أدب ونقد
في القصة القصيرة الإماراتية آليات السرد الحداثية «نهار الظباء» نموذجا
دون تعسف وبغير تسلط مكتفية في ذلك كله بسلطة القول الصحيح وسحرالجمل الحقيقية، سحرالقص وفتنة الحكي. وبغض النظر عن النظريات الحداثية التي تتعامل مع آليات السرد القصصي فإن التمهيد لقراءة (نهار الظباء) هي قراءة بالضرورة تجتزئ مالا يتجزأ وتشير إلى أشياء وتغفل أشياء أخرى. وفي الواقع فإن الكتابة والقراءة نشاطان إنسانيان تاريخيان قصديان يمارسان في فضاء اجتماعي بعينه ويرميان بالطبع لتحقيق مقاصد بعينها ضمن حركة المجتمع الدائبة وصيرورته التي لا تكل. يعتقد بعض النقاد أن «الكتابة» معطى ناجز في العالم الفعلي ينتج الموضوع المادي، كما يرون «القراءة» باعتبارها فعلا مستقبليا يمارسه قارئ معين ينتج الموضوع الجمالي وبهذا المعنى أدت الكتابة باعتبارها ممارسة اجتماعية إلى ظهورالكتاب، وفي المقابل أدت القراءة باعتبارها خبرة ذاتية إلى إنتاج النص. وهكذا يمكننا في النهاية أن نطابق بين الكتاب والموضوع المادي من جهة والنص ) 1 ( ) 26 : ص 2014 والموضوع الجمالي من جهة أخرى (العجمي وإذا كانت القراءة بهذا المفهوم فإن خبرات الذوات القارئة تلعب دوار مهما في إنتاج الموضوع الجمالي وإعادة إنتاج النصوص وإنشاء الدلالات واستخلاص الموضوعات الجمالية. إن قراءتنا لمجموعة «نهار الظباء» من منظور نظريات الحداثة الغربية هي تطبيق لهذا المفهوم دون سواه لأننا «في تحديدنا للنص» كما يقول الناقد الفرنسي الحداثي، رولان بارت: «لا يمكن إلا أن نبقى داخل اللغة. فالنص ليس شيئا غير اللغة
صديق جوهر نصوص «نهار الظباء» في ميزان الحداثة الغربية:
لقد استطاعت الكاتبة الإماراتية فاطمة حمد المزروعي توطين الآليات السردية الحداثية لخدمة أهداف القصة القصيرة الإماراتية. لاريب أن القصص الجميلة والنصوص الأدبية الإبداعية تتألف من العبارات والجمل ذات المستويات الدلالية المختلفة التي تثير فضول القارئ وتتغلغل إلى شغاف القلوب ومكامن اللاشعور الفردي والجمعي. وليس أشق من البُُعد عن المسايرة والاستسهال ولا أيسرمن الارتماء في أحضان العبارات المسكوكة والجمل سابقة التجهيز وعلى الكاتب التمرن الدائب على كتابة الجمل الحقيقية، والعبارات الصادقة البسيطة التي وإن قل ّّت دل ّّت وإن أخبرت رمزت وإن كثفت شف ّّت وكلما ضاقت اتسعت الرؤية كقول النفري. هكذا يبدو الأمر دائما وأبدا عندما يتعلق بالكتابة والإبداع الأدبيين، محاولة إنسانية نبيلة جسورة للتشبث بما هو لقدرة الإنسان في القبض على ا � معنوي ا � حقيقي واختبار جمر المعنى الصحيح والقيم الحقة لئلا تطالها أقدام القبح الحديدية فتسحقها حجبا لوجه الحقيقة وصوتها، وطمسا لمعالم الباطل، وتزيينا لسلطاته، وتأبيدا لمواريثه. ومن أجل الولوج إلى مكامن الحقيقة والجمال في نصوص مجموعة «نهار
رمزية العناوين في قصص «نهار الظباء»: يهتم الحداثيون بتوظيف الرموز لخدمة أغراض أدبية محددة وتفسح عناوين القصص والروايات والقصائد مجالا للاستفادة من هذه التقنية الفنية. لا ريب أن عناوين القصص تعد بمنزلة آليات قصدية دلالية تشي بنية المؤلف/المؤلفة في تحديد الذاتية الجمالية لهذه القصة أو تلك من حيث ارتباطها بالتوسيع النصي الذي يتمثل في كامل المتن القصصي كحكاية وكخطاب أي كوقائع وكائنات تتحول بفعل عقيدة القاص الثقافية إلى كينونة واقعية متخيلة في آن معاًً، وكلتاهما الحكاية والخطاب يدعوان القارئ ويستثيران مخيلته لمباشرة فعل البحث والتأويل بدءا من العنوان وانتهاء بكامل المتن القصصي. وبالتوقف عند عناوين قصص المجموعة موضوع الدراسة، في ضوء الاعتبارات المنهجية سالفة الذكر، تبدو لنا تلك العناوين قصدية ترسم خارطة طريق دلالية أمام القارئ المتمعن المثابر. ولنبدأ بعنوان المجموعة القصصية «نهار الظباء» الذي يُُكََوّّن وحده نصا محاذيا وعنوانا عاما مفارقا لا يرتبط مباشرة بأي من قصص المجموعة عدا تقاطعه مع عنوان قصة «الغزالة والتمساح». وإن كان يمثل بالتأويل القرائي المفتوح زمن اليقظة والتنبه، زمن
وكان بالإمكان نقل تلك القصة بوسائل أخرى، فتنقل بواسطة شريط سينمائي مثلا وكان بالإمكان التعرف عليها كمحكي شفوي لشاهد ما دون أن تتجسد في كتاب، غير أن العمل الأدبي خطاب في الوقت نفسه، هناك سارد يحكي القصة، أمامه قارئ يدركها، وعلى هذا المستوى ليست الأحداث التي يتم نقلها هي التي تهم، وإنما الكيفية التي أطلعنا بها السارد . ) 3 ( على تلك الأحداث» ورغم إيمان كاتب هذه السطور بهذا المنهج فإن ثمة حاجة للتذكير بأن الكتابة التي تعطي الموضوع المادي هي شرط اجتماعي وتاريخي معقد لا بد من التوقف عنده فلولاها ما أمكن للنص أن يوجد أصلا ولا للدلالة نتاج القراءة أن تتولد، فالكتابة هي جغرافيا النصوص والقراءة تاريخها من حيث هي، أي القراءة، استطلاع وتمعن في التضاريس والسطوح والطقس والذخائروإلمام بالتكوينات. باختصارتحويل المكنونات المادية (اللغة المكتوبة) إلى تجارب يعيشها قراء معينون في فضاءات زمنية مختلفة وسياقات اجتماعية وثقافية متعددة فتعيد دون توقف إنتاج الدلالات ومن هنا فلا بد من التوقف قليلا عند جغرافيا نصوص «نهار الظباء» ومحدداتها الاجتماعية والتاريخية خاصة عناوين القصص الواردة في المجموعة.
ويمكن أن يوجد من خلال لغة مختلفة عنه فقط. بكلمات أخرى، يمكن أن يُُحََس بالنص في عمل محدد، في نتاج ملموس، أي دلالة . وعلى الصعيد ذاته يذهب الناقد تزفتان ) 2 ( تودوروف في كتابه «مقولات السرد الأدبي» إلى القول: «للعمل الأدبي في مستواه الأعم مظهران، فهو قصة وخطاب في الوقت نفسه، بمعنى أنه يثير في الذهن واقعا ما وأحداثا تكون قد وقعت، وشخصيات روائية تختلط من هذه الوجهة بشخصيات الحياة الفعلية،
الظباء» يمكن القول دون مصادرة على المطلوب إن الكاتبة كانت ما استطاعت إلى ذلك سبيلا لو اعتمدت القوالب الأدبية المستهلكة ولكنها وفية لهذا النهج الوعر فهي تكتب عما تعرفه محاولة جهدها ألا تتكلف وألا تزخرف وألا تلتوي وألا تباشر وتدعو، مباشرة المؤََدلََجين المؤدلِِجين، ودعوة المتنبئين المعصومين، إنما هي قبل وبعد كل شيء باحثة عن الحقيقة مدققة لمعارفها وأفكارها مهمومة بتقصي الجمال في الحق والتماس الحق في الجمال
97
96
2024 فبراير 292 / العدد
آليات السرد الحداثية في القصة القصيرة الإماراتية «نهار الظباء» نموذجا
Made with FlippingBook - Share PDF online