التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها
واللــي انــهــزم فــي ســاحــة الــمــيــدان إخـــذ الــحــذر لــي عــاد يــــرجــع ثــانــي ويـــخـــرب اعـــمــالـــك وعــمــرك فــانـي ويـــغـــويـــك بــالــســيّّــه بــعــد الاحـسـان مـــتـــســـلّّـــط بـــشـــره عــلــى الانــســان مـــن عـــصـــر ابـــونـــا آدم عــلـيـنا جاني وفي تغرودة ثانية يوجز الشاعر القول في أربعة أبيات فيقول:
الإنــســان دون الــديــن مــا لــه راحــه ّّــه زاحـه وان زاد فــي الإيــمــان هــم فــي طــاعة الله لــه طــمــع وربــاحــة لــي طــاب ســعــيــه فــي طريق فلاحه
أما الشاعرعبيد بن معضد فيقول في تغرودة ناصحا بمصاحبة الأخيارلأن في ذلك صلاحا واكتسابا للصفات والأخلاق الحميدة في حين أن من يصادق الأشرار والأنذال سيصبح مثلهم ويكتسب منهم الطباع السيئة حتى وإن كان ينتمي إلى أناس أجواد أخيار:
تـعالـوا نـحـالـــــــــــــــــــــــــف صامتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ومزاحمـــــــــــــا
المقصود مباشرة، والانتهاء من القصيدة حين استكمال هذا الموضوع. ويبدو أن أصالة البادية الإماراتية وعمق انتمائها إلى الثقافة العربية ومحافظتها على إرثها الحضاري جعل فنون هذه البادية موصولة بصورة مباشرة بجذورها الراسخة في التربة العربية الخصبة التي ما زالت تعطي فنونا وألوانا من الإبداع التليد والأصالة بالمحافظة على الأسس الفنية التي تجعل التغرودة قادرة على حمل أغراض الشعر العربي ومن ذلك الشكل الفني للتغرودة فكل شطرفي التغرودة ينتهي بروي ملتزم في كل أشطر القصيدة، ما يجعل كل شطر منها يحتوي على كل ما يؤهله لأن يكون بيتا تاما وهذا يتناسب جدا مع البناء الموضوعي لها. وعند العودة إلى جذور التغرودة في التراث العربي نكتشف أن هذه الكلمة وهذا الفن يضربان بجذورهما في التاريخ العربي. فكلمة (تغرودة) في اللغة مأخوذة من الفعل غرد. والغََرََدُُ: التطريب في الصوت والغناء، وغرّّد الإنسان تعني رفع صوته وطرب، وتقال كذلك للحمامة والقمري، وهذا يعني أن الكلمة في اللغة حملت معناها نفسه في المصطلح الشعبي، وهو يدل على أصالة الكلمة وعلى عراقة هذا الفن، بل إن صاحب «القاموس المحيط»، أورد بيتين من الشعر أحدهما للنابعة الجعدي قرن فيه التغريد براكب المطية، وهو الاقتران الذي ما زال قائما حتى الآن، يقول النابغة الجعدي:
لـــي يـــرابـــع الــعــدلــيــن والأيــواد زانــت وصــوفــه بــالــعــقــل يــســتــاد لــو كــود عــبــد مــكــتســي بــســواد ولـــي يـــرابـــع الأنـــذال والأوغـــاد يــحســب نــذل شــيــن الــطــبــع يعتاد لـــو كـــان يـــده مـــن خـــيـــار ايــداد
عـلـيـهـــــــــــــــــــــــــــــــــم نـصـــــــــــــــــــــــــارا مـا تغــــــــــــــــــــــــرّّد راكبــــــــــــــــــــــــــــــــا أما البيت الثاني الذي أورده ابن منظور في «لسان العرب» فهو للشاعر سويد بن كراع العكلي يقول فيه وقد قرن التغريد
بالحداء، والحداء يكون للناقة كما هو معلوم: إذا عــرضــــــــــــــــــــــــــــــــــت داويــــــــــــــــــــــــــــــــــة مـدلـهـمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
الإسهاب في توصيفها، وعدم إعطاء الموضوعات الجانبية أو الثانوية أهمية زائدة، وعدم الاستطراد في موضوعات تخرج عن الموضوع الرئيسي، وكذلك عدم دخول الشاعرفي أساليب التجميل والتحسين وتجويد القصيدة، من محسنات وصور وسواها من أساليب القول والتصويرغيرالمباشرالتي تستغرق من الشاعر وقتا وتزيد في طول القصيدة، وكذلك استخدام اللغة المباشرة وهو الأسلوب الأمثل لإيصال المعنى للطرف الآخردون مواربة، وهذا يعني أن التغرودة على الأغلب تنتمي إلى العقل والمنطق الواعي أكثرمن انتمائها إلى العاطفة والوجدان ودواخل النفس. ومن هذه الظاهرة أحادية موضوع التغرودة أيضاًً، وهذا أمر يغلب على التغاريد ولا يشملها كلها، فالمغرد ينشئ تغرودته لغرض معين يذهب إليه ويعبر عنه ولا يتفرع غالبا إلى موضوعات أخرى، ونجد ظاهرة الإيجاز في التعبير عن الموضوع أيضاًً، وهذه من صفات العبارة الشعرية في التغرودة، إذ نلاحظ أنها عبارة مكثفة مضغوطة فيما يمكن أن نسميه ما قل ودل من الكلام، وتماشيا مع الإيجازالذي يتطلبه ظرف قول التغرودة، عمد المغرد إلى الدخول في الموضوع
وغــــــــــــــــــــــــــــــــرّّد حـاديـهـــــــــــــــــــــــــــــــــا فـريـــــــــــــــــــــــــن بـهـا فلقـــــــــــــــــــا إن هذا البعد اللغوي لكلمة التغرودة، وما صاحبه من شواهد شعرية، لهو دليل ناطق على أن التغرودة بمعناها وطريقة أدائها الصوتي، ومناسبة أدائها وهيئته كانت موجودة عند العرب منذ عهودهم الأولى قبل الإسلام، وأنها وصلت إلى عصرنا الحاضر محافظة على هيئتها شكلا ومضمونا كاتب من سوريا المصادر والمراجع: - التغرودة الإماراتية، دراسة علمية في فن التغرودة في التراث الشعبي 1 الإماراتي، الدكتور غسان الحسن، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، «أكاديمية . 2009 الشعر»، الطبعة الثانية، عام - سعيد بن عتيج الهاملي/ فروسية الحب والشعر، مؤيد الشيباني، مؤسسة 2 . 2020 ، عام 1 سلطان بن عويس الثقافية، ط ـ القاموس «المحيط»، والقاموس «الوسيط في اللغة»، مجد الدين محمد بن 3 يعقوب الفيروز آبادي، دار العلم للجميع، لبنان. ـ مقالات متفرقة نشرت في صحيفتي («البيان» - «الخليج») عن التغرودة الإماراتية. 4
ومن خلال تغرودة الشاعرسعيد بن عتيج الهاملي التالية نتفهم شخصيته، فهو قوي وحساس، ولا يرضى على نفسه الموقف السيىء أو الكلمة الخادشة، وفي ذلك يقول: يـــا بـــو مـحـمـد هــالـنـا مــا هــالـنـا وش لــي جـــرى وعـيّّنت من عربالنا
ّّــتــنــا وغــثّّــت بالنا وكـلـمــتــك حــس ولـــو مــا ســمــعــنــا كـا هو أشوا لنا وشــي الــحــســود اللي سعوا باقوالنا دبب مـــن خـــاطـــرك كــنّّــه حــالــنــا
وقد ساعد البناء الموضوعي للتغرودة على جعلها تتناسب مع غرض الحكمة ومن ظواهرهذا البناء الموضوعي قصرالتغرودة، وهذا نراه بصورة لافتة للانتباه، وخاصة إذا قيس بالقصائد العادية التي قد تطول أكثر، غير أنها لا تصل في قصرها إلى درجة التغرودة، وقد نتج عن ذلك أمور كثيرة، منها عدم التدخل في تفصيلات الأمور التي يتحدث عنها الشاعر، وعدم
23
22
2024 أبريل 294 / العدد
التغرودة الإماراتية منبع للقيم والأصالة البناء الموضوعي والأسس الفنية وجذورها في التراث العربي
Made with FlippingBook flipbook maker