التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها
دواعي هذا الفن ودوافع قوله وظروف استخدامه ووظائفه، فقد تنبهت الجهات المعنية في الإمارات إلى ذلك التحدي، فضاعفت جهودها المحلية بتوثيق هذا النمط من أنماط التراث الشعبي الإماراتي، وكثفت سعيها الخارجي في الحفاظ على استدامة هذا الإرث الشعري الشاهد على تاريخ زاخربالثراء وحتى عقد مضى، وضمن الجهود القيّّمة التي تبذلها الدولة في سبيل التعريف بهذا التراث الثمين وحفظه من الاندثار والضياع، كانت هيئة السياحة والثقافة في أبوظبي قد أحصت ما يقارب ثلاثمئة شاعر من شعراء التغرودة في إمارة أبوظبي وحدها، خلال مسوحات الجرد التي قامت بها في هذا الإطار، ما يعني أن إجمالي الشعراء في إمارات الدولة كافة قد يناهز الألف شاعر أو يزيد قليلا ًً. والتغرودة اليوم هي من الروائع التي نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في تسجيلها في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي المادي وغير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إذ أدرجتها م، كتراث إنساني حي في 2012 «اليونسكو» منذ نهاية عام القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غيرالمادي للبشرية، ما أسهم في تعزيز فرص استمرار التغرودة وبقائها كلون تراثي أصيل، وتأكيد مكانتها في قائمة فنون الأداء في المنطقة، وضمان ممارستها من قِِبل الأجيال الحالية والقادمة. ر ص َرة واقع ومعا كان للرواية الشفوية أثرها في التغرودة الإماراتية، إذ يلاحظ أن ثمة ظواهرعديدة عن انتقالها بالرواية الش ََّفوية، مثل قلة عدد التغاريد المعروفة التي يمكن الحصول عليها، قياسا بغيرها من نصوص الفنون والأنماط الش ّّعرية الأخرى، وقصر البعد الزمني الذي تنتمي إليه معظم التغاريد. ويلحظ على التغرودة امتيازها بأنها قليلة الأبيات، إلى جانب اهتمامها بموضوع واحد غير متشعب، يذهب إليه الشاعر مباشرة في عبارات مكثفة، في دفقة شعرية موضوعية متسارعة إلى النهاية، في حين بات واضحا أن التغرودة الحديثة قد تخلّّت عن هذا الأسلوب وغدت أشبه بالقصيدة العادية في طرحها للفكرة، وفي أسلوب تناولها، دون عجلة أو إيجازشديد، وهو ما جعل أبياتها تطول عن التغرودة القديمة. وبينما ظلت التغرودة في التراث الشعبي الإماراتي تعد فنا شعريا غنائياًً، له لحنه التراثي التقليدي الذي يردده المغرد منفرداًً، أو متناوبا مع مغرد آخرأو أكثر، راكبا مطيته، أو جالسا ًً، منسجما
الأقدم في الإمارات، إذ عاش في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، وقد كانت ترافقه في حياته ناقة أصيلة تسمى (اختيله)، فمرضت وشارفت على الهلاك، وأخذ بنصيحة إطعامها ورق شجرة الغاف الغض كدواء، ولكن ناقته نفقت ولم ينفعها الدواء، فقال يقدح في شجرة الغاف هذه التغرودة الغاف لو يِِن ْْف ََع نفعها خ ْْتيلََه ماتت وه ُُو ََّه يخط بْْكيلََه ويخط بكيله، تعني يقطع أوراق الغاف الطري. وفي ستينيات أو سبعينيات القرن التاسع عشر أرسل جويهر الصايغ تغرودة إلى آل بوشامس في البريمي والسنينية يطلب مد العون لأبناء عمومتهم في الحمرية، حيث كانوا يخوضون لمعتدين عليهم، فاستجابوا للدعوة، وهُُزِِم ا � معارك صد
واحد من ثلاثة أوزان أو فنون شعرية، منها فن التغرودة. وقد لاقى ذلك استجابة كبيرة من الشعراء الذين ينتمون إلى مناطق جغرافية مختلفة تعرف التغرودة أو لا تعرفها في الأصل، وبنوا قصائدهم على التغرودة، غير أنه لوحظ تخلّّيهم عن بعض الشروط البنائية في التغرودة التقليدية ومخالفتهم لها، مثل تخليهم عن قصر التغرودة وقلة أبياتها وإيجازها واقتصارها على موضوع واحد غير متشعب، فجاءت تغاريدهم طويلة جدا متشعبة الأغراض فيما يشبه القصائد العادية، في حين أبقوا على الشكل العام والشروط الفنية للتغرودة، وهو الوزن والقافية الواحدة واعتبار كل شطر بيتا قائما بذاته، ما دلّّل على مدى قدرة الشعراء النبطيين على تكييف فنهم الشعري وفقا للمناسبة، والغرض، ودون الخروج على الأسس الفنية الأصيلة. من إبداعات التغرودة وفقا لأهم الدراسات التي عُُنيت بجمع التغاريد الإماراتية، وهو «ديوان التغرودة الإماراتية - تغاريد من الإمارات»، للدكتور غسان الحسن. قد تكون أقدم تغرودة وصلتنا من التراث الشعبي الإماراتي هي تغرودة الماجدي بن ظاهر، الشاعر
المعتدون. تقول التغرودة: يا راكب حمرا طويل بْْهارها ما حد ّّها الراعي وح ََن ح ْْوارها سلّّم على ربع بعيد دْْيارها ما ت ََص ْْفق اليمنى بغير ي ْْسارها ضو البََلا ش ََب ََّت قويّّه نارها ويلحق لهبها من ورا مِِنشارها
باستمتاعه بما في اللحن من تطويل وتطريب، فإن التغرودة بدأت تأخذ منحى آخر، من حيث الاستخدام والتوظيف، وجرى عليها بعض التطو ّّرالذي سرى في عمق معناها، وتحولت في الوقت الحاضرإلى فن شعري بحت، مثلها مثل أي نمط من أنماط التعبير الشعري الذي يستخدم بعض الأوزان الشعرية، ولم يعد من صفاتها أو ضروراتها التغريد اللحني والتطريب، إذ أصبحت تقال كأبيات شعرية ووزن شعري، دون أن ترتبط بالضرورة بالأداء الصوتي الغنائي أو اللحني التطريبي، فلم يعد من الأساسي أن يرافقها التغريد أو الإنشاد، كما أصبح تداولها يتم في شكل كتابي وضمن تسجيلات صوتية. وضمن الجهود الإماراتية لإحياء فن التغرودة وإدامة وجوده كفن شعري إماراتي عريق، والحفاظ على استدامته، وتعريفا بالتغرودة وتنبيها لجمال لحنها الغنائي ووزنها الشعري، يذكر الدكتور غسان الحسن في كتابه «ديوان التغرودة الإماراتية: تغاريد من الإمارات» أن لجنة التحكيم في برنامج «شاعر المليون» طلبت، في أكثر من موسم من مواسم البرنامج، من الشعراء المشاركين أن يجاروا تغاريد لشعراء قدامى من الإمارات. ولارتباط هذا الفن في أساسه بالإبل والبوش، إذ إنه يسمى (تغرودة البوش) فقد بادر القائمون على المسابقة م، 2010 الشعرية المرافقة لمهرجان مزاينة الظفرة للإبل لعام إلى اشتراط بناء الشاعر قصيدته المشاركة في المسابقة على
13
12
2024 أبريل 294 / العدد
التغرودة الإماراتية.. جذور عريقة وأغصان باسقة
Made with FlippingBook flipbook maker