التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها
التأصيل التراثي لفن التغرودة الإماراتية
محمد نجيب قدورة التغرودة غوص عميق في ماض عريق
هل عجب أن يزداد الجميل حسنا إذا ما زدناه حبا واست هلاما وتأصيلا في استغواربحث وحت ونحت، والروح هي هي، أت ُُرانا نحن تغيرنا؟ ما الذي جرى؟ لا بد أن ما لدينا بضاعة من روعة أساليب وعمق معان وعذوبة أنغام وشيء من ديباجة المراسيل. قالت لي عصفورة الفكرة: تتساءل كيف ومتى ومن أين؟ قلت من رأس العين مبتدأ النهر وهناك على أطراف الصحراء وشطآن البحر تعزف الكلمات أوتارها، في الصحراء وقع خبيب الإبل وهذيل الخيل، وعلى الشطآن حادي النهمات على وقع تلاطم الأمواج بأصابع المجاديف وخفقان الأشرعة... هكذا أيتها النفس الشاعرة تولد الفنون. قالت نفسي: من هذا أو ذاك تريد إرجاع الفنون القولية إلى ساحات وميادين. قلت: في التصاوير والتعابير والحركات لنا قراءات وإحصاءات واستنتاجات، وإليك الدليل الافتراضي كيف ولد فن التغرودة الغنائي حسب رؤيتي السابرة، حيث التغرودة العربية سر من أسرار الفن الرفيع الخالد الرائد. شفافية في ماهية التغرودة: قالت عصفورة الفكرة: في عصرنا كل شيء خاضع للتجريب في مختبرات وتنقيبات، قلت: إن تحليل النشأة يعني وعي أصالة وترسيخ هوية، التغرودة ليست فنا مستحدثا ولا مستوردا لكنها موروث متنام من بذرة وجنين وفكرة، حلمك عليّّ، فقد رأيت ما رأى كتاب (الترقيص الغنائي للأطفال عند العرب) لمؤلفه (أحمد عبد التواب عوض) أن الترقيص تغريد غنائي يتتبع شفافية الأذن الآسرة والعين الساحرة، فتخرج الموجات الصوتية الشغوف بالمولود لمناغاته وإسعاده وإظهار الأماني المتفائلة، لنتابع قول الشيماء أخت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالرضاعة:
هذا أخ لي لم تلده أمي وليس من نسل أبي وعمي فأنمه ال هلم فيما تنمي قالت عصفورة فكرتي: يا ساكنا في حينا، أنت تعيد تدوير التأصيل، فالترقيص في لسان العرب سير الإبل. قلت: سرعان ما عادت بي الذاكرة إلى تغرودة تحذيرية وردت على لسان الملكة الزباء بعدما رأت وتأكدت من خديعة (قصير) فكان المثل (لأمر ما جدع قصير أنفه) فقالت:
سردية التغرودة على بساط أحمدي أجل هذا هو قصدي، التغرودة فن شعري غنائي مموسق على مشطوربحر«الرجز» المعروف عند العرب أنه بحرالمهام، فيه تحميس الحروب وتنفيس الكروب (ومن نسي قديمه تاه) فلا عجب إذا استمر البد ّّاعون من شعراء العرب إلى اليوم بالنسج على هذا البحر حتى سموه (حمار الشعر) قالت نفسي: حيلك، فالحديث ذو شجون، قلت: أما أنا فقد رأيت أن لهذا الحديث شؤونا عندما تجوهر فن التغرودة العربية على طابع الهوية، فغدا معروفا بأنه رفع صوت وتطريبه لمن يؤنس نفسه في سرى الليل للجمال والرجال والظعائن وفي رائعة النهار تطرب النوق وتحن والخيل ماهرة في التخبيب والجري على توضيب، ثم لم نتغافل عن مناجل الحصاد وأهل الجداد وهي تترنم في تسالي تنسي التعب في تطريب على انفراد أو جماعة، ما دام العمل مستم ار والمسيرطويلا في البادية... فما على المسافرين إلا تذكر الأهل والأحباب، ولا أنسى هنا وعينا لفائدة النغم الجميل على كل كائن حي. ولا غرابة في سياق التغاريد أن يؤنسن المكان والطيروالشجر، فتُُح ََيّّا الناقة وتكون مراسم وطقوس الشكوى للدرب والمصير، ففي فن التغرودة حكايات تحولت إلى ملاحم شعبية درامية
فيها تجسيد المرارة والألم في تعب الجمال من الرحيل لتبقى التغاريد أسلوب فخر في معاني الرجال. قالت نفسي: التغرودة فيها من أثر التغريبة في تصوير شف ّّاف. قلت: تعنين: إن فن التغرودة سجل للوعة الغربة... الغناء والشعر توأم الروح البدوية، لكن يا نفسي ما قلته لك ليس من قبيل الخيال إنه بحق واقع التغرودة ذلك الفن الغنائي الجميل الأصيل. التغرودة في الصدور والسطور الدكتور غس ّّان الحسن يُُع ََرّّف التغرودة الإماراتية بأنها: (لحن غنائي تراثي له وجود في الخليج بامتداد جغرافي ما بين الإمارات وعُُمان بمسميات مثل (تغرودة الهجن) و(شلة التغرودة) وقد سار على هذا التعريف الباحث مطر رمضان في حديثه عن الفلكلور الشعبي، بالطبع هناك تشعبات في الأغراض حسب ٍ غنائي، الجميع متفقون �ٍّ طبيعة المكان، لكن التغرودة كفََن على أنها أبيات قليلة من الشعر المرتجل، فالمسافرون تسيل ألحانهم مطبوعة دون تكلف، والمجارون منضبطون في عدم
ما ل جلمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا تأْْزرا شديدا زم الرجال حيثما قعودا
قالت نفسي: هذه شاعرية بدوية فطرية، والجمل عذّّب قلب الملكة الزباء بما حمل كما أتعب الطفل جدّّه وهو يحمله طائفا به حول الكعبة سبعاًً، قلت: أجل كان عبد المطلب جد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وهو يغرّّد: يا رب كل طائف وساجد ورب كل غائب وشاهد أدعوك بالليل الطفوح الراكد لََهُُم فاصرف عنه كيد الكائد واحطم به كل عنود ضاهد (الضاهد هو المضطهد)
25 2024 أبريل 294 / العدد
التأصيل التراثي لفن التغرودة الإماراتية 24
Made with FlippingBook flipbook maker