أدب ونقد
«الصحراء علم لم نعترف به.. لأننا لم نفعل ما يكفي كي نكتشفه» الصحراء والطبيعة والإنسان في فكر إبراهيم الكوني
أماني محمد ناصر % من مساحة الكرة الأرضية، وتشترك جميع أنواعها بظروفها البيئية القاسية، ومعدلات 20 تمثل الصحراء ما نسبته .) 1 هطول أمطارمختلفة بحسب مكانها، وتصنف الصحاري حسب موقعها الجغرافي( وهي ظاهرة مناخية، كما أنها مساحة من الأرض تتصف بشدة جفافها وبدرجة حرارتها العالية الدائمة والفصلية، مع تفاوت كبيرفي درجات الحرارة عدا الصحاري القطبية. أمطارها قليلة وتتميزبأنها عاصفة مؤقتة فجائية، التربة فيها غير .) 2 متطورة بسبب الظروف الطبيعية القاسية التي لا تساعد على نمو العالم العضوي، فالنباتات مبعثرة وقزمة وشوكية( تغطي الصحاري س ُُبع المساحة الإجمالية للأرض. ومعظم الأراضي الصحراوية تمتد جوارالمدارين، مدارالسرطان شمالا ًً، ومدارالجدي جنوبا ًً، وتخضع للضغط المرتفع، حيث يهبط الهواء البارد، وعند هبوطه يسخن ويمتص الرطوبة بدلا من إطلاقها في الجو. وتمتد مناطق صحراوية أخرى في المناطق التي تحجبها المرتفعات عن البحار والمحيطات، وكذلك في المناطق الساحلية. وكانت الأقاليم الصحراوية حتى عهد ليس ببعيد، مناطق مجهولة مغلقة أمام جمهرة العلماء والمستكشفين، كما كان يكتنفها شيء كبير من الغموض ولم يرتدها في ذلك الوقت إلا بعض المغامرين والمخاطرين، وظلت على هذا النحو حقبة طويلة ثم أخذت أنظار العلماء بعد ذلك تتجه إليها، وأصبحت تلقى قد ار كبي ار من اهتمامهم وخصوصا أن بعض الجيومورفولفوجيين والجيولوجيين كانوا على يقين من أن هناك الكثير من الفوارق بين الأقاليم الجافة والرطبة، ما يستوجب دراسة هذه المناطق دراسة علمية دقيقة، هذا فضلا عن أن الأقاليم الجافة تشغل مساحة كبيرة من سطح .) 3 % من جملة مساحته( 30 الأرض تقترب من
الصحراء والارتحال إليها أما الصحراء في مفهوم الروائي والمفك ّّر إبراهيم الكوني الذي تحدّّث عنها ضمن البرنامج الثقافي المصاحب لمعرض نوفمبر 10 )، بتاريخ 42 الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ ( ، في محاضرة بعنوان: شعرية الصحراء، التي نظمها نادي 2023 تراث الإمارات بالتعاون مع لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية في إكسبو الشارقة، وأدار الحوار الدكتور عماد خلف (دكتوراه في الأدب المقارن وباحث في هيئة أبوظبي للتراث)، فهي «علمٌٌ، ولكنّّه العلم الذي لم نعترف به، لأننا لم نفعل ما يكفي كي نكتشفه، لأن الصحراء كالجبل الجليدي العائم، واحد من عشرة من حجمه فقط يطفوعلى سطح اليابسة، أما التسعة أعشار الباقية فغنيمة الروح التي تحتجب عن ّّا بفضل
بعبع هو النسيان، والصحراء لم تبخل على الجنس البشري، لا بالثروات الروحية ولا بالثروات النفعية، هي اللقيطة الضائعة في حفريات التكوين». وبرأيه أن الهجرة لم تكن لولا وجود وصي حميم هو الصحراء، لأنها وحدها طريق، وكلّّها طريق، وتروّّض على إدمان الطريق. وتحدّّث أن الحجة الأقوى في تجربته كلّّها هي حينما ضاع في الصحراء وهو في عمر الخمس سنوات أو الست سنوات، ساعة من الضياع والتوهان في الصحراء هي التي وصلت 36 به إلى العمق الذي وصل إليه اليوم، وقال عن ذلك: «أنا مت وعشت خلال هذه الساعات التي حفرت في داخلي وفي أعماق الوعي حينها، والتي ما زلت أعيشها في اللاوعي حتى اليوم. والفضل في نجاتي يرجع لخف الجمل الذي اتّّبعت أثره حتى وصلت إلى الواحة، إلى الحياة، ولذلك شعرت وكأن الصحراء وق ّّعت معي عقدا علي ألا أخونه». وعن الارتحال إلى الصحراء، أضاف الكوني: «يقول القديس أوغسطين إن (الإنسان المهاجر هو الإنسان المقدّّس)، المهاجرون هم قوّّة إلهية، أما المستقرون هم قوّّة دنيوية. إن الإنسان الذي قرر أن يحمل متاعه على ظهره ويرتحل، فرحلته هي البحث عن الحقيقة، البحث عن الله، هو الإنسان الخي ّّر، والباحث عن الحقيقة هو من العظماء الذي تنتهي به خطاه في محراب الحقيقة. كثيرون اختاروا الترحال، واستطاعوا ذلك، فالأنبياء ارتحلوا، والصحراء كانت مسقط رأسهم. أما الإنسان المستقر فهذا الإنسان اختار المنفعة على الحرية والزهد، واختار الصفقة التجارية على الإيثار والعطاء وبالتالي أصبح متعاليا ًً.
101 2024 أبريل 294 / العدد
100 الصحراء والطبيعة والإنسان في فكر إبراهيم الكوني
Made with FlippingBook flipbook maker