيت يؤويه بينما يقاوم قلبه البرد في العراء. في هذا العام سأستقبل السنة الجديدة آملا ومنتظ ار الخير كله، بينما أنظر إلى شجرتي التي لم أستطع أن أخرجها من صندوقها أو أن أعلق عليها شيئا ًً، وأنا أفكر في أطفال صارت وجوههم البريئة هي القناديل والأمنيات والوصايا والدموع.

91 2024 فبراير 292 / العدد

90

لوحات أثرية من الكهوف المكتشفة في الصومال

Made with FlippingBook - Share PDF online