torath 294 - Apr - 2024

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

رحالة وراحل قد يسلي النفس عن هموم الطريق لكنه قد يحمس المشاعر ويقدر الرجال، حتى يصل إلى مرّّدة المجاراة والمشاكاة ولا يعيبه ذلك ما دام النسيج الفني مراعيا لقلة الكلام ودلالة المعنى. التغرودة في موازين الإنشاد قالت عصفورة فكرتي: التغرودة هي التغرودة في كل مكان وزمان في الفصيح والنبطي في مصر أو ع ُُمان ... أعرف أنك ستقول أن لديك تراثا في التغاريد لها نكهة أخرى ما بين لوز الدلعونة وعطر السكابا وسرحة الميجنا... قلت لن أد ّّعي بدعا من الكلام إلا أنني عاشرت أهل الإمارات أربعين عاما فصرت منهم... أتذكرين كيف أني وأنا على كاسر أمواج أبوظبي، وأمام مسرح مجاز الشارقة كنت أخاطب من بعيد الصديق عبد الله عبد الرحمن والدكتور حمد بن صراي كما المشتاق فتخيلت صديقي الشاعرمطررمضان يحمل مرسالي فأنشدته: أمنت عليك سلّّم عراس الخيمه خبرها عن مشتاق لذيك اللمه واحمل معاك من الحبايب شمّّه سلم على جيس وابن خاله وعمه بالطبع لكي تكتمل الصورة كان من المتوقع أن يرد علي الشاعر عبد الله الهدية منشدا في سرحة خيالي الميجني: سلّّم عل الحصن القديم بديره قالت نفسي: هكذا يتحول فن التغرودة ويتطور، فإن لم يكن الجمل المسافر فلا بأس أن تظل الفكرة في أناشيد شاعر الماضي والحاضر والمستقبل. خلاصة التأصيل قلت وفي نفسي المزيد: كان لا بد أن يكون مسك الكلام في تغرودة لطالما اعتبرتها أيقونة خاصة أنها في تمجيد وتوصيف المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - صاحب الفضل الأكبر في ترسيخ الحركة الشعرية الإماراتية... إنها تغرودة الشاعر (محمد العامري) القائل: هزري على زايد يشابه يد ّّه ارغيب ما سد العرب ما سد ّّه عل عين والشارقه بمجالس الحيره عل لي سكن قصرالحصن وخويره رد المراسيل من نخيل جميره

اوقول هوى بي من حسين الهايه ويتابع الباحث الحسن الإشارة بالشرح مشيار إلى الطارش (المندوب) ووسيلة حامل الرسالة ناقة (سراية) موثوق بها حتى المطروش (المرسل إليه) مذكوربالاسم (محمد) والغاية شكوى أو تظلم ثم نصل إلى معنى طريف في مضمون (حسين الهايه) فنحس كأن في الكلام لغازًً، أترى محمد هذا رجل يقضي الحاجات أو هو تورية والمطلوب ذلك الحب القديم صعيب المنال. يا نفسي: أعجبتني هذه القصة القصيرة الوامضة لسرد التغاريد، لاحظي كيف سيكون الرد من قبل الشاعر محمد بن راشد الشامسي على تغرودة أحمد علي الكندي:

الخروج عن الفكرة في النص سواء أكانوا أهل صحراء أم جبل أم قرية، والتغرودة على العموم موروث تقليدي يجري عادة على لسان البدوي الأصيل. أذكر أنني اطلعت في ديوان التغرودة الإماراتية جمعا وتحقيقا م واستوعبت 2015 من الباحث الدكتور غسان الحسن عام كم كان الباحث حريصا على التوثيق والدعوة إلى الصون، فلا غرابة أن يكون في الإمارات وعي لأهمية الثقافة الشفاهية فأصدرت الدولة القانون لهذا الغرض. والتغرودة في نظر الدكتور غسان الحسن غير التغريدة... هذا صحيح من حيث أول نظرة لكن إذا أردنا القيمة المضافة للتغريدة فإننا من وجهة نظر حداثية يمكننا تصنيف التغرودة على أنها أمثولة تراثية خالدة عابرة للأزمنة، فهي شبه رسالة سجعية، والتسجيع هنا عزف حميد على حد تعبيرالدكتورعمر عبد العزيز في بعض توصيفاته للعادات القولية عند العرب كالأمثال وعناوين الكتب وأسلوب التوقيعات الأميرية والحِِكم والتحاذير. أقول هذا من جهة نحن نوافق الباحث المبدع الدكتور غسان الحسن من أن الوقت يحسب حسابه في توصيل التغرودة من ق ِِبل هج ّّان أو خيّّال، وقد يروق لي إضفاء هذه السمة الفنية على فنون القول البحرية خاصة عندما تكون التنهيمة حاملة لحكاية أو شيفرة في قلب النهام، وفي مقابل التناهيم، رسائل المطاريش تسلك ذات السلوك في تكثيف المعاني إلى ما قل ودل، وهذا ما يدفعنا للقول: لكل تغرودة حكاية. هذان نموذجان يوضحان مرماي من تحميل التغرودة مهمة اجتماعية تتجاوز كونها تشد الهمة أو تنسي هموم الطريق في ليل أو نهار، مع أنها في كل حالاتها كما أذكر دائما تونيس للجمال أو الخيول في أوقات السلم والحرب، ونضرب الأمثال: - تغرودة الشاعر سعيد بن عبيد بن خلف الرميثي. 1 يا عم يا ليتك دريت بحالي لمبيت في شد ّّة وفي ولوال ولو ما مطيله ما نجعت شمال وودي بضيه بوعيون ثلال - رسالة الشاعر أحمد بن علي الكندي في رسالة أرسلها إلى 2 صديقه الشاعر محمد بن راشد الشامسي وقال فيها: يا طارشين فوق لي سرّّايه امشيره للسير وامطايه اوصل محمد بلغه شكوايه

حي النديب اللي وصل جدوايه فوق الذي في وصفها مولايه شقرا ومن هين أصل مسمايه تطوي الفيافي لي سرت دلايه الكندي يشكي علٍة مغبايه من الكاعب اللي رد دونه غشايه ليلة صدفته كان هذا رايه جايزمودك خاف من لوشايه

أجل إنها الشاعرية الأخوية في تغاريد (المودة) التي هي أقرب إلى الارتجال، ولأن التغرودة لها هيئاتها وملامحها الصوتية فقد قامت «أكاديمية الشعر» في أبوظبي بإصدار صوتي بأداء (محمد بن حامد المنهالي) ليوثق هذا الفن من السطور إلى الصدورتلبية لعاشق الشعرالنبطي، والتسجيل يصلح للإصدار بأصوات نسائية، ذلك أن التغرودة ليست مجرد فن شعري شعبي بقدرما هي حم ّّالة لتشكيل فني ونمط من أنماط الحوار المعتمد في مسرح الحياة، حيث تتناول التغرودة جميع أغراض الحياة من غزل ومواساة وهجاء ومديح وفخر سواء وردتنا من شاعر معروف أو مجهول. فن التغرودة نسيج وحده لا غرابة أن نميز فن التغرودة عن القصيدة والموشح، إذ كل مسمى له تفرده في القوافي والنغم، فالقصيدة لها أشكالها ما بين شطرين متساويين يتساويان في روي الصدر ويختلفان في النغم، والموشح له قصيدة غنائية دون التركيز على الانسجام المعنوي، حتى في قدوده. أما التغرودة فهي المشطور من بحر «الرجز» وكما ذكرت دائما التغرودة مرسال المراسيل بين

يسلم زبينه والطنيب يردّّه واللي معاصي يبشره بالشد ّّه

ألاحظت يا عصفورة فكرتي أن التغرودة من أماديح الشعر النبطي، وهي قابلة لكل الأغراض الشعرية لكنها تبقى مرسال المراسيل ومطراش المطاريش ولسان التوصيات من حكيم الحياة: الدنيا فيها ناهب ومنهوبي من يوم حوّّا تجيب حر ونوبي لكن روح البداوة هي الأصل الولود الودود فعندما نسمع تغرودة لا فرار من تمجيد (الشقرا) و(الحمرا) وبيان محاسنها فالمغر ّّد يحبها وتحبه: ثم يبقى القول الفصل إن التغرودة فن صوتي أدائي ي بنى على مشطور بحر «الرجز» لغاية في نفس شاعره، على العموم هي توصيل رسالة وجدانية أو اجتماعية أو نفسية أديب وباحث فلسطيني وسنامها مترس من الزاد ارتوى زعفرتها من خير زاد المحتوى

27

26

2024 أبريل 294 / العدد

التأصيل التراثي لفن التغرودة الإماراتية

Made with FlippingBook flipbook maker