torath 292 - Feb -2024

ج ُُلََساء التراث

ومع ذلك فقد ظهرت آراء مختلفة حول المقصود بهوميروس، اختصرت في أربعة، هي: الرأي الأول: يرى أصحابه أن كلمة هوميروس تعني «الرهينة»، ويعود السبب في ذلك إلى أنه أُُس ِِر في حرب ما، ولكنهم لم يتمكنوا من تحديد تلك الحرب وزمانها. الرأي الثاني: يعتقد أصحابه أن هوميروس يعني «المتكلم في المجلس»، وهذا يعني الخطيب. الرأي الثالث: يرى أصحابه أن كلمة هوميروس مشتقة من كلمة تابع أو لاحق. الرأي الرابع: يرى مؤيدوه أن هوميروس مجرد كلمة تتكون من . ) 11 (ًً ثلاثة مقاطع تعني (كفيف البصر)، وهوالرأي الأكثرشيوعا التّّناقضات المزعجة وبعيدا عن الآراء السابقة، وعن غيرها من الآراء، التي تناولت هوميروس وشعره، فإن الكاتب جيمس آي بورتر يدعونا، مثل كُُتََّاب كُُثْْر، إلى تأمل شخصية هوميروس، وإلى قراءة ملحمتين تعودان إلى القرنين السابع والثامن قبل الميلاد، أي إلى استحضار تاريخ بعيد لمنتج أدبي روى قصصا ملحمية تتمحور حول العصرالبرونزي أو العصرالميسيني عند الإغريق القدماء قبل الميلاد. 1100-1600 خلال فترة ازدهارهم ما بين ومن غير الواضح هنا إن كان المؤلف يهدف من وراء ذلك إلى إعادة تنشيط الذاكرة الغربية لدفعها نحو صناعة تاريخها الراهن، أدبيا وفلسفيا وفكرياًً، بعيدا عن الميراث اليوناني القديم، وفي ذلك رفض لما جاء في الأوديسة، حيث بررت استعمار إيطاليا وصقلية للغرب، وإن كان في ذلك مخاطرة وخيمة النتائج، لأن الغربيين في انطلاقتهم الحضارية اتخذوا من تلك الفلسفة مرجعيةًً. وفي المحصلة، فإن موقف الكاتب من الدراسات القديمة والحديثة عن هوميروس، تجعل من هذا الأخير كتابا مفتوحا ًً، فكيف اعتبره لغ ازًً؟، وهل توصل إلى حله؟ ليست هناك من إجابة واضحة لمسألة اعتبارهوميروس لغ ازًً، ذلك أن المؤلف أعاد طرح التساؤلات القديمة، وما ترتب عنها من إشكاليات بحثية، ثم صاغها من جديد، بطرح أسئلة تفصيلية أسس عليها بناء معرفياًً، يمكن اعتباره بعضا من النتائج التي توصل إليها، لكنها لا تعد حلا للغز، لأنه في نظري لا وجود له إلا في ذهن الكاتب. ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما ذهب إليه المؤلف حين تحدث

هاتين القصيدتين؟ ــ هل كان مسؤولا أيضا عن الأعمال الإضافية التي انضوت ، أو أي من القصائد ) 8 ( تحت اسمه مثل» ترانيم هوميروس» الثانوية الأخرى ذات المنشأ أو التاريخ غير المؤكد في التقليد الملحمي أو ما يسمى بالدورة الملحمية؟ هذه الأسئلة قد تبدو من ناحية طرحها مهمة كونها فص ََّلت السؤال الأساسي، الذي قامت عليه تصورات كل عصر وشروحه، والمتعلق بمعرفة ماهية «هوميروس»، لكنها في حقيقة الأمر ليست كذلك، ذلك أنه في حال الوصول إلى إجاباتها، سنجدها كلها أو بعضها، باستثناء الفضول المعرفي، لا تقدم أي إضافة في مجال التراث الإنساني يعول عليها في إحداث تغيير على مستوى التصور أو حتى الخيال في عصرنا. من ناحية أخرى، فإن تلك الأسئلة إن تحققت إجاباتها، تبدو متناقضة، مع ما أشار إليه المؤلف في بداية كتابه حين طرح السؤال: «لماذا هوميروس..؟»، وقد تولّّى الإجابة قائلاًً: «.. المشكلة الحقيقية ليست فقط أن شكوكا لا تنتهي تخيم على هوميروس، ولا أنه ربما لم يكن له وجود على الإطلاق باعتباره شخصا يمكن التعرف عليه، كما يعتقد على نطاق واسع اليوم، وإنما يمتد الإشكال إلى أن هوميروس كائن مستحيل؛ كيان يصبح حقيقيا بشكل ملموس وفعلي في المحاولة الفاشلة . ) 9 ( لإمساكه فقط..» ربما يكون الكاتب مُُح ِِقّّا في النتيجة التي انتهى إليها والمتعلقة بكينونة هوميروس، والتي تظهر عند «المحاولة الفاشلة لإمساكه»، لكنه، قد يكون دون قصد منه، يعيدنا إلى الجدل التاريخي من جديد حول هوميروس، الشاعر بالمعنى القيمي، والإنسان بالمعنى الوجودي، والمرجعي بالنسبة إلى الحضارة الغربية، وقد بُُحثت هذه القضايا جميعها على نطاق واسع، بداية من اسمه، ونهاية بشعره. الّّر ََّهينة الش ّّاعر الجدل التاريخي حول هوميروس من ناحية التعريف المقصود باسمه، حيث المطبات والمنعرجات والمسالك الوعرة في المحاولات على مدى قرون انتهى، كما هو معروف، إلى اتفاق بيت العلماء على أن هوميروس اسم لُُق ََّب به بسبب أمر جلل حصل له خلال حياته، ولكنهم لم يذكروا اسمه الحقيقي، ولأنه . أشار إلى ذلك في أبيات من الأوديسة ـ ) 10 ( كان كفيف البصر لذلك يرى بعضهم أن كلمة هوميروس تعني الأعمى وبها لُُقّّب،

عن «موسيقى الحرب»، قائلا ًً: «بدلا من التظاهر بأن الإلياذة والأوديسة هي أعمال فنيََّة عظيمة لا تشوبها شائبة ونماذج لا مثيل لها من القيمة الثقافية، ربما يكون من الأفضل الاعتراف بأن قصائد هوميروس هي في الأساس موضوعات متناقضة تطرح مشكلات صعبة ولا حلول سهلة لها.. مع ملاحظة أنه علينا أن نعترف ولا ندفن التناقضات المزعجة في القصيدتين . ) 12 ( كلتيهما» بقي أن نشير هنا إلى أن الكتاب، حمل عنوانا جذ ّّابا ًً، لكنه لم يقدم إجابة للأسئلة المطروحة، ولا قدم حلا للغز، لكن كل هذا لا يقلل من أهميته على مستوى الثراء المعرفي، ويشي بمراجعة غربية للمرجعيات التي تأسست عليها التصورات والفلسفات ومنظومة القيم، والتمدن، والتدافع الحضاري والصراع الوجودي كاتب وصحفي - الجزائر المصادر والمراجع: ــ جيمس آي بورتر، هوميروس اللغز، ترجمة د. مدى صالح، وزارة الثقافة 1 م. 2023 والشباب، وميتافيرس برس للنشر والطباعة والتوزيع، الإمارات، ـ ك ُُت ّّاب أث ََّروا في البشرية.. هوميروس أكبرشاعرعرفته الحضارة الإغريقية، عالم 2 المعرفة.. على الرابط: https://knowledge-world1.com/blog/archives/30109

بتصرف. 24 ــ جيمس آي بورتر، هوميروس اللغز، مرجع سابق، ص 3 ــ ُكُتّّاب أثََّروا في البشرية.. هوميروس أكبر شاعر عرفته الحضارة الإغريقية، 4 مرجع سابق بتصرف. 850 - قال هيرودوت: «إن هوميروس سبقه بأربعمئة عام، أي إنه عاش عام 5 قبل الميلاد، ومن المرجح أن مصادر قديمة أخرى تشير إلى أنه عاش في فترة قريبة من حرب طروادة. - ك ُُتّّاب أثََّروا في البشرية.. هوميروس أكبر شاعر عرفته الحضارة الإغريقية، 6 مرجع سابق بتصرف. - من المفترض أن هوميروس قام بتأليف الإلياذة عندما كان شاباًً، بينما ألف 7 الأوديسة في سن الشيخوخة، ويؤكد معظم العلماء أن الملحمتين تم تأليفهما شفهياًً، لكن فيما بعد قد خضعتا لكثير من التعديلات والتحسينات من قِِبل فرق لاحقة، وبالتالي أدت إلى وجود الاختلافات بينهما، ونُُسبت أعمال أخرى إلى هوميروس على مر القرون». لمزيد من التفصيل راجع: - موقع «أراجيك» على الرابط: Homer - ؟ - من هو هوميروس https://www.arageek.com/bio/homer-the-author - ت ُُعرف باسم «تراتيل هوميروس» أيضا ًً. 8 بتصرف. 16 - جيمس آي بورتر، هوميروس اللغز، مرجع سابق، ص 9 - تذكر بعض المصادر أنه فقد البصر في فترة الشباب. 10 م.. 2023 سبتمبر 27 - الشاعر الإغريقي هوميروس، مواضيع الشرق الأقصى، 11 https://maawadi3.com : على الرابط بتصرف. 263 - جيمس آي بورتر، هوميروس اللغز، مرجع سابق، ص 12

95

94

2024 فبراير 292 / العدد

قراءة في كتاب «جيمس آي بورتر» «هوميروس اللغز».. طرح جديد للأسئلة الكلاسيكيّّة

Made with FlippingBook - Share PDF online