التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها
أصدرالدكتورراشد المزروعي «ديوان تغاريد من البادية» جمع . ورغم تراجع ) 4 ( فيه التغاريد البدوية القديمة في بادية الإمارات التغرودة كفن شعري، تظهر من حين إلى آخر مبادرات لإحياء هذا الفن الشعري القديم الذي ارتبط بالذاكرة الإماراتية، ومنها مبادرة برنامج «شاعر المليون». تغاريد شاعر المليون «شاعر المليون» برنامج تلفزيوني للمنافسة في مجال الشعر النبطي، انطلق من إمارة أبوظبي بفكرة من رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان - حفظه الله - برعاية هيئة أبوظبي للتراث. ويعكس البرنامج رؤية أبوظبي الثقافية في استعادة مكانة الشعر النبطي في الحياة اليومية والارتقاء بدوره كوعاء حامل للثقافة العربية المشتركة، وتنشيط حركة الشعر النبطي، والارتقاء بمستواه، وتعزيز حضوره في الساحة الثقافية. ويتألف البرنامج من مراحل مختلفة بدءا من إرسال قصيدة المشاركة ومقابلة اللجنة ومرحلة التصفيات المباشرة على مسرح شاطئ الراحة في أبوظبي، حيث يتنافس المتأهلون . ) 5 ( للتصفيات النهائية على لقب «شاعر المليون» ، وحقّّق متابعة 2006 أطلق البرنامج نسخته الأولى عام جماهيرية واسعة في العالم العربي، وفي دورتين للبرنامج طلبت لجنة التحكيم من الشعراء المشاركين أن يجاروا تغاريد لشعراء قدامى من الإمارات، فكانت الحصيلة مجموعتين من
دور مهم للمسابقات الشعرية في إحياء الفنون الشعرية القديمة «شاعر المليون» يحيي التغرودة الإماراتية
أماني ياسين إبراهيم يذخر الشعر الشعبي بالعديد من الأنواع والأشكال والأنماط الشعرية التي شك ّّلت رافدا للشعر العربي على مدى عصوره المختلفة، بعضها تمسك بالشعركعامل وحيد مثل القصيدة النبطية، وبعضها مزج بين الشعر والأداء مثل «الشلّّة»، وبعضها الآخر مزج بين الشعر والغناء مثل العي ّّالة والحربية والزرفة والتغرودة. الدارس لهذه الأنواع الفنية سيلاحظ أن كلا منها ارتبط بوظيفة محددة، فـ «العيّّالة» مثلا ارتبطت بالمناسبات الوطنية، و«الرزفة»، و«الحربية» ارتبطتا بمناسبات الأفراح والمناسبات الوطنية والفعاليات الكبيرة، و«المالد» ارتبط بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف، و«التغرودة» ارتبطت بالترحال، وهكذا تول ّّد كل فن عن حاجة أو مناسبة محددة. ومع تطورالمجتمعات، وتشع ّّب الفنون، شهدت هذه الفنون لارتباط هذه الفنون بالذاكرة الشعبية، ا � تراجعاًً، ونظر برزت الحاجة إلى إحيائها، ليستمر دورها القديم في التعبير عن المشاعر، وتجسيد القيم الجميلة، ومن هذه الفنون الشعرية «التغرودة». التغرودة فن الرحلة التغرودة نوع من الشعر البدوي الإنشادي التقليدي في دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة ع ُُمان، وهي واحدة من فنون البدو، التي تمزج الشعر والغناء، نشأت في البيئة الصحراوية، حيث كانت الإبل الوسيلة الوحيدة للسفر والترحال، ولأن الحاجة أم الاختراع، ظهرت التغرودة لتلبي حاجة نفسية، حيث ابتكرها المرتحل على المطايا «الإبل أو الخيول» ليسلّّي
بها نفسه، ويقلل المسافات في الفيافي الطويلة. والتغرودة قصيدة قصيرة، تناسب طبيعة السفر على الإبل التي لا تتيح الاستطراد والتشعب، تتناول موضوعا واحداًً، وكل شطر مستقل، كأنه بيت ينتهي بروي واحد، يلتزمه الشاعر، وإيقاعها اللحني ثابت، يجاري سرعة خبيب الإبل، وهو ما يتفق مع تفعيلات بحر الرجز: «مستفعلن .. مستفعلن .. مستفعلن» ولكن مع تطور المجتمعات، وتطور وسائل المواصلات والاتصالات، اختفت الحاجة التي نشأت من أجلها التغرودة، حيت ظهرت السيارات والطائرات التي تسافرمن دولة إلى أخرى في وقت وجيز، كما ظهرت وسائل الترفيه المرئية والصوتية التي تساعد على تسلية المسافر في الرحلات الطويلة. وبقيت التغرودة فنا تراثيا يثير الاعتزاز، يتم إنشادها في جلسات السمروالتخييم وحفلات الزفاف وسباقات الهجن والمهرجانات التراثية والوطنية، وتُُدمج بعض أشكالها ضمن بعض عروض الأداء التقليدية، مثل العيّّالة. وفي إطارالاهتمام بالتراث وفنونه، عملت دولة الإمارات العربية المتحدة على إحياء فن التغرودة وتجميعه وتوثيقه، وقد أفرزت هذه الجهود عن صدور أول دراسة علمية عن فن التغرودة ، كما أثمرت هذه الجهود عن إدراج فن التغرودة ) 1 ( 2009 عام ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية ًًا ، وكانت هذه الخطوة دافعا جديد ) 2 ( 2012 في اليونسكو عام ، ) 3 ( جمع التغرودة في ديوان 2015 للاهتمام بهذا الفن، فتم عام ًًا وهو يعتبرالمرجع الأساسي لهذا الفن حتى الآن. كما يعد تعزيز 2016 للثقافة المسموعة، وأصدرت أكاديمية الشعر عام «مختارات من ديوان التغرودة الإماراتية» في إصدار صوتي، جمع وتحقيق الدكتور غسان الحسن، وأداء محمد بن حامد 2022 المنهالي، وإشراف الدكتور سلطان العميمي، وفي عام
)، والثانية في 2008:2007( التغاريد: الأولى في الموسم الثاني .)2010:2009( الموسم الرابع تغريد ومجاراة في الموسم الثاني لـ «شاعر المليون»، كان موضوع التسابق ) تغاريد، وكان 4 مجاراة تغرودة محددة، وكانت الحصيلة: ( المطلوب مجاراة تغرودة للشاعر محمد بن حم العامري، الملقب بـ«أمير التغاريد»، وموضوعها مدح المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - وهي: «ه ََزْْري على زايد يشابه يََد ََّه/ رْْغيب لا س ََد العرب ما س ََد َّّه/ . ) 6 ( زايد عليهم بالوفا والمََد ََّه/ يسلم زبينه والطليب يْْردّّه» ونجح الشاعر بندر المحيا (السعودية) في محاكاة القصيدة
35 2024 أبريل 294 / العدد
34 دور مهم للمسابقات الشعرية في إحياء الفنون الشعرية القديمة «شاعر المليون» يحيي التغرودة الإماراتية
Made with FlippingBook flipbook maker