torath 294 - Apr - 2024

مجلة تُراث عدد 294 - أبريل 2024

كلمة رئيس التحرير

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها التغرودة لحنا تراثيا غنائيا ووزنا شعريا إماراتياًً، ولد ونشأ وترعرع في البيئة الصحراوية لدولة الإمارات العربية تعد المتحدة وبالتحديد بين كثبان صحاريها وعلى ظهورالإبل والخيل وذلك عندما ابتدعه البدو كوسيلة تسلية خلال رحلاتهم الطويلة، لاعتقادهم أنه يُُعين الراكب أو المسافر على تجش ّّم عناء السفر ويحفز إبلهم على السير بهمة ونشاط مع الإيقاع، وي ُُؤدى على شكل غناء فردي أو جماعي من ق ِِبل راكبي الإبل. وقد نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم في الحفاظ على هذا اللحن الفريد وذلك عندما نجحت في إدراجه وغيره من الروائع ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي ، الأمر الذي أسهم في التعريف بالتغرودة الإماراتية وحفظها من الاندثار 2012 غير المادي للبشرية في "اليونسكو" عام والضياع، كما أسهمت جهود الحماية في تعزيز مكانة هذا الفن الشعري في قائمة الفنون الأدائية في المنطقة، حيث أصبحت بعض أشكال التغرودة اليوم تدمج، ضمن بعض عروض الأداء التقليدية، مثل: العيالة والونّّة. وتتميز التغرودة الإماراتية بجماليات خاصة، وموضوعات متنوعة ومتعددة ت ُُعب ّّر عن ثقافة وتراث دولة الإمارات العربية المتحدة، فمن خلال أبياتها ينعكس جمال البادية وحكمة الأجداد والشجاعة والولاء والفخروالوطنيات والفرح والشجن والهجا. كما يعد هذا الفن الشعري مصد ار تاريخيا حيث يسهم في إبراز الإنجازات التاريخية وفي قراءة التاريخ الاجتماعي والثقافي، لما تشتمل عليه كلماته ومضامينه من معلومات تؤرخ لحقب متباينة من تاريخ الإمارات وثقافتها وعادات مجتمعها. وتتألف التغرودة من أبيات قصيرة متضمنة موضوعا واحدا دون تشعب، يذهب نحوه الشاعرمباشرة باستخدام عبارات مكثفة، في حين تخلت التغرودة الحديثة عن هذا الأسلوب ما جعلها تتماثل أكثرمع القصيدة التقليدية في تقديم الفكرة. واللافت للانتباه هو أن حاملي هذا الفن التراثي ليسوا كلهم شعراء، بل أغلبهم من المؤدين الذين يتقاسمون قوله وإنشاده وتكراره مع غيرهم. ومن الجميل أن هذا الفن الشعري يعكس قدرة الأفراد على التعبير والإبداع دون أي تمييز جنسي، وهناك بعض النساء البدويات في الماضي والحاضر ممن ع ُُرفن بقدرتهن على تأليف قصائد التغرودة وأدائها خلال العمل والمناسبات الجماعية، إلا أن عددهن كان أقل من الرجال الذين يتمتعون بمهارات في هذا الفن ويعتبرون أصحابه ومنتجيه ومنشديه. وانطلاقا من أهمية فن التغرودة الإماراتية كتراث ثقافي غني وزاخر ويثير الفخر، وما تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة من مبادرات لدعم هذا الفن الشعري الفريد وتوثيقه وتعزيزوعي الجمهوربه، من خلال إعداد البرامج التلفزيونية والإذاعية، وتنظيم المهرجانات والمسابقات الشعرية الخاصة به، والاهتمام بنشركل ما يتعلق بفن التغرودة وتوثيقه في إصدارات صوتية، وفي دواوين شعرية لتكون مرجعا أساسيا له، جاء اختيارنا ليكون ملفا لعدد تراث لهذا الشهر، والأمل يحدونا بأن تستمتعوا بموضوعات العدد المتنوعة.

السلسلة التراثية الثقافية

ي � ه ر � ظ ا � ل � ة ا � ش مسـ �� رئيسة التحرير

torathehc

www . torath . ae

2024 أبريل 294 / العدد

العدد محتويات محتويات العدد

وجهة سفر 76

تراث السيرة 96 سرد الذاكرة

درويش بن كرم...رجل من الزمن الصعب «طال الحديث بيني وبين درويش بن كرم، وكنت لا أريده أن ينتهي، حتى إنني كدت أنسى موضوع إصلاح الشقة، أولم يعد مهم ّّا بالنسبة لي بعد أن حضرالرجل بنفسه إلى بيتي، ولكنه أصرأن يراه وأن يأمربإصلاحه. لم يكن الرجل بحاجة إلى أن يحضر بنفسه. كان بإمكانه أن يأمر أي عامل في قسم الصيانة لديه: أن يذهب ويعاين ويصلح، ولكنه الحرص على سمعة عمارته هوالذي جعله يقوم بنفسه بمعاينة الخلل وإصلاحه في وقت قصير. هكذا كان رجال أبوظبي العظام، يتحلون بتواضع الكبار، ولا يتكبرون عن القيام بأي عمل ما دام العمل شريفاًً» ..... خليل عيلبوني

المدينة الذهبية (إشبيلية) خلال القرن التاسع عشر كانت إشبيلية بطلا أساسيا لتقلبات السياسة الوطنية حرب الاستقلال والمجلس العسكري الثوري لنارفايز وقرطبة والانتفاضة ضد والثورات 1868 إسبارتيرووأعمال الشغب الناجمة عن انقلاب أودونيل وثورة كوسوفو وكانت أيضا نواة مهمة لفوضوية الكونفدرالية الوطنية للعمل 1873 الكانترالية عام وهو 1929 في القرن العشرين، ونظمت إشبيلية المعرض الأيبيري الأمريكي لعام احتفال من شأنه أن يغيربشكل كبيرمظهرالمدينة. وبمجرد انتهاء الحرب الأهلية 13 عانت إشبيلية من حدثين مأساويين وهما انفجارمخزن البارود في سانتا باربرا في ... ضياء الدين الحفناوي 1961 نوفمبر 1 والفيضان الكبيرفي 1941 مارس

74

10

88

34

100 أدب ونقد

ارتياد الآفاق 81

الصحراء والطبيعة والإنسان في فكر إبراهيم الكوني تحد ّّث (الكوني) أن الحجة الأقوى في تجربته كلّّها هي حينما ضاع في الصحراء وهو ساعة من الضياع والتوهان في الصحراء هي 36 في عمرالخمس سنوات أوالست، التي وصلت به إلى العمق الذي وصل إليه اليوم، وقال عن ذلك: «أنا مت وعشت خلال هذه الساعات التي حفرت في داخلي وفي أعماق الوعي حينها، والتي لا زلت أعيشها في اللاوعي حتى اليوم. والفضل في نجاتي يرجع لخف الجمل الذي اتّّبعت أثره حتى وصلت إلى الواحة، إلى الحياة، ولذلك شعرت وكأن الصحراء وقّّعت معي عقدا علي أن لا أخونه» ... أماني محمد ناصر

الحضرة الانسية في الرحلة القدسية في السنة الأولى من القرن الثاني عشر الهجري، قام الشيخ/ عبد الغني المعروف بالنابلسي برحلة انطلق فيها من دمشق إلى الخليل ثم عاد إلى دمشق، في مدة خمسة وأربعين يوماًً. وصف فيها الشام ونابلس والقدس، وتعج نصوصه بالمفاهيم الصوفيّّة ومصطلحاتها ورموزها التي تلزم القارئ أو الباحث بالرجوع إلى معاجم المصطلح الصوفي ّّ...وتميزت الرحلة بالسجع اللطيف وبأبيات الشعر الوصفي كما تضمنت الأبحاث العلمية والفوائد التاريخية والمذكرات الأدبية مع سرد العلماء والصالحين المتوفين في تلك البقاع مما يرسخ الوجود العربي القديم في تلك البقعة وما حولها ... محمد عبد العزيز السقا

60

104

5

4

2024 أبريل 294 / العدد

محتويات العدد

محتويات العدد

حوارمع الشاعرسالم بن كدح الراشدي 70 سفير فن التغرودة الشعرية - حاوره: عبد المنعم همت ب ِِي ْْدار الل ََّه ْْج ََة الإماراتي ّّة فيما طابق الفصيح 73 ألفاظ الطعام والمعاني الاجتماعية - محمد فاتح زغل - عبد الفتاح صبري يحدث خلف الباب 74

حوار خاص 114

- إعداد: نايلة الأحبابي - للشاعر مطر بن خادم المهيري منواه 80 - موزة الكعبي الحس النقدي للشيخ زايد في قراءته للشعر العربي 88 - حمزة قناوي (الحلم والطريق) 91 في قصص المرأة الأخرى 92 الكاتبة الإماراتية سعاد العريمي - أحمد حسين حميدان - لولوة المنصوري است هلام التراث في الكتابة الإبداعية 98 «حوار الأصالة والحداثة» - أحمد عادل زيدان التراث الثقافي الذكي 104 - نورة صابر المزروعي العلاج بالموسيقى ومرض السرطان 108 أفلام قصيرة في مهرجان العين السينمائي لعام 110 تحت ضوء التحليل - صالح كرامة العامري قراءة في ديوان «خفايا خفوق» 120 للشاعرة الإماراتية حمدة المر - قمر صبري الجاسم ) 1 ( المرأة والتحوُُّلات الحضارية 124 التمس ّّك بالصورة التقليدية - خالد صالح ملكاوي ) 1939-2009 سلطان الشاعر( 128 رحلة بين قصائد الشعر ولحن التمثيل - مريم النقبي

عبد الله راشد: رائد المسرح الإماراتي في التقنية والفن يقول الفنان عبدالله: «إن المسرح الإماراتي أبرزنفسه بنفسه، حيث اتكأ على خبرات عربية فنية أصيلة، فاشتد عوده، ثم أصبح أيقونه عربية بارزة من خلال منجزاته، المليئة بمشاركات عربية ودولية. وحتى لا نجانب الصواب فالمسرح الإماراتي يمتلك بنى تحتية، وطاقات فنية أصبحت ذات خبرات عربية، وفي هذا السياق لابد من ذكر الجهود المضنية التي قدمها الكاتب الكبيرإسماعيل عبدالله والمخرج المتميزمحمد العامري» ... هشام أزكيض

تراثية ثقافية منوعة تصدر عن:

رئيس التحرير شمسة حمد العبد الظاهري

الإشراف العام فاطمة مسعود المنصوري موزة عويص علي الدرعي

116 جلساء التراث

الإخراج والتنفيذ غادة حجاج

قراءة في كتاب «الواري».. حكايات خرافيّّة بحرية للناشئة والكبار ينظرعبد العزيزالمسلم في كاتبه (الواري) هذا إلى البحرـ من خلال علاقته بالمكان ًًا والزمان والإنسان واللغة ـ بنوع من الاهتمام البحثي والقصصي، بدءا من الإهداء ومرور بالإضاءة، وانتهاء بوصفه، باعتباره ذلك المجال الحي المليء بالإبداع والمفاجآت بما فيها تلك المتعلقة بالموت، وينتهي إلى القول: «البحرأعظم المخلوقات؛ وبرغم ذلك، فهولم يعبد ولم يقدس، بل ظل مصد ار للرزق، ومرعبا غامضا ًً.» ... خالد عمربن ققه

سكرتيرإداري وشؤون الكتاب سهى فرج خير torath@ehcl.ae

- شعر: الدكتور شهاب غانم لك الحمد 129 - فاطمة حمد المزروعي نعم الابن لخير أم 130

124

التصوير: مصطفى شعبان -

أسعار البيع مملكة البحرين - بيسة 800 سلطنة عمان - الكويت دينار واحد - ريالات 10 المملكة العربية السعودية - دراهم 10 : الإمارات العربية المتحدة المملكة الأردنية الهاشمية ديناران - ليرة 100 سورية - ليرة 5000 لبنان - جنيها 250 السودان - جنيهات 5 مصر - ريال 200 اليمن - دينار واحد 3 بريطانيا - الجمهورية التونسية ديناران - دنانير 4 الجماهيرية الليبية - درهماًً 20 المملكة المغربية - فلسطين ديناران - دينار 2500 العراق - . دولارات 5 الولايات المتحدة الأمريكية وكندا - يورو 4 دول الاتحاد الأوروبي - فرنكات 7 سويسرا - جنيهات

الاشتراكات : للأفراد من خارج الدولة / درهماًً 150 : للأفراد داخل دولة الإمارات للمؤسسات / درهماًً 150 : للمؤسسات داخل الدولة - دولار 200 . دولار 200 خارج الدولة

الإدارة والتحرير: الإمارات العربية المتحدة - أبوظبي 024092336 - 024456456 هاتف: عناوين المجلة

ما ورد في هذا العدد يعبر عن آراء الكتاب ولا يعكس بالضرورة آراء هيئة التحرير أو هيئة أبوظبي للتراث

2024 أبريل 294 / العدد 7

6

ّمحتويات العدد

قصيد

عسى اََن قولك صدق يا مي ُُّودي الشاعر حمد بن حارب بن راشد العميمي

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها خالد صالح ملكاوي التغرودة الإماراتية.. جذور عريقة وأغصان باسقة - 10 محمد محمد عيسى التغرودة تراث وهوية الطريق من الجدود إِِلى الخلود - 16 التغرودة الإماراتية منبع للقيم والأصالة 20 أحمد عبد القادر الرفاعي البناء الموضوعي والأسس الفنية وجذورها في التراث العربي - محمد نجيب قدورة التأصيل التراثي لفن التغرودة الإماراتية - 24

عــــــــــــــــــــــــسى اََن قولك صـــــــــــــــــــــــــدق يــــــــــــــــــــــــا ميُُّــــــــــــــــــــــــــــــــودي اي ّّي سعيــــــــــــــــد ونع ََقــــــــــــــــــــــــــــــــر له ل ِِق ْْعودي وفوقه ذبــــــــــــــــــــــــايح وايــــــــــــــــــــــــــــــــدات وزودي مــــــــــــــــــــــــن فضل حكــــــــــــــــــــــــام شرفهــــــــــــــــــــــــــــــــم عــــــــــــــــــــــــــــــــودي بالعز عن ّّــــــــــــــــــــــــا ما نعيــــــــــــــــــــــــــــــــن ايهــــــــــــــــودي بْْطايــــــــــــــــــــــــرات فــــــــــــــــي السمــــــــــــــــــــــــا وترودي والنــــــــــــــــــــــــاس غفلــــــــــــــــه في المــــــــــــــــــــــــــــــــنام ارقــــــــــــــــــــــــودي والقوع غوّّاصــــــــــــــــــــــــات لــــــــه مفــــــــــــــــنودي هل الشبــــــــــــور الضافيــــــــــــــــــــــــة واليــــــــــــــــودي رســـــــــــــــــم لهم مبعــــــــــــــــــــــــد ولــــــــــــــــــــــــه مارودي والعدو حطوا لــــــــــــــــه حرس وحــــــــــــــــدودي وكــــــــــــــــــــــــم فقيــــــــــــــــــــــــــــــــر عــــــــــــــــــــــــاش م الماجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــودي حتــــــــــــــــــــــــى البهايم يشربــــــــــــــــــــــــــــــــن ورغودي

عبدالله محمد السبب التغرودة الشعرية أنشودة شعبية إماراتية - 28 مهم للمسابقات الشعرية في إحياء الفنون الشعرية القديمة دور 34 أماني ياسين إبراهيم «شاعر المليون» يحيي التغرودة الإماراتية - مع تراجع المطوّّلات والميل العام إلى التغريد والتكثيف والاختزال 40 الأمير كمال فرج التغرودة.. مستقبل الشعر النبطي - مريم سلطان المزروعي فن التغرودة.. فن التغرودة.. من على ظهور الإبل إلى قوائم «اليونسكو» - 46 منى حسن التغرودة الإماراتية: أصالة وابتكار - 49 خالد بن محمد مبارك القاسمي التغرودة بين أصالة الماضي.. وتطورات الحاضر.. واستشراق المستقبل - 52

فاطمة سلطان المزروعي التغرودة فن يتغنى بالتراث والهوية والوطن - 56 عـادل نيـل من الحداء إلى التغرودة ترانيم البادية وأسمار الصحراء - 60 أحمد سعد الدين عيطة ر ة وآفاق الم ُُستقبل» - «فن التََّغرودة: التحديات الم ُُعاص ِر 64 التغرودة الإماراتية والأغاني الشعبية في أمريكا الشمالية 68 صديق جوهر مقاربة ثقافية -

، وتوفي 1910 هذه التغرودة قالها الشاعر حمد بن حارب بن راشد العميمي، وهو من مواليد «بدع المغني» في نحو عام . ورد في سيرته الذاتية أنه تأخر في زواجه بسبب انشغاله بمرض والده والعناية به، وأنه ترك مهنة الغوص 2005 عام بعد أن كبر في السن ليعود إلى مرابع صباه وسط رمال وكثبان آبار العشوش والخصوب في «بدع المغني وسويحان»، وعمل في كد الإبل ونقل الحطب والفحم إلى دبي وأبوظبي. أما عن شعره فيجد المتتبع له أنه ابن بيئته فقد تغنى بالصحراء وبالإبل والأمطار، ووصف مجتمع البدو وعاداتهم وتقاليدهم بشكل دقيق. ويتميز أسلوبه الشعري بالسهل المملوء بالعاطفة والرقة والحس البدوي، وتتجلى في قصائده المناظر والشواهد الممتزجة بأفكاره وهواجسه الداخلية. وعن أغراض الشعر الشعبي وفنونه فقد تطرق الشاعر العميمي إلى معظمها، وقال في الردح، والونة، والتغرودة، والرزيف والمشاكاة والمدح، كما قال قصائد كثيرة وصف فيها تفاصيل وطقوس القنص والصيد بالصقور.

9 2024 أبريل 294 / العدد

8

عسى اََن قولك صدق يا مي ُُّودي

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

التغرودة الإماراتية.. جذور عريقة وأغصان باسقة

خالد صالح ملكاوي تمثل التغرودة لحنا غنائيا تراثيا ممتدا إلى العمق الجاهلي، ووزنا شعريا إماراتيا ًً، يج ّسّد خصوصية الشعرالشعبي في دولة الإمارات العربية المتحدة بهذا اللون، إذ تمتازبه مناطق البادية في الدولة وبعض مناطق سلطنة ع ُُمان على مستوى الخليج العربي، فهو فن بدوي عريق من فنون الشعر النبطي الشعبي، كان الشعراء يؤدونه وهم على ظهور الجمال أو الخيول، وهو اليوم، وبعد أن أضعفت الحياة المعاصرة من دفق حيويته، عاد ينشط بصفته فنا شعريا بحتاًً، وغدا من الروائع التي نجحت الإمارات في جع هلا تراثا إنسانيا حي ّّا ًً، بإدراجه في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى «اليونسكو». ففن التغرودة هوفن شعري غنائي عريق، ولون بدوي صرف، معروف في بوادي الإمارات وما يجاورها من بعض مناطق الديار الع ُُمانية، وتدور معظم قصائد هذا الفن القديمة حول موضوعات الحماسة والتحدي والصراعات، ولذا فهو فن رجولي كان يؤديه من ي لجس على ظهور المطايا والخيول، أثناء سيرها فيما لا يتجاوز سرعة خبيب الإبل أو هذيب الخيل، وهي أول سرعة بعد المشي، ولا يؤدى إلا في النهار، يؤديه الرجال وهم سائرون في أسفارهم وتنقلاتهم، سواء كانت سلمية أو لغايات الغزوات والحروب، لذا فالتغرودة، إلى جانب كونها واحدة من الإبداعات الشعبية الرائعة، فإنها تمثل جزءا من المخزون التراكمي لشعر القبائل البدوية، الذي يشتمل على تاريخهم وقيمهم الثقافية وعاداتهم الاجتماعية والقولية وحكمتهم ومآثر وسلوكهم وثقافتهم التعبيرية على مر الأيام. ويمكن للتغرودة أن ت ُُغن ّّى في أسمارالناس ومجالسهم، دون أن تفقد سمتها الحماسية، رغم قولها في أغراض ومعان أخرى، مثل المدح والغزل والفخروالحكمة، وفي وصف الإبل والتفاخربالمطايا وأوصافها المميزة، وغيرها من الأغراض الاجتماعية والإنسانية

وتمتاز قصائد التغرودة بأنها قصيرة وذات موضوع واحد، وتقوم على وزن «الرجز» والبيت فيها شطرمنه، ولجميع أبيات القصيدة قافية موحدة، وهو ما يكشف عن أصالتها وجذورها الممتدة إلى الأراجيزالعربية القائمة على وزن «مشطورالرجز»، والتي عرفت عبر العصور العربية منذ الجاهلية، ما يجعل هذا ٍ عربي عريق هو فن «الأرجوزة» �ٍّ اللون من الشعر شاهدا على فن أو «مشطور الرجز»، الذي ظل واسع الانتشار في العصور العربية منذ الجاهلية إلى العصر العباسي، ثم أخذ بالانحسار ٍ من �ٍّ والتراجع إلى أن توارى في البيئات العربية جميعها في كل الفصحى والعامية، ولم يعد يُُعثر على أي منه إلا بجديده من فن التغرودة الذي لاقى ازدهاره في بوادي الإمارات، ولايزال صامدا فيها دون سواها إلى يومنا هذا. ولما بدأ فن التغرودة في وقتنا الحاضر يتوارى شيئا فشيئا من التراث الشعبي الإماراتي، وأصبح هذا الفن العريق ينزوي في متاحف التراث الشعبي، نظ ار للتطور الكبير الذي طرأ على حياة البدو، وانتفاء الحاجة لامتطاء الإبل وسيلة للنقل، وطال هذا التراث الشعري الأصيل، كما طال غيره، الكثير من التغي ّّر واضح المعالم اتساقا مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في المنطقة، إذ ذهب التغيير الشامل بكثير من

التي تستجيب لمتطلبات الحياة، ذلك أن شأنها شأن مختلف أنماط الفنون الشعبية القولية أو الحركية، إذ يمارسها الناس من أجل تلبية حاجة مادية أو نفسية، ضمن ظروف تستدعيها. وتكتسب التغرودة أهمية إضافية على المستوى العربي، فعلاوة ٍ شعري غنائي �ٍّ على الأهمية المحلية لهذا اللون الشعري كفن يمثل نمطا ممياز وفريدا من أنماط التراث الشعبي الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة دون غيرها، فإن التغرودة الإماراتية تتميز بأنها تجمع بين فنين، هما: الغناء، والشعر. ويرى الدكتورغسان الحسن، الباحث ذو الباع الطويل في هذا المجال، أن هذا ما أثرى أنماط الإبداع الشعبي في المجالين العلمي والنظري. أصالة عربية وحصانة مستقبلية وللتغرودة امتداد متجذّّر في أصالة التراث العربي العريق، ويمكن تلمُُّس أصولها عبر جذورها الممتدة إلى الإبداعات الأصيلة التي تنتمي إليها ثقافتنا بجوانبها النخبوية والشعبية، والتي كانت وما زالت تشكل ملامح الشخصية العربية ذات الطابع الإنساني الذي يميزها عن سواها من الثقافات البشرية، إذ هي تغايرها من جهة وتتكامل معها من جهة أخرى.

11

10

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة الإماراتية.. جذور عريقة وأغصان باسقة

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

دواعي هذا الفن ودوافع قوله وظروف استخدامه ووظائفه، فقد تنبهت الجهات المعنية في الإمارات إلى ذلك التحدي، فضاعفت جهودها المحلية بتوثيق هذا النمط من أنماط التراث الشعبي الإماراتي، وكثفت سعيها الخارجي في الحفاظ على استدامة هذا الإرث الشعري الشاهد على تاريخ زاخربالثراء وحتى عقد مضى، وضمن الجهود القيّّمة التي تبذلها الدولة في سبيل التعريف بهذا التراث الثمين وحفظه من الاندثار والضياع، كانت هيئة السياحة والثقافة في أبوظبي قد أحصت ما يقارب ثلاثمئة شاعر من شعراء التغرودة في إمارة أبوظبي وحدها، خلال مسوحات الجرد التي قامت بها في هذا الإطار، ما يعني أن إجمالي الشعراء في إمارات الدولة كافة قد يناهز الألف شاعر أو يزيد قليلا ًً. والتغرودة اليوم هي من الروائع التي نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في تسجيلها في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي المادي وغير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إذ أدرجتها م، كتراث إنساني حي في 2012 «اليونسكو» منذ نهاية عام القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غيرالمادي للبشرية، ما أسهم في تعزيز فرص استمرار التغرودة وبقائها كلون تراثي أصيل، وتأكيد مكانتها في قائمة فنون الأداء في المنطقة، وضمان ممارستها من قِِبل الأجيال الحالية والقادمة. ر ص َرة واقع ومعا كان للرواية الشفوية أثرها في التغرودة الإماراتية، إذ يلاحظ أن ثمة ظواهرعديدة عن انتقالها بالرواية الش ََّفوية، مثل قلة عدد التغاريد المعروفة التي يمكن الحصول عليها، قياسا بغيرها من نصوص الفنون والأنماط الش ّّعرية الأخرى، وقصر البعد الزمني الذي تنتمي إليه معظم التغاريد. ويلحظ على التغرودة امتيازها بأنها قليلة الأبيات، إلى جانب اهتمامها بموضوع واحد غير متشعب، يذهب إليه الشاعر مباشرة في عبارات مكثفة، في دفقة شعرية موضوعية متسارعة إلى النهاية، في حين بات واضحا أن التغرودة الحديثة قد تخلّّت عن هذا الأسلوب وغدت أشبه بالقصيدة العادية في طرحها للفكرة، وفي أسلوب تناولها، دون عجلة أو إيجازشديد، وهو ما جعل أبياتها تطول عن التغرودة القديمة. وبينما ظلت التغرودة في التراث الشعبي الإماراتي تعد فنا شعريا غنائياًً، له لحنه التراثي التقليدي الذي يردده المغرد منفرداًً، أو متناوبا مع مغرد آخرأو أكثر، راكبا مطيته، أو جالسا ًً، منسجما

الأقدم في الإمارات، إذ عاش في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، وقد كانت ترافقه في حياته ناقة أصيلة تسمى (اختيله)، فمرضت وشارفت على الهلاك، وأخذ بنصيحة إطعامها ورق شجرة الغاف الغض كدواء، ولكن ناقته نفقت ولم ينفعها الدواء، فقال يقدح في شجرة الغاف هذه التغرودة الغاف لو يِِن ْْف ََع نفعها خ ْْتيلََه ماتت وه ُُو ََّه يخط بْْكيلََه ويخط بكيله، تعني يقطع أوراق الغاف الطري. وفي ستينيات أو سبعينيات القرن التاسع عشر أرسل جويهر الصايغ تغرودة إلى آل بوشامس في البريمي والسنينية يطلب مد العون لأبناء عمومتهم في الحمرية، حيث كانوا يخوضون لمعتدين عليهم، فاستجابوا للدعوة، وهُُزِِم ا � معارك صد

واحد من ثلاثة أوزان أو فنون شعرية، منها فن التغرودة. وقد لاقى ذلك استجابة كبيرة من الشعراء الذين ينتمون إلى مناطق جغرافية مختلفة تعرف التغرودة أو لا تعرفها في الأصل، وبنوا قصائدهم على التغرودة، غير أنه لوحظ تخلّّيهم عن بعض الشروط البنائية في التغرودة التقليدية ومخالفتهم لها، مثل تخليهم عن قصر التغرودة وقلة أبياتها وإيجازها واقتصارها على موضوع واحد غير متشعب، فجاءت تغاريدهم طويلة جدا متشعبة الأغراض فيما يشبه القصائد العادية، في حين أبقوا على الشكل العام والشروط الفنية للتغرودة، وهو الوزن والقافية الواحدة واعتبار كل شطر بيتا قائما بذاته، ما دلّّل على مدى قدرة الشعراء النبطيين على تكييف فنهم الشعري وفقا للمناسبة، والغرض، ودون الخروج على الأسس الفنية الأصيلة. من إبداعات التغرودة وفقا لأهم الدراسات التي عُُنيت بجمع التغاريد الإماراتية، وهو «ديوان التغرودة الإماراتية - تغاريد من الإمارات»، للدكتور غسان الحسن. قد تكون أقدم تغرودة وصلتنا من التراث الشعبي الإماراتي هي تغرودة الماجدي بن ظاهر، الشاعر

المعتدون. تقول التغرودة: يا راكب حمرا طويل بْْهارها ما حد ّّها الراعي وح ََن ح ْْوارها سلّّم على ربع بعيد دْْيارها ما ت ََص ْْفق اليمنى بغير ي ْْسارها ضو البََلا ش ََب ََّت قويّّه نارها ويلحق لهبها من ورا مِِنشارها

باستمتاعه بما في اللحن من تطويل وتطريب، فإن التغرودة بدأت تأخذ منحى آخر، من حيث الاستخدام والتوظيف، وجرى عليها بعض التطو ّّرالذي سرى في عمق معناها، وتحولت في الوقت الحاضرإلى فن شعري بحت، مثلها مثل أي نمط من أنماط التعبير الشعري الذي يستخدم بعض الأوزان الشعرية، ولم يعد من صفاتها أو ضروراتها التغريد اللحني والتطريب، إذ أصبحت تقال كأبيات شعرية ووزن شعري، دون أن ترتبط بالضرورة بالأداء الصوتي الغنائي أو اللحني التطريبي، فلم يعد من الأساسي أن يرافقها التغريد أو الإنشاد، كما أصبح تداولها يتم في شكل كتابي وضمن تسجيلات صوتية. وضمن الجهود الإماراتية لإحياء فن التغرودة وإدامة وجوده كفن شعري إماراتي عريق، والحفاظ على استدامته، وتعريفا بالتغرودة وتنبيها لجمال لحنها الغنائي ووزنها الشعري، يذكر الدكتور غسان الحسن في كتابه «ديوان التغرودة الإماراتية: تغاريد من الإمارات» أن لجنة التحكيم في برنامج «شاعر المليون» طلبت، في أكثر من موسم من مواسم البرنامج، من الشعراء المشاركين أن يجاروا تغاريد لشعراء قدامى من الإمارات. ولارتباط هذا الفن في أساسه بالإبل والبوش، إذ إنه يسمى (تغرودة البوش) فقد بادر القائمون على المسابقة م، 2010 الشعرية المرافقة لمهرجان مزاينة الظفرة للإبل لعام إلى اشتراط بناء الشاعر قصيدته المشاركة في المسابقة على

13

12

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة الإماراتية.. جذور عريقة وأغصان باسقة

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

وكان الشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم - رحمه الله - الذي م، 1912 م، إلى أن توفاه الله عام 1906 حكم دبي من عام قد برع في فن التغرودة، وتاليا تغرودة يذكر فيها أبوظبي وهو ينوي الذهاب إليها، ويتشوق إليها وإلى أهلها الذين هم سند له وحصن منيع لديارهم: يا راكب ح ََمرا موََذّّف زورها ياللي ف كواميخ الشداد مْْهورها ويقول سعيد بن عبيد بن خلف الرميثي الذي عاش في مطلع القرن العشرين التغرودة التالية مخاطبا عيد بن محمد الظاهري وذاك ار ناقته «مْْطيله»: ِِيا عم ياليتك دريت بحالي ِِلِِمْْبيت في شد ّّه وفي وِِلْْوال ِولوما «مْْطيله» ما نِِج ََعْْت شمال وودّّي بضيّّة بوعيون ثْْلال وقد استخدمت بعض أشكال التغرودة في بعض الفنون ًًا الشعبية، مثل العيالة والونّّة، كما جعلها بعضهم مصدر للحكمة والبصيرة في التاريخ الإماراتي؛ فتحولت بعض أشعارها ًًا إلى أمثال تتردد كثي ار في الأحاديث اليومية حتى غدت جزء أط ْْر ََت ع ََل ََي ََّه دار وابغي ازورها ياللّّي مقاطعها شمالي خورها ه ِِلْْها سنادي هم حجاب وسورها

مهما ومكوّّنا أساسيا من مكوّّنات الحكمة التي سرت على ألسنة الناس، كما هي حال مقطع من تغرودة لأحمد بن خليفة م، إذ يقول في الحث على التعاون 1985 الحبتور المتوفى سنة والوحدة والدعوة إلى التواصل والتكاتف: أحيد العرب في الحادثة تلتمّّي ولا خير في دنيا بل ّيّا ضم ّّي م، في مقطع من 1978 ويقول أحمد بن بليد المررالمتوفى عام م، في ذم 1830 بينما يقول علي بن حسين الغفلي المولود عام البخلاء المتقاعسين الذين لا يرجى منهم العون والمساعدة والكرم: بين اليميلة والرداء مغدافي ومعناه أن ثمة مسافة قصيرة تفصل بين الكرم والتقاعس عنه، وهذه المسافة هي ذلك المرتفع الصغير (مغدافي)، والذي إن اجتزته فقد أدّّيت الواجب وأصبحت كريماًً، وإن تقاعست غلب عليك البخل إعلامي مقيم في الإمارات المصادر والمراجع: . تراثنا من الشعر الشعبي، جمع وتحقيق: حمد أبو شهاب، أبوظبي، نادي تراث 1 م. 1998 الإمارات، الجزأين الأول والثاني، . التغرودة الإماراتية: دراسة علمية في فن التغرودة في الشعر النبطي الإماراتي، 2 الدكتور غسان الحسن، أبوظبي، «أكاديمية الشعر» في هيئة أبوظبي للثقافة تغرودة لمدح الأشخاص الكرماء: البْْحوث تصلد والعدود محلّّها ولي ياك عاني من بعيد يْْدلّّها

م. 2009 والتراث، الطبعة الثانية، م. 2013 / 1 / 7 . جريدة الخليج، 3

. ديوان التغرودة الإماراتية: تغاريد من الإمارات، جمع وتحقيق، الدكتور غسان 4 الحسن، أبوظبي، «أكاديمية الشعر» في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، الطبعة م. 2015 الأولى، . الشعر النبطي في منطقة الخليج والجزيرة العربية، الدكتور غسان حسن 5 أحمد الحسن، أبوظبي، المجمع الثقافي، الطبعة الأولى، القسم الأول، القسم م. 1990 الثاني، . موسوعة أعلام الشعر الشعبي في دولة الإمارات العربية المتحدة: ترجمة 6 لأهم الشعراء الشعبيين في الإمارات ونماذج من أشعارهم التي ينشر بعضها لأول مرة، راشد أحمد المزروعي، أبوظبي، لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية م. 2020 والتراثية، الطبعة الأولى، . موسوعة الأمثال والأقوال الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، راشد 7 م. 2016 أحمد المزروعي، أبوظبي، الناشر نفسه، الجزء الأول، الطبعة الأولى، https://ar.unesco.org :» . الموقع الإلكتروني لـ «اليونسكو 8

15

14

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة الإماراتية.. جذور عريقة وأغصان باسقة

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

التغرودة تراث وهوية الطريق من الجدود إِِلى الخلود

محمد محمد عيسى تُُعد التغرودة شكلا من أشكال التراث الشعبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتشمل مجموعة متنوعة من ِرعن الثقافة والتقاليد �ِّ الفنون والعروض التراثية التي تُُعب الإماراتية. وتعود نشأة التغرودة إلى فترة قديمة من تاريخ الإمارات وثقافتها التقليدية؛ حيث الثقافة البدوية والحياة الصحراوية، وقد ارتبطت التغرودة بالغناء والعرض الراقص، مثل (العيالة)، كما كانت جزءا مهما من الترفيه، حيث استُُخدمت لتسلية المسافرين والرُُّحل الذين يسافرون على ظهور المطايا في الصحراء، وقد تم تداول هذا الفن عبر الأجيال وسيلة للترفيه وتوثيقا للتاريخ الاجتماعي والثقافي في المنطقة. وكانت التغرودة ولا تزال مظه ار مهما من مظاهر الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية للمجتمع الإماراتي، إِِذ يُُغنََّى فن التغرودة في مختلف المناسبات الثقافية والاجتماعية، مثل حفلات الأعراس وسباقات ال جهن والمهرجانات التراثية والوطنية. وجاءت التغرودة لتعكس قيم الوحدة والتراث والفخر الوطني للشعب الإماراتي. ِر عن قيم �ِّ وغالبا ما تروي التغرودة قصصا شعبية وتُُعب الوفاء والعزم، وتتميز بتنوعها وغناها، وهناك العديد من التغرودات الشهيرة التي تمثل جزءا من الثقافة الشعبية ِدون على موضوعات مثل: �ِّ في الإمارات، كما يركز المغر الحب والوفاء، والشهامة والشجاعة، ويستخدمونها للتعليق على القضايا الاجتماعية وإبراز الإنجازات التاريخية أيضاًً، ِدون في فض النزاعات بين الأفراد �ِّ كذلك استخدمها المغر والقبائل. وعلى الرََّغم من تقليدية فن التغرودة، فإنََّه لايزال يحافظ على أهميته ويواكب التطورات الحديثة، بما في ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشره وتطويره. ضمن القائمة 2012 وقد أُُدرِِج فن التغرودة منذ عام التمثيليّّة للتراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لـ

فإن ذلك من باب التجاوز، كما كانت العرب تسمي الأرجوزة فلم يقولوا قصيدة، ولا خاتمة لكلتيهما. ومازالت هذه هي الحال في هذا الفن في الإمارات، يقولون في الغالب تغرودة ويطلقون على شاعرها (مغرداًً)، وكما العرب في الماضي كانوا يقولون على من ينظم الأرجوزة (راج ازًً). ومن أكثر شعراء التغرودة الحاليين شهرة في الإمارات الشاعر عبيد بن معضد النعيمي، والشاعر أحمد بن سالم بالعبدة الشامسي، والشاعر محمد بن حامد المنهالي، إضافة إلى شعراء التغرودة القدماء ولاسيما الشاعر سعيد بن عتيج الهاملي، وسوف نتوقف عند واحدة من أشهر تغروداته، وقد كتبها إلى الشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم، وقد ذكرها الدكتور غسان الحسن ضمن مختارات للشاعر من كتابه (ديوان التغرودة، تغاريد من الإمارات): ََّـــــــــــــــد ْْ» ه ََالْْنََــــــــــــــــــــــــــــــا مََـــــــــــــــــــــــــا ه ََالْْنََــــــــــــا يـــــــــــــــــــــــــا «بُُو م ْْح ََم ِي يََرََى وْْعيََّنْْـــــــــــــــــــــــــت مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن غربالنــــــــــــــــــــا �ِّ ش الل كلَمَتْْـــــــــــــــــــــــــك ح ََس ََّتنــــــــــــــــــــا وغثََّــــــــــــــــــــت بالنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

«اليونسكو». وتبدو أهمية هذا الفن بالنسبة إلى الإماراتيين في تعزيز الترابط الاجتماعي، كما يعمل على تعريف الأجيال الجديدة بتاريخهم وثقافتهم، وباستمراريته يمكن الاستمتاع بنمط الحياة التقليدي والقيم الثقافية التي كانت سائدة في الماضي. ّ ال َْْفَِصِيح �ِ ََّي ب راث الْْرََع ٌ مُُرتََبط بِِالتُّر �ٌّ التََّغ ْْرُُودة َفٌَّنغِِنََائِي التغرودة فن شعري غنائي ارتبط بالترديد والحداء ويمتد وزن التغرودة للأصول المعروفة عند العرب من أيام الجاهلية؛ ذلك أن ََّها تقوم على مشطور«الرجز»؛ لذا فإن ََّه يجمعها بـ«الرجز» جامع كبير إذ نرصد تشابها كبي ار بين «الرجز» والتغرودة، فالوزن ٍ كبير في الموضوعات �ٍّ بينهما واحد، ولعلهما يتفقان إلى حد التي يتم تناولها، كما يتفقان في البناء، من حيث إنََّه لا توجد لهما مقدمة أي للتغرودة والأرجوزة مثل التي توجد عادة في القصائد، رُُبََّما ذلك لأنََّها تتميز بقصرها؛ حيث تتألف عادة من سبعة أبيات أو أقل، ويتم ترديدها بين الركاب بالتناوب في تناغم تام أثناء السفر في الصحرا، وتركز في الأساس على الحدث، والتغرودة هكذا اسمها وكفى، ومن يسميها قصيدة

ولو مــــــــــــــــــــا س ِِم ِِع ْْناهــــــــــــــــــــا ان كان اشــــــــــو ََى ل ْْنـــــــــــــــا و ِِش ذا الحـــــــــــــــسود اللي ســـــــــــــــعو ْْا باقوالنــــــــــــــــــــــــــــــا

17

16

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة تراث وهوية الطريق من الجدود إِِلى الخلود

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

دبَّّب ومــــــــــــــــــــــــــــــــن خاطــــــــــــــــــــــــــــــــرْْك كنََّــــــــه حالــــــــــــــــــــــــــــــــنا

والعادات والتقاليد، والطبيعة، ما يجعلها قريبة ومفهومة للمجتمع. . تتمتع التغرودة بإيقاع خاص، وهو ما يضفي عليها رونقا 4 خاصا ًً، يسهم في تعزيز جاذبيتها وإيقاعها الشعري. . تعكس التغرودة الإماراتية تراثا غنيا وهوية وطنية قوية، حيث 5 ِر عن الهوية الإماراتية والانتماء إلى �ِّ تحمل قيما ومفاهيم تعب الوطن. . يُُعد الأداء الشفهي للتغرودة جزءا أساسيا من جمالياتها، 6 حيث يتميزبالعفوية والمباشرة، وتضفي الإيقاعات والترديدات ِد الانسجام لدى المتلقي �ِّ الصوتية عليها جاذبية خاصة، ما ي لو عند سماعها. ي تُُواجِِه التََّغْْرُُودََة التََّحََديات الّّتِي تحظى التغرودة الإماراتية باهتمام من ق ِِبل المؤسسات الثقافية من التراث الشعبي والثقافي في ا � الداعمة، بوصفها جزء الإمارات، هذا بالإضافة إلى التغيرات المهمة التي طرأت على فن التغرودة، فهو يتطور باستمرار؛ ليلبي احتياجات الجمهور المعاصر، فقد تجد هذا النوع من الشعرمكتوبا أومسجلا ًً، إلى جانب أدائه في العروض الحية خلال المناسبات الاجتماعية والوطنية، وعلى الرغم من مجموع ذلك فإن التغرودة قد تواجه بعض التحديات، منها: . تغيرات الثقافة الاجتماعية؛ حيث يؤدي التقدم التكنولوجي 1 وتغيرات الحياة الاجتماعية، إِِلى انحسار الاهتمام بالتغرودة من ق ِِبل الأجيال الشابة، الذين قد يكونون أكثر توجها نحو

ن ِِت ْْح ََس ََّب ََــــــــــــــــــــــــــــــــك ل ُُو كــــــــــــــــــــــــل ما يع ْْبــــــــــــــــــــــــا لنــــــــــــــــــــــــــــــــا ْْــــــــــــــــر م الزل ّا لــــــــــــــــــــــــي عش ولــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي تْْغََيّّرنــــــــــــــــــــــــــــــــا عليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك تْْسالْْنــــــــــــــــــــــــا

ت تتغــــــــــــــــــــــــــــــــاض ََى لنــــــــــــــــــــــــا ا

تاخــــــــــــــــــــــــد قضــــــــــــــــا منــــــــــــــــا وتتقاضــــــــــــــــــــــــى لنــــــــــــــــــــــــــــــا

وان كــــــــــــــــــــــــــــــــان من خاطـــــــــــــــــــــرك ما تهوى لــــــــــــــــنا

آمــــــــــــــــــــــــــــــــر ومــــــــــــــــن دارك ن ْْزيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح ازوالنــــــــــــــــــــــــــــــــا

ْْــــــــــــــــــــــــم في حالــــــــــــــــــــــــنا لو هــــــــــــــــــــــــو ف ْْراقــــــــــــــــــــــــك ساه

) 1 ( ش نْْروم كــــــــــــــــــــــــــــــــان اللــــــــــــــــــــــــه يزيح ظ ْْلالنــــــــــــــــــــــا

َج ََمَالِِيََّات التََّغ ْْر ُُود ََة الإِِم ََارََاتِِيّّة ِر عن �ِّ يتميز فن التغرودة الإماراتية بجمالياته الخاصة التي تعب ثقافة الإمارات وتراثها، وتشمل جوانب عدة تجعلها مميزة: . تتمتع التغرودة الإماراتية بلغة شعرية متقنة وجذابة 1 تستخدم مفردات بسيطة وعامية محلية تعبّّر عن المشاعر بشكل مباشروصادق. . تتضمن التغرودة تركيبات شعرية مميزة؛ حيث تعتمد على 2 التكرار والتوزيع الصوتي، ما يعزز من جاذبيتها ويجعلها سهلة الحفظ. . تركز التغرودات الإماراتية على الموضوعات الشعبية 3 والاجتماعية المهمة في حياة الناس مثل: الحب، والوطن،

وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. . قد يُُؤدي تراجع استخدام المفردات الموروثة في الحياة 2 اليومية إلى تراجع الاهتمام بالتغرودة، التي تعتمد بشكل كبير على تلك المفردات في توصيل رسائلها. . يُُمكن أن يؤدي عدم التوثيق الكامل والمتجدد للتغرودة 3 الإماراتية إلى اندثارها بمرور الوقت، خاصة إذا لم يتم التركيز على توثيقها ونقلها إلى الأجيال الشابة. . مع التأثيرات الثقافية العالمية والتغيرات الاقتصادية 4 والاجتماعية، قد تواجه التغرودة الإماراتية تحديات في الحفاظ على هويتها الثقافية والمحافظة على تميزها في وجه التشبه بالثقافات العالمية الأخرى. . نظ ار إلى تزايد الضغوط في الحياة اليومية؛ فقد يُُؤدي إلى 5 تراجع الاهتمام بالنشاطات الثقافية التقليدية مثل التغرودة، إذ لا يجد الناس وقتا للمشاركة فيها بسبب متطلبات الحياة الحديثة. ي الإمارََات الر ُُّؤ ََى الْْم ُُس َْْتَْقَْبَِلِيََّة للتََّغر ُُود ََة ف ِي ِ تلك التحديات التي قد تواجه التغرودة وفن التغرودة - �ِّ في ظل وََعلى الرََّغم من اهتمام المؤسسات والجهات المعنية بها - فقد تلوح في الأفق بعض من الرؤى المعززة لتنامي هذا الفن مع الحفاظ على إرثه الثقافي والحضاري، ومِِن تلك الرُُّؤى التي يجدر الإِِحاطة بها: - التأكيد على تبني المؤسسات الثقافية في الإمارات مبادرات 1 متعددة لتعزيزالوعي بأهمية التغرودة والحفاظ عليها؛ بوصفها جزءا من التراث الشعبي، وذلك من خلال تنظيم الفعاليات الثقافية وورش العمل والمعارض التي تُُسلط الضوء على هذا الفن التقليدي.

- استغلال الواقع الافتراضي في تعزيز التغرودة في الإمارات، 2 من خلال توفير منصات رسمية لعرض الأداء وتبادل الأفكار والإلهام بين الفنانين والمهتمين. - الحرص على إنشاء قواعد بيانات رقمية ومراكزللتوثيق تهتم 3 بجمع وتوثيق هذا الفن التراثي، والعمل على التحديث المستمرله. - تعزيز دعم المؤسسات الثقافية للمبادرات التي تشجع على 4 الإبداع والابتكار في مجال التغرودة، ما يسهم في تطوير الفن وجذب الاهتمام به بشكل أكثر. - تعزيز التعليم والتدريب؛ بحيث يمكن أن تتبن ّّى المؤسسات 5 التعليمية والثقافية برامج ودورات تدريبية تهدف إلى تعليم الشباب وتدريبهم على فن التغرودة وتطوير مهاراتهم في هذا المجال. - التعاون الدولي: قد تسهم علاقات التعاون الدولي في تبادل 6 الخبرات والمعرفة بين الإمارات والدول الأخرى في مجال التراث بحيث يكون للتغرودات نصيب، ما يؤكد التفاهم الثقافي ويسهم في نشر هذا الفن على المستوى العالمي. - من الممكن أن يؤدي التطور التكنولوجي إلى إيجاد فرص 7 جديدة لتطوير التغرودة ونشرها، سواء من خلال تطبيقات الهواتف الذكية أو منصات الإنترنت التي تسمح بالتواصل والعرض الفني عبر الإنترنت. - تشجيع البحث الأكاديمي الخاص بهذا الفن، بحيث يفتح 8 الباب للوقوف على بعض التغرودات التي لم يتوصل البحث السابق إليها، وكذلك الوقوف على جماليات هذا الفن كاتب وناقد مصري الهوامش: ، 1 . غسان الحسن، ديوان التغرودة، تغاريد من الإمارات، أكاديمية الشعر، ط 1 . 39 - 38 م، ص 2015 أبوظبي،

19

18

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة تراث وهوية الطريق من الجدود إِِلى الخلود

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

التغرودة الإماراتية منبع للقيم والأصالة البناء الموضوعي والأسس الفنية وجذورها في التراث العربي

النهاية. ولذا يمكن القول إن التغرودة تشبه الومضة الشعرية القصيرة تنبثق بسرعة وتنتهي بسرعة، كشحنة من المعنى تبدأ وتتصاعد ثم تنتهي في دفقة واحدة. وقد أسهمت التغرودة الإماراتية في توثيق أواصر الترابط الاجتماعي بين أفراد المجتمع من خلال ما يتم تناقله شفهيا من موضوعات عبرأشعارالتغرودة، وإرسال الرسائل إلى المحبوب والأقارب والأصدقاء وشيوخ القبائل، ويعد هذا الفن وسيلة مهمة يمكن للشاعر التعبير من خلاله عن موقفه من قضية اجتماعية، أو الإدلاء برأيه في موضوع معين، وتلعب التغرودة كذلك دوار كبيار في بعض الأحيان في تسوية النزاعات بين الأشخاص والقبائل، ولفت انتباه الناس إلى بعض الجوانب المضيئة في علاقاتهم الاجتماعية والقبلية والتاريخية، وتسهم في تحسين علاقة الجوار وتوطيدها بين القبائل، ومن أبرز أغراض التغرودة الحكمة وذلك لأن بناءها الشعري يتناسب مع هذا الغرض من حيث أسلوبها المباشروعباراتها المختصرة والمكثفة، وما يتحصل للشاعرمن تجارب في حياته، وحصيلة خبرته المستفادة من حوادث الدنيا والتبصر في مسار الأيام وتصاريف الدهر.

أحمد عبد القادر الرفاعي التغرودة لحن غنائي تراثي ووزن شعري إماراتي له وجود في مناطق عُُمان المجاورة. يسمونها (تغرودة الجهن) و(شلّّة التغرودة) وجمعها تغاريد. كذلك يسميها بعضهم (غرودة). والتغرودة فن بدوي صرف، ينتمي إلى البيئة البرية ولا علاقة له بالبحر. كانوا يؤدونه وهم على ظهور الإبل أو على ظهور الخيل أثناء سيرهما فيما لا يتجاوز سرعة خبيب الإبل أو هذيب الخيل، وهي أول سرعة بعد المشي، ولا تُُؤدى إلا في النهار. يؤديه الرجال وهم سائرون في أسفارهم وتنقلاتهم السلمية. أو تلك التي تتعلق بالغزوات والحروب. كالعودة منها بالنصر، أو الذهاب إليها في حالة حماسية غاضبة. ويمكن للتغرودة أن تُُغنى في أسمار الناس ومجالسهم وهم جلوس للتسلية والاستمتاع، وهي على الإجمال فن حماسي على الرغم من قوله في أغراض ومعان أخرى متعددة مثل: الغزل والمدح والفخر والحكمة. ومؤدو التغرودة من البدو يقولون إن التغرودة تطرب المغرد كما تطرب المطية التي تحس بإيقاعها فتطرب لها، وتستجيب لأوامرصاحبها وتنشط في سيرها ولا تحس بالتعب أو الملل. تمتازالتغرودة بأنها قصيرة قليلة الأبيات. كما تنفرد بين الفنون الشعرية بأن كل بيت منها هو شطر من الأبيات العادية. وتمتاز كذلك بترابط الأبيات وتواليها في المعنى بصورة وظيفية، يؤدي كل بيت فيها دوره في المعنى دون زيادة ثم يوصلك إلى البيت الذي يليه بصورة متدحرجة متوالية بتسارع واضح إلى

مــغــتــر فــيــهــا مــا يــفــســر غـيـبها غــدراتــهــا كــل الأمــور تــصــيــبــهـا مــع مــنــتــهــاهــا مــا يــفــيــد طبيبها لــو ســانــعــت لك لا تــكــون حـبـيـبـها كــانــك تــمــيــز خــبــثــهــا مــن طيبها إن طــوّّلــت تــرمــيــك مــا تــرمـي بها بــقــعــا ومــا مــنــهــا يـــقــول طليبها

ِِومن ذلك هذه التغرودة لأحد العوامر يقول فيها: الـدنـيــا فــيـهــا نــاهــب ومــنـهــوب مـن يـوم حـوآ تـجـيـب حـر ونـوبـي

وهذه تغرودة أخرى تتحدث عن النفس ومطالبها التي لا تنتهي، وهي تغرودة للشاعر بخيت بن سعيد الكتبي ينصح فيها بعدم مطاوعة النفس دائماًً: الــنــفــس مـا تـعـطـى الـمـنـايـا ك هلا مــرّّه انــشــرّّغــهــا ومــرّّة نــذلــها ومثل ذلك تغرودة الشاعر عبيد بن محمد النيادي التي يصف فيها الدنيا وما فيها من أحداث وما تحمله من مغريات كلها زائفة، في حين يكون الإنسان ناجحا فيها إذا استطاع أن يميز الطيب من الخبيث ويبتعد بنفسه عن الخبيث، ولا يطمئن إلى الدنيا لأنها سريعة الانقلاب يقول:

وللشاعر محمد بن يعروف المنصوري مجموعة من التغاريد بلغت سبعا جاءت جميعها في غرض النصح والإرشاد خاصة، وكأنه رأى في شكل التغرودة قالبا موج از يصلح لحمل رسالة مكثفة مختصرة مباشرة، كرسالة النصح والإرشاد التي تتطلب مثل هذا الأسلوب الذي ليس فيه مواربة. ومن هذه التغاريد قوله:

بــنــت الــدهــر غــدرا وبــي ّّــن عـيـبـهـا إلا دلـــيــه الــقــلــب مـــا يـــدري بــهــا

يــا مــن ســعــى يــبــغــي رضــى الرحمن لازم عـــلـــيـــك تـــصـــارع الــشــيــطــان

21

20

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة الإماراتية منبع للقيم والأصالة البناء الموضوعي والأسس الفنية وجذورها في التراث العربي

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

واللــي انــهــزم فــي ســاحــة الــمــيــدان إخـــذ الــحــذر لــي عــاد يــــرجــع ثــانــي ويـــخـــرب اعـــمــالـــك وعــمــرك فــانـي ويـــغـــويـــك بــالــســيّّــه بــعــد الاحـسـان مـــتـــســـلّّـــط بـــشـــره عــلــى الانــســان مـــن عـــصـــر ابـــونـــا آدم عــلـيـنا جاني وفي تغرودة ثانية يوجز الشاعر القول في أربعة أبيات فيقول:

الإنــســان دون الــديــن مــا لــه راحــه ّّــه زاحـه وان زاد فــي الإيــمــان هــم فــي طــاعة الله لــه طــمــع وربــاحــة لــي طــاب ســعــيــه فــي طريق فلاحه

أما الشاعرعبيد بن معضد فيقول في تغرودة ناصحا بمصاحبة الأخيارلأن في ذلك صلاحا واكتسابا للصفات والأخلاق الحميدة في حين أن من يصادق الأشرار والأنذال سيصبح مثلهم ويكتسب منهم الطباع السيئة حتى وإن كان ينتمي إلى أناس أجواد أخيار:

تـعالـوا نـحـالـــــــــــــــــــــــــف صامتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ومزاحمـــــــــــــا

المقصود مباشرة، والانتهاء من القصيدة حين استكمال هذا الموضوع. ويبدو أن أصالة البادية الإماراتية وعمق انتمائها إلى الثقافة العربية ومحافظتها على إرثها الحضاري جعل فنون هذه البادية موصولة بصورة مباشرة بجذورها الراسخة في التربة العربية الخصبة التي ما زالت تعطي فنونا وألوانا من الإبداع التليد والأصالة بالمحافظة على الأسس الفنية التي تجعل التغرودة قادرة على حمل أغراض الشعر العربي ومن ذلك الشكل الفني للتغرودة فكل شطرفي التغرودة ينتهي بروي ملتزم في كل أشطر القصيدة، ما يجعل كل شطر منها يحتوي على كل ما يؤهله لأن يكون بيتا تاما وهذا يتناسب جدا مع البناء الموضوعي لها. وعند العودة إلى جذور التغرودة في التراث العربي نكتشف أن هذه الكلمة وهذا الفن يضربان بجذورهما في التاريخ العربي. فكلمة (تغرودة) في اللغة مأخوذة من الفعل غرد. والغََرََدُُ: التطريب في الصوت والغناء، وغرّّد الإنسان تعني رفع صوته وطرب، وتقال كذلك للحمامة والقمري، وهذا يعني أن الكلمة في اللغة حملت معناها نفسه في المصطلح الشعبي، وهو يدل على أصالة الكلمة وعلى عراقة هذا الفن، بل إن صاحب «القاموس المحيط»، أورد بيتين من الشعر أحدهما للنابعة الجعدي قرن فيه التغريد براكب المطية، وهو الاقتران الذي ما زال قائما حتى الآن، يقول النابغة الجعدي:

لـــي يـــرابـــع الــعــدلــيــن والأيــواد زانــت وصــوفــه بــالــعــقــل يــســتــاد لــو كــود عــبــد مــكــتســي بــســواد ولـــي يـــرابـــع الأنـــذال والأوغـــاد يــحســب نــذل شــيــن الــطــبــع يعتاد لـــو كـــان يـــده مـــن خـــيـــار ايــداد

عـلـيـهـــــــــــــــــــــــــــــــــم نـصـــــــــــــــــــــــــارا مـا تغــــــــــــــــــــــــرّّد راكبــــــــــــــــــــــــــــــــا أما البيت الثاني الذي أورده ابن منظور في «لسان العرب» فهو للشاعر سويد بن كراع العكلي يقول فيه وقد قرن التغريد

بالحداء، والحداء يكون للناقة كما هو معلوم: إذا عــرضــــــــــــــــــــــــــــــــــت داويــــــــــــــــــــــــــــــــــة مـدلـهـمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

الإسهاب في توصيفها، وعدم إعطاء الموضوعات الجانبية أو الثانوية أهمية زائدة، وعدم الاستطراد في موضوعات تخرج عن الموضوع الرئيسي، وكذلك عدم دخول الشاعرفي أساليب التجميل والتحسين وتجويد القصيدة، من محسنات وصور وسواها من أساليب القول والتصويرغيرالمباشرالتي تستغرق من الشاعر وقتا وتزيد في طول القصيدة، وكذلك استخدام اللغة المباشرة وهو الأسلوب الأمثل لإيصال المعنى للطرف الآخردون مواربة، وهذا يعني أن التغرودة على الأغلب تنتمي إلى العقل والمنطق الواعي أكثرمن انتمائها إلى العاطفة والوجدان ودواخل النفس. ومن هذه الظاهرة أحادية موضوع التغرودة أيضاًً، وهذا أمر يغلب على التغاريد ولا يشملها كلها، فالمغرد ينشئ تغرودته لغرض معين يذهب إليه ويعبر عنه ولا يتفرع غالبا إلى موضوعات أخرى، ونجد ظاهرة الإيجاز في التعبير عن الموضوع أيضاًً، وهذه من صفات العبارة الشعرية في التغرودة، إذ نلاحظ أنها عبارة مكثفة مضغوطة فيما يمكن أن نسميه ما قل ودل من الكلام، وتماشيا مع الإيجازالذي يتطلبه ظرف قول التغرودة، عمد المغرد إلى الدخول في الموضوع

وغــــــــــــــــــــــــــــــــرّّد حـاديـهـــــــــــــــــــــــــــــــــا فـريـــــــــــــــــــــــــن بـهـا فلقـــــــــــــــــــا إن هذا البعد اللغوي لكلمة التغرودة، وما صاحبه من شواهد شعرية، لهو دليل ناطق على أن التغرودة بمعناها وطريقة أدائها الصوتي، ومناسبة أدائها وهيئته كانت موجودة عند العرب منذ عهودهم الأولى قبل الإسلام، وأنها وصلت إلى عصرنا الحاضر محافظة على هيئتها شكلا ومضمونا كاتب من سوريا المصادر والمراجع: - التغرودة الإماراتية، دراسة علمية في فن التغرودة في التراث الشعبي 1 الإماراتي، الدكتور غسان الحسن، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، «أكاديمية . 2009 الشعر»، الطبعة الثانية، عام - سعيد بن عتيج الهاملي/ فروسية الحب والشعر، مؤيد الشيباني، مؤسسة 2 . 2020 ، عام 1 سلطان بن عويس الثقافية، ط ـ القاموس «المحيط»، والقاموس «الوسيط في اللغة»، مجد الدين محمد بن 3 يعقوب الفيروز آبادي، دار العلم للجميع، لبنان. ـ مقالات متفرقة نشرت في صحيفتي («البيان» - «الخليج») عن التغرودة الإماراتية. 4

ومن خلال تغرودة الشاعرسعيد بن عتيج الهاملي التالية نتفهم شخصيته، فهو قوي وحساس، ولا يرضى على نفسه الموقف السيىء أو الكلمة الخادشة، وفي ذلك يقول: يـــا بـــو مـحـمـد هــالـنـا مــا هــالـنـا وش لــي جـــرى وعـيّّنت من عربالنا

ّّــتــنــا وغــثّّــت بالنا وكـلـمــتــك حــس ولـــو مــا ســمــعــنــا كـا هو أشوا لنا وشــي الــحــســود اللي سعوا باقوالنا دبب مـــن خـــاطـــرك كــنّّــه حــالــنــا

وقد ساعد البناء الموضوعي للتغرودة على جعلها تتناسب مع غرض الحكمة ومن ظواهرهذا البناء الموضوعي قصرالتغرودة، وهذا نراه بصورة لافتة للانتباه، وخاصة إذا قيس بالقصائد العادية التي قد تطول أكثر، غير أنها لا تصل في قصرها إلى درجة التغرودة، وقد نتج عن ذلك أمور كثيرة، منها عدم التدخل في تفصيلات الأمور التي يتحدث عنها الشاعر، وعدم

23

22

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة الإماراتية منبع للقيم والأصالة البناء الموضوعي والأسس الفنية وجذورها في التراث العربي

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

التأصيل التراثي لفن التغرودة الإماراتية

محمد نجيب قدورة التغرودة غوص عميق في ماض عريق

هل عجب أن يزداد الجميل حسنا إذا ما زدناه حبا واست هلاما وتأصيلا في استغواربحث وحت ونحت، والروح هي هي، أت ُُرانا نحن تغيرنا؟ ما الذي جرى؟ لا بد أن ما لدينا بضاعة من روعة أساليب وعمق معان وعذوبة أنغام وشيء من ديباجة المراسيل. قالت لي عصفورة الفكرة: تتساءل كيف ومتى ومن أين؟ قلت من رأس العين مبتدأ النهر وهناك على أطراف الصحراء وشطآن البحر تعزف الكلمات أوتارها، في الصحراء وقع خبيب الإبل وهذيل الخيل، وعلى الشطآن حادي النهمات على وقع تلاطم الأمواج بأصابع المجاديف وخفقان الأشرعة... هكذا أيتها النفس الشاعرة تولد الفنون. قالت نفسي: من هذا أو ذاك تريد إرجاع الفنون القولية إلى ساحات وميادين. قلت: في التصاوير والتعابير والحركات لنا قراءات وإحصاءات واستنتاجات، وإليك الدليل الافتراضي كيف ولد فن التغرودة الغنائي حسب رؤيتي السابرة، حيث التغرودة العربية سر من أسرار الفن الرفيع الخالد الرائد. شفافية في ماهية التغرودة: قالت عصفورة الفكرة: في عصرنا كل شيء خاضع للتجريب في مختبرات وتنقيبات، قلت: إن تحليل النشأة يعني وعي أصالة وترسيخ هوية، التغرودة ليست فنا مستحدثا ولا مستوردا لكنها موروث متنام من بذرة وجنين وفكرة، حلمك عليّّ، فقد رأيت ما رأى كتاب (الترقيص الغنائي للأطفال عند العرب) لمؤلفه (أحمد عبد التواب عوض) أن الترقيص تغريد غنائي يتتبع شفافية الأذن الآسرة والعين الساحرة، فتخرج الموجات الصوتية الشغوف بالمولود لمناغاته وإسعاده وإظهار الأماني المتفائلة، لنتابع قول الشيماء أخت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالرضاعة:

هذا أخ لي لم تلده أمي وليس من نسل أبي وعمي فأنمه ال هلم فيما تنمي قالت عصفورة فكرتي: يا ساكنا في حينا، أنت تعيد تدوير التأصيل، فالترقيص في لسان العرب سير الإبل. قلت: سرعان ما عادت بي الذاكرة إلى تغرودة تحذيرية وردت على لسان الملكة الزباء بعدما رأت وتأكدت من خديعة (قصير) فكان المثل (لأمر ما جدع قصير أنفه) فقالت:

سردية التغرودة على بساط أحمدي أجل هذا هو قصدي، التغرودة فن شعري غنائي مموسق على مشطوربحر«الرجز» المعروف عند العرب أنه بحرالمهام، فيه تحميس الحروب وتنفيس الكروب (ومن نسي قديمه تاه) فلا عجب إذا استمر البد ّّاعون من شعراء العرب إلى اليوم بالنسج على هذا البحر حتى سموه (حمار الشعر) قالت نفسي: حيلك، فالحديث ذو شجون، قلت: أما أنا فقد رأيت أن لهذا الحديث شؤونا عندما تجوهر فن التغرودة العربية على طابع الهوية، فغدا معروفا بأنه رفع صوت وتطريبه لمن يؤنس نفسه في سرى الليل للجمال والرجال والظعائن وفي رائعة النهار تطرب النوق وتحن والخيل ماهرة في التخبيب والجري على توضيب، ثم لم نتغافل عن مناجل الحصاد وأهل الجداد وهي تترنم في تسالي تنسي التعب في تطريب على انفراد أو جماعة، ما دام العمل مستم ار والمسيرطويلا في البادية... فما على المسافرين إلا تذكر الأهل والأحباب، ولا أنسى هنا وعينا لفائدة النغم الجميل على كل كائن حي. ولا غرابة في سياق التغاريد أن يؤنسن المكان والطيروالشجر، فتُُح ََيّّا الناقة وتكون مراسم وطقوس الشكوى للدرب والمصير، ففي فن التغرودة حكايات تحولت إلى ملاحم شعبية درامية

فيها تجسيد المرارة والألم في تعب الجمال من الرحيل لتبقى التغاريد أسلوب فخر في معاني الرجال. قالت نفسي: التغرودة فيها من أثر التغريبة في تصوير شف ّّاف. قلت: تعنين: إن فن التغرودة سجل للوعة الغربة... الغناء والشعر توأم الروح البدوية، لكن يا نفسي ما قلته لك ليس من قبيل الخيال إنه بحق واقع التغرودة ذلك الفن الغنائي الجميل الأصيل. التغرودة في الصدور والسطور الدكتور غس ّّان الحسن يُُع ََرّّف التغرودة الإماراتية بأنها: (لحن غنائي تراثي له وجود في الخليج بامتداد جغرافي ما بين الإمارات وعُُمان بمسميات مثل (تغرودة الهجن) و(شلة التغرودة) وقد سار على هذا التعريف الباحث مطر رمضان في حديثه عن الفلكلور الشعبي، بالطبع هناك تشعبات في الأغراض حسب ٍ غنائي، الجميع متفقون �ٍّ طبيعة المكان، لكن التغرودة كفََن على أنها أبيات قليلة من الشعر المرتجل، فالمسافرون تسيل ألحانهم مطبوعة دون تكلف، والمجارون منضبطون في عدم

ما ل جلمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا تأْْزرا شديدا زم الرجال حيثما قعودا

قالت نفسي: هذه شاعرية بدوية فطرية، والجمل عذّّب قلب الملكة الزباء بما حمل كما أتعب الطفل جدّّه وهو يحمله طائفا به حول الكعبة سبعاًً، قلت: أجل كان عبد المطلب جد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وهو يغرّّد: يا رب كل طائف وساجد ورب كل غائب وشاهد أدعوك بالليل الطفوح الراكد لََهُُم فاصرف عنه كيد الكائد واحطم به كل عنود ضاهد (الضاهد هو المضطهد)

25 2024 أبريل 294 / العدد

التأصيل التراثي لفن التغرودة الإماراتية 24

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

رحالة وراحل قد يسلي النفس عن هموم الطريق لكنه قد يحمس المشاعر ويقدر الرجال، حتى يصل إلى مرّّدة المجاراة والمشاكاة ولا يعيبه ذلك ما دام النسيج الفني مراعيا لقلة الكلام ودلالة المعنى. التغرودة في موازين الإنشاد قالت عصفورة فكرتي: التغرودة هي التغرودة في كل مكان وزمان في الفصيح والنبطي في مصر أو ع ُُمان ... أعرف أنك ستقول أن لديك تراثا في التغاريد لها نكهة أخرى ما بين لوز الدلعونة وعطر السكابا وسرحة الميجنا... قلت لن أد ّّعي بدعا من الكلام إلا أنني عاشرت أهل الإمارات أربعين عاما فصرت منهم... أتذكرين كيف أني وأنا على كاسر أمواج أبوظبي، وأمام مسرح مجاز الشارقة كنت أخاطب من بعيد الصديق عبد الله عبد الرحمن والدكتور حمد بن صراي كما المشتاق فتخيلت صديقي الشاعرمطررمضان يحمل مرسالي فأنشدته: أمنت عليك سلّّم عراس الخيمه خبرها عن مشتاق لذيك اللمه واحمل معاك من الحبايب شمّّه سلم على جيس وابن خاله وعمه بالطبع لكي تكتمل الصورة كان من المتوقع أن يرد علي الشاعر عبد الله الهدية منشدا في سرحة خيالي الميجني: سلّّم عل الحصن القديم بديره قالت نفسي: هكذا يتحول فن التغرودة ويتطور، فإن لم يكن الجمل المسافر فلا بأس أن تظل الفكرة في أناشيد شاعر الماضي والحاضر والمستقبل. خلاصة التأصيل قلت وفي نفسي المزيد: كان لا بد أن يكون مسك الكلام في تغرودة لطالما اعتبرتها أيقونة خاصة أنها في تمجيد وتوصيف المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - صاحب الفضل الأكبر في ترسيخ الحركة الشعرية الإماراتية... إنها تغرودة الشاعر (محمد العامري) القائل: هزري على زايد يشابه يد ّّه ارغيب ما سد العرب ما سد ّّه عل عين والشارقه بمجالس الحيره عل لي سكن قصرالحصن وخويره رد المراسيل من نخيل جميره

اوقول هوى بي من حسين الهايه ويتابع الباحث الحسن الإشارة بالشرح مشيار إلى الطارش (المندوب) ووسيلة حامل الرسالة ناقة (سراية) موثوق بها حتى المطروش (المرسل إليه) مذكوربالاسم (محمد) والغاية شكوى أو تظلم ثم نصل إلى معنى طريف في مضمون (حسين الهايه) فنحس كأن في الكلام لغازًً، أترى محمد هذا رجل يقضي الحاجات أو هو تورية والمطلوب ذلك الحب القديم صعيب المنال. يا نفسي: أعجبتني هذه القصة القصيرة الوامضة لسرد التغاريد، لاحظي كيف سيكون الرد من قبل الشاعر محمد بن راشد الشامسي على تغرودة أحمد علي الكندي:

الخروج عن الفكرة في النص سواء أكانوا أهل صحراء أم جبل أم قرية، والتغرودة على العموم موروث تقليدي يجري عادة على لسان البدوي الأصيل. أذكر أنني اطلعت في ديوان التغرودة الإماراتية جمعا وتحقيقا م واستوعبت 2015 من الباحث الدكتور غسان الحسن عام كم كان الباحث حريصا على التوثيق والدعوة إلى الصون، فلا غرابة أن يكون في الإمارات وعي لأهمية الثقافة الشفاهية فأصدرت الدولة القانون لهذا الغرض. والتغرودة في نظر الدكتور غسان الحسن غير التغريدة... هذا صحيح من حيث أول نظرة لكن إذا أردنا القيمة المضافة للتغريدة فإننا من وجهة نظر حداثية يمكننا تصنيف التغرودة على أنها أمثولة تراثية خالدة عابرة للأزمنة، فهي شبه رسالة سجعية، والتسجيع هنا عزف حميد على حد تعبيرالدكتورعمر عبد العزيز في بعض توصيفاته للعادات القولية عند العرب كالأمثال وعناوين الكتب وأسلوب التوقيعات الأميرية والحِِكم والتحاذير. أقول هذا من جهة نحن نوافق الباحث المبدع الدكتور غسان الحسن من أن الوقت يحسب حسابه في توصيل التغرودة من ق ِِبل هج ّّان أو خيّّال، وقد يروق لي إضفاء هذه السمة الفنية على فنون القول البحرية خاصة عندما تكون التنهيمة حاملة لحكاية أو شيفرة في قلب النهام، وفي مقابل التناهيم، رسائل المطاريش تسلك ذات السلوك في تكثيف المعاني إلى ما قل ودل، وهذا ما يدفعنا للقول: لكل تغرودة حكاية. هذان نموذجان يوضحان مرماي من تحميل التغرودة مهمة اجتماعية تتجاوز كونها تشد الهمة أو تنسي هموم الطريق في ليل أو نهار، مع أنها في كل حالاتها كما أذكر دائما تونيس للجمال أو الخيول في أوقات السلم والحرب، ونضرب الأمثال: - تغرودة الشاعر سعيد بن عبيد بن خلف الرميثي. 1 يا عم يا ليتك دريت بحالي لمبيت في شد ّّة وفي ولوال ولو ما مطيله ما نجعت شمال وودي بضيه بوعيون ثلال - رسالة الشاعر أحمد بن علي الكندي في رسالة أرسلها إلى 2 صديقه الشاعر محمد بن راشد الشامسي وقال فيها: يا طارشين فوق لي سرّّايه امشيره للسير وامطايه اوصل محمد بلغه شكوايه

حي النديب اللي وصل جدوايه فوق الذي في وصفها مولايه شقرا ومن هين أصل مسمايه تطوي الفيافي لي سرت دلايه الكندي يشكي علٍة مغبايه من الكاعب اللي رد دونه غشايه ليلة صدفته كان هذا رايه جايزمودك خاف من لوشايه

أجل إنها الشاعرية الأخوية في تغاريد (المودة) التي هي أقرب إلى الارتجال، ولأن التغرودة لها هيئاتها وملامحها الصوتية فقد قامت «أكاديمية الشعر» في أبوظبي بإصدار صوتي بأداء (محمد بن حامد المنهالي) ليوثق هذا الفن من السطور إلى الصدورتلبية لعاشق الشعرالنبطي، والتسجيل يصلح للإصدار بأصوات نسائية، ذلك أن التغرودة ليست مجرد فن شعري شعبي بقدرما هي حم ّّالة لتشكيل فني ونمط من أنماط الحوار المعتمد في مسرح الحياة، حيث تتناول التغرودة جميع أغراض الحياة من غزل ومواساة وهجاء ومديح وفخر سواء وردتنا من شاعر معروف أو مجهول. فن التغرودة نسيج وحده لا غرابة أن نميز فن التغرودة عن القصيدة والموشح، إذ كل مسمى له تفرده في القوافي والنغم، فالقصيدة لها أشكالها ما بين شطرين متساويين يتساويان في روي الصدر ويختلفان في النغم، والموشح له قصيدة غنائية دون التركيز على الانسجام المعنوي، حتى في قدوده. أما التغرودة فهي المشطور من بحر «الرجز» وكما ذكرت دائما التغرودة مرسال المراسيل بين

يسلم زبينه والطنيب يردّّه واللي معاصي يبشره بالشد ّّه

ألاحظت يا عصفورة فكرتي أن التغرودة من أماديح الشعر النبطي، وهي قابلة لكل الأغراض الشعرية لكنها تبقى مرسال المراسيل ومطراش المطاريش ولسان التوصيات من حكيم الحياة: الدنيا فيها ناهب ومنهوبي من يوم حوّّا تجيب حر ونوبي لكن روح البداوة هي الأصل الولود الودود فعندما نسمع تغرودة لا فرار من تمجيد (الشقرا) و(الحمرا) وبيان محاسنها فالمغر ّّد يحبها وتحبه: ثم يبقى القول الفصل إن التغرودة فن صوتي أدائي ي بنى على مشطور بحر «الرجز» لغاية في نفس شاعره، على العموم هي توصيل رسالة وجدانية أو اجتماعية أو نفسية أديب وباحث فلسطيني وسنامها مترس من الزاد ارتوى زعفرتها من خير زاد المحتوى

27

26

2024 أبريل 294 / العدد

التأصيل التراثي لفن التغرودة الإماراتية

Page 1 Page 3-2 Page 5-4 Page 7-6 Page 9-8 Page 11-10 Page 13-12 Page 15-14 Page 17-16 Page 19-18 Page 21-20 Page 23-22 Page 25-24 Page 27-26 Page 29-28 Page 31-30 Page 33-32 Page 35-34 Page 37-36 Page 39-38 Page 41-40 Page 43-42 Page 45-44 Page 47-46 Page 49-48 Page 51-50 Page 53-52 Page 55-54 Page 57-56 Page 59-58 Page 61-60 Page 63-62 Page 65-64 Page 67-66 Page 69-68 Page 71-70 Page 73-72 Page 75-74 Page 77-76 Page 79-78 Page 81-80 Page 83-82 Page 85-84 Page 87-86 Page 89-88 Page 91-90 Page 93-92 Page 95-94 Page 97-96 Page 99-98 Page 101-100 Page 103-102 Page 105-104 Page 107-106 Page 109-108 Page 111-110 Page 113-112 Page 115-114 Page 117-116 Page 119-118 Page 121-120 Page 123-122 Page 125-124 Page 127-126 Page 129-128 Page 131-130 Page 132

Made with FlippingBook flipbook maker