torath 294 - Apr - 2024

سينما

نحو تأصيل الموضوعات المتواصلة التي ترتفع نحو البعيد في أن يظل الوقت مكو ّّنا أساسياًً، بل ربما هو جزء من احتمالات الوجود نفسه، كل هذا تم عبر المحتوى الثنائي بين الأشياء المراد استحضارها لهذا يظل منظور الصورة جزءا من حركة الضوء نفسه، أي السينما هي الرّّسم بواسطة الضوء، ولكن عندما تنبثق الحقائق على شكل موضوعات فإنها تنبسط تباعا إلى استدعاء الحدث والعقدة الأرسطية في تناغم الشخصيات لتعد جزءا من اعتمادها في التحليق نحو الآفاق البعيدة، وسوف نجد أنفسنا نرحل نحوالإعجاب تارة، نحوعمق الحدث نفسه تارة أخرى، وهذا ما نحرص عليه كسينمائيين في كينونة الحدث ذاته والحفاظ على سيره بشكل وتيرة واحدة نحو التشويق، ونحو توقع الحقائق الثابتة بعيدا عن المنظورنفسه ليصبح المشهد - هو بعينه - واحداًً، ونحن نحدد كل نقاطها، والذي شغلني طوال المشاهدة لهذا الفيلم هو درجة الإمعان في استدعاء الماضي كجزء من إمكانية وجود الإنسان فيه، ليستمر حتى النهاية ويعتمد على تدفق الحياة على أنها جزئية من احتمالية وجودها في الكون وهذا عندما نتطرق إلى فيلم (ديانة الماء) للمخرج الع ُُماني (هيثم سليمان) هذا العنوان جعل محتوى الفيلم يستدعي بشكل حر كلمة الماء لتصبح جزئية من الحدث نفسه من أن تحريك كل هذه الأشياء الواضحة يعد دراميا وحدثا لعقدة النص نفسه ومن الإمكان احتواؤها وأن تعيش في مكانها. في الحقيقة شاهدت الفيلم وعدت مرات لكي أصيغ شيئا يتفوق في إبراز الحقائق على أن استمر في المشاهدة والمتابعة للنهاية، فعندما فكرت في الكتابة عن هذا الفيلم انبرى بخلدي كثير من الأفكار ذات التناص مع الحقائق الفلسفية، في ما معنى ديانة الماء الذي يهدف إبرازها المخرج، وهل استمرارية الحوارعلى أنه هو المفيد في تصاعد الحدث..! وعندما أمعنت في الإمساك بكل هذه وجدت نفسي أندفع نحو التفتيش عن ماهية التسمية نفسها وما أفك ّّر به في هذا العنوان المترتب عليه، عند المناقشة والذي شغلني كثي ارًً، في أن الماء والمتمثل في البحر في نبش هذه القدرة الحياتية وفي انسيابية الصورة في الفيلم، ولكن التحوّّل في نوعية المنادي في المحاور البعيدة هو الذي أشغلني كثي ارًً، ولهذا جلست مع مخرج الفيلم وتحدثنا كثي ار في هذه النواحي وفي أن الحوارفي الفيلم والمصاحب للصورة هو حوار يرجع صداه إلى المحاورة نفسها وخاصة عندما يبدأ الفيلم في الطرق على أن الماء وهو جزء من التطهير النفسي لشخوصه وهذا ما لمسناه في

أنه يحمل وراءه لغ از لمكوثه بالقرية، وأوهمهم أن (الجمارية) هم من يقومون بذلك واخترع وجوب تقديم القربان لهم ليأمنوا غدرهم، لهذا عندما جاء الدور على الفتاة (زهرة) لتقديمها لـ (الجمارية ) يفيق (عيسى) الضريرمن نومه على رؤية (الجمارية) في صورة رجال بملابسهم السوداء فينهض من نومه مفزوعا هذه الصورة التي تمثلت لعيسى في منامه أشكال (الجمارية) هذه الصورة الذهنية التي ترسخت في ذهنه تلك الليلة فصحا مفزوعاًً، فأخذ يبحث عن (زهرة) واتكأ الفيلم على نظرية أضحية الماء الفرعونية هو عنصر مهم عندما سرده (سبيت)، ونظرية الماء عند لقائه بالفتى (عيسى) الذي يبحث عن أبيه التائه في عرض البحر والذي فقد الاتصال به، كل هذا التشابك في الفيلم نجده في شخصيات تبحث عن ذاتها وأما (سبيت) الذي حط به الترحال في هذه القرية البحرية واتخذ كوخا ملامسا للبحرمنعزلا عن أهل القرية، وقد احتمى بنفسه أن ينقب عن حياته المأخوذة بالحياة نفسها، هذا التناص في فلسفة الفيلم في إمكانية أن يصبح الماء عنص ار مهما للحياة والموت وهذا ما صرح به (سبيت) الذي يؤمن بأن الماء هو مقبرة خاصة للحياة وليست التربة، ففي هذه الأشياء يكمن الكثير منها لتصبح هي، وتظل الحقائق كلها ملقاة حول ثنايا المكان وتصوراته الذي ينغرس في توهان ذاتي أحضره (سبيت) معه وهو يقرن أن الموت هو وجع يلاحقه أينما حل، فهو يعتقد أن وجهة الإنسان الأخيرة نحو البحر وليس التربة ولهذا تطرح هذه الفلسفة بشكل عميق وتنظيري. في هذا الفيلم الذي قاد إلى تساؤل تام عندما وضعت الحياة في تناص مع الماء ولهذا كان هذا التساؤل مقترنا مع التفكير المستبد لدى (سبيت) لهذا أدخل الحياة في عنفوان التساؤل نفسه فنجد أن كل شيء يتفوق على إمكانية التحوّّل الفني وكل الذي يبقى في قالب هو متأصل في الحياة، ولهذا يعد هذا الفيلم قد قفز إلى تركيبة الأشياء لكي يحيل هذه المسافات كلها نحو ماهية الماء أي العنوان (ديانة الماء) التي تعد جزءا منه مع أنني مقتنع أن العمل الفني هو جزء من انفعال تام مع المشاهد لهذا الشيء، فاندفع الفيلم ناحية تكثيف المشهد في أن ّّه عنصر في سياق ًًا الفيلم ألا وهو (سبيت) الذي قدم إلى القرية وأصبح منظر حقيقيا لفلسفة الماء تلك، وقد تم هذا الطرح عبر خطوط ضوئية للصورة نفسها لينفتح على تأويلات بعيدة وخاصة عندما ًًا يقترح (سبيت) على (عيسى) الفتى الضريرأن يكون الماء جزء من التكوين الفعلي للأشياء، ولهذا اتهم أهل القرية (سبيت)

في أنه هو من يسرق جثث المتوفين من أهل القرية ويلقيها في الماء ليصبح (سبيت) المتهم الوحيد في نبش القبور ليلا لنجد الفتى (عيسى) في مشهد نهاية الفيلم يصطحبه (سبيت) ليريه جثة (زهرة) بعدما أن قام (سبيت) باستخرجها من قبرها بعد أن نبشه ويضعها (سبيت) أمامه فيتحسسها (عيسى) وهي مسجاة أمامه. كل هذا كان من اعتقاده أن الإنسان عبرعصور يعود إلى الماء، هذه الفلسفة التي تبنّّاها (سبيت) وهي انتصاره للماء هو الذي دفع الفيلم أن ينحو نحو الماء كعنصر فلزي للحياة، يتقدم الحدث بقوة عندما يشعر (سبيت) أن عليه أن يلقي بنفسه إلى عرض البحر هربا من انتقام أهل القرية منه بعدما تم اكتشاف أمره في نبش قبور موتاهم. عندها يذهب (سبيت) ناحية البحر قس ار ويدخله ويختار مصيره ويذهب (عيسى) كذلك ناحية البحر للبحث عن أبيه التائه في عرض البحر، وكأن المخرج بهذا ينبش النص باتجاه أن القرار للبحر في تصفية خصومه واستدعاء مريديه ومفقوديه لينفذ أمره في أن هذه المصائركلها تكمن في حراسة الماء من الظن حتى تصبح الحياة عليه كمرادف للديمومة.. مؤلف ومخرج مسرحي وسينمائي

شخصية (سبيت)، الغريب الذي قدم إلى القرية المتمددة على البحر والمهجورة والذي يخاف أهلها من المجهول، ولهذا اختار المخرج أن تنام قريته تلك على شاطئ البحر المهجور ويكتنفها الظلام والهواجس، ولذلك كان البحر بطلا في ثنايا الليل مع أهل هذه القرية الرابضة هناك، التساؤل الملح كيف لهذه القرية أن تحلم بكابوس مميت وتنام تحت إسيلاء (الجمارية) حسب ميثولوجيا المسمى والكائنات التي تأتي من ناحية البحر وتطالب أهل القرية بالأضحية وتقديم القرابين بشكل موسمي لكي تنعم القرية بالطمأنينة وتكون في مأمن منهم ومن شرورهم، بحيث يقدم لهم قربانا ولهذا اختاروا أن يقدموا لهم (زهرة) الفتاة المعاقة، ولهذا السبب نفسه يقدم أهل القرية طقسا على وجه البحر، ونثر الرماد على سطحه، ونثر البخور حوله، وهذا ما شهدناه على شاطئ البحر لتحرير أنفسهم وعتقها من سطوة (الجمارية) تلك، وهذا الطقس النيروزي الذي يتم الاحتفال به، يعطي انطباعا تاما على أن حياة أهل القرية هي جزء من فعل مستمر حتى النهاية، وخاصة عندها يتم استدعاء البحر لنجدتهم فالبحر يطلب مدده أي يحتاج لمن يقضي على سطوته وأن (الجمارية) هؤلاء يظهرون من البحر ويقومون في طقس خفي باستدعاء أحد أفراد أهل البحر، ويكون أشبه بكابوس فعلي ونشاهد أهل القرية وهم يشكّّلون طقسا لـ (الجمارية) في ثورة الأشياء وتبعاتها، وعندما يأتي إلى القرية رجل اسمه (سبيت) الذي قام بدوره الفنان (صالح زعل) نشاهد هذا الرجل بملامحه وتقاطيعه التي توحي

فيلم ديانة الماء

فيلم ديانة الماء

113

112

2024 أبريل 294 / العدد

تحت ضوء التحليل

أفلام قصيرة في مهرجان العين السينمائي لعام

Made with FlippingBook flipbook maker