مزن الشعر
)1( المرأة والتحو ُُّلات الحضارية التمس ّّك بالصورة التقليدية
المرأة بلا رأي مع بدايات التحض ّّر، ظل كثير من الشعراء متمسكين بما كانت عليه المرأة في مرحلة ما قبل ظهور النفط، فهي عنصر مهم ولكنه تابع للرجل، تؤدي وظيفة الأمومة، وواجبات الزوج، ومكانها إنما هو البيت وإدارة شؤونه، وليس لها في الأعمال الاجتماعية. وبما أن هذه الصورة التقليدية تغيرت في الوقت الراهن، إلا أنها ظهرت في الشعر النبطي مع مالها من ذيول. وقد تفرع عن هذه النظرة، نظرة دونية إلى رأي المرأة، فرأي الرجل المجرّّب العارف المُُعارك للحياة أنضج وأفضل وأقرب إلى الصواب، فمن العيب على الرجل أن يطيع زوجته وأن يكون رأيها قائدا له، لذا فقد نصح بعض الشعراء بالابتعاد عن مثل هذه الطاعة وعن مشاركة المرأة الرأي أو الاكتراث برأيها حتى لو كان صائبا ًً، بل حذ ّّر بعضهم من الوقوع في مثل هذا السلوك لما يحمله، برأيهم، من مذلة وإساءة لصاحبه، يقول الشاعرراشد بن سالم بن مسلم المنصوري في وصية له ونصيحة بعدم مشاورة المرأة: ََّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه لا تطاوعهـــــــــــــــــا وأدّّب وليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدك وأم
ََّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه وح ِِثّّــــــــــــــــــــــــــــه صلاتــــــــــــــــــــــــــــه لا يِِخلّّیهــــــــــــــا وص وللتأكيد على أهمية نصيحته يمهّّد في مقدمة قصيدته بالتعريف بما اختزن لديه من معرفة وحكمة وفهم أكثر للحياة نتيجة ما عاشه من تجارب: قال الذي يفهــــــــــــــــــــــــــــم الدنيــــــــــــــــــــــــــــا وج ََرََّبهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا وََلََّف نصيحــــــــــــــــــــــــــــه لمــــــــــــــــــــــــــــن يفهم ويََهْْديــــــــــــــــــــــــــــها وينصح الشاعر خميس محمد علي المزروعي في وصاياه بالأمر نفسه: أوََص ّّيــــــــــــــــــــــــــــك ط ِِيع الوالديــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن وبر لِِــــــــــــــــــــه ولا ت ْْشــــــــــــــــــــــــــــاور الحرم ََــــــــــــــــــــــــــــه ولا ترضــــــــــــــى لهـــــــــــــــــــــا ويحذ ّّر الشاعر علي بن محين الشامسي من مشاورة المرأة لما لذلك من عواقب ونتائج ضارة: وم ََن طاوع أشــــــــــــــــــــــــــــوار الن ِِــــــــــــــــــــسا والمضــــــــــــــِِلات ما زادته في م ِِتجــــــــــــــــــــــــــــره غيــــــــــــــــــــــــــــر خ ِِســــــــــــــــــــــــــــران ويعتبر الشاعر محمد حمد الفرنكح أن من صفات الرجل الذميم، سیره على رأي زوجته بغض النظر عن صحة رأيها أو عدمه:
خالد صالح ملكاوي تبقى المرأة في المجتمع الإماراتي في موضع الصدارة لدى الشعراء والنقاد، فهي المحبوبة والأم والزوجة والأخت والابنة، وهي الشريك الذي قد ّّر الله لهذه الحياة، منذ البدء، ألا تسير بدونها. فمن البديهي أن يُُكتب الاستمرار لحضورها في النتاجات الشعرية والدراسات، وأن تتواصل النقاشات حول طبيعتها، وأدوارها في المجتمع، وأن تُُبنى حولها المواقف، لتكشف تباينا واضحا ارتهن إلى التحولات الاجتماعية التي أفرزها التحض ّّر الذي داهم الحياة مصاحبا لاكتشاف النفط. كان من الطبيعي أن يواكب تغيّّر صورة حضور المرأة في الشعر تدريجيا ذلك التغير الذي طرأ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وينسحب على صورة المرأة الاجتماعية الثقافية. وعكس التغي ّّرمدى اهتمام الشعراء بقضايا المرأة، وبالكيفية التي تحفظ للمرأة مكانتها، وتمكّّنها من القيام بأدوارها التي غدت متأثرة بمستجدات متلاحقة لم تعهدها، مثل التعليم والخروج للعمل، وانسحابها من نفوذ السلطة الأبوية المركزية، ما جعل حضورها في القصيدة النبطية في مجتمع التحض ّّر يشك ّّل قضية اجتماعية تتشابك مدخلاتها. ورغم من أن المرأة المحبوبة حافظت على وجودها مكونا رئيسيا في النسق الشعري، لا سيما في قصيدة الغزل، إذ يكاد لا يخلو من المحبوبة شعر شاعر، فإن ذلك اختلف كثي ار عما فرضه النسق الثقافي الواقعي لدى فئة من الشعراء، فنجد أن عددا من الشعراء لم يقبل بالتحولات التي طرأت بعد التحض ّّر، لا سيما التحولات التي نالتها المرأة كمظاهر للتغيّّر والنهضة، منها خروج المرأة من معزلها إلى المدرسة لتتعلم، وإلى العمل، فنالت النساء قسطا واف ار من الحرية والوعي بالذات وبمجريات الأمور، الأمرالذي خلق في البداية انتقادا حاد ّّا لكل هذه المظاهرلدى عدد من الشعراء، غيرأنه ما لبث أن أخذ يتلاشى ويتبد ّّد لتظهر القصيدة الجديدة واقعية منصفة.
125
124
2024 أبريل 294 / العدد
التمس ّّك بالصورة التقليدية ) 1 ( المرأة والتحو ُُّلات الحضارية
Made with FlippingBook flipbook maker