torath 294 - Apr - 2024

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

فن التغرودة.. من على ظهور الإبل إلى قوائم «اليونسكو»

مريم سلطان المزروعي الفنون الشعبية واحدة من أهم الموروثات، وجزء لا يتجزأ من التراث الثقافي للشعوب، فهو يعكس تاريخا حافلا بالإبداع والتنوع الثقافي، يجسد قصص الأجداد والبطولات، ويعكس قيما جمالية فريدة لكل مجتمع يعكس عاداته وتقاليده من خلاله، ويعتبر مصدر الإلهام بكل ما يحمله من معان ٍٍ، فالفنون تتأثر بحياة الناس اليومية، وتعبّّـر عن الهوية والقيم الاجتماعية والروحية، فهي لغة تفاعلية، ومحفز على التعاون والتبادل الثقافي بين المجتمعات، فيتشاركون بأفكارهم ومهاراتهم في تقوية الروابط والربط فيما بينها ما يعكس سجايا من التسامح والاحترام والفهم المتبادل، وتشمل الفنون الشعبية الموسيقى والفلكلور والشعر والعديد من المجالات الأخرى، وتتميز هذه الفنون بصبغتها العربية الأصيلة، فهي خليط من الأصالة والثقافة الإماراتية وثقافات الشعوب العربية والخليجية. والتغرودة تعتبرواحدة من أهم الفنون الشعبية لها لحن خاص، ارتبطت بالبداوة ورحلات البدو، فالصحراء منبعها ومنها امتدت جذورها فهي جزء من الشعر الشعبي المحلي، فقد اتفق الباحثون على تعريف «التغرودة»، بأنه غناء شعري ونوع من أنواع الشعر البدوي الشعبي الذي يؤلفه الشعراء، وي ُُلقى من ق ِِبل الرجال الذين يرحلون على ظهورالإبل ليلا أثناء الرحلات الطويلة لأيام عديدة عبرالصحراء الواسعة والممتدة الأطراف مرددة صداه في أنحاء المكان، فيها نوع من الترفية عن النفس والتسلية. تبدأ التغرودة بتأليف قصيدة قصيرة، ترتجل عادة وتُُكرر من ق ِِبل المسافرين الآخرين، ويتم أداء هذه القصائد على شكل غناء منفرد أو جماعي من قِِبل راكبي الإبل؛ حيث يقوم المؤدي الرئيسي بغناء البيت الأول، ثم ترد عليه المجموعة بالأبيات الأخرى، وقد تنشد هذه القصائد أثناء حفلات السمر التي تقام في المناسبات الاجتماعية المختلفة، ولا يصاحب هذا الإنشاد أي نوع من أنواع الآلات الموسيقية، يقول امرؤ القيس: تََغرُُّد ميّّــــــــــــــــــــــــــــــــــاح الندامــــــــــــــــــــــــى المطــــــــــــــــــــــــــــــــــــرّّب يغر ّّد بالأسحــــــــــــــــــــــــــــــــــــار في كــــــــــــــــــــــــــــــــــــل سدفـــــــــــــــة

ًًويقول النابغة الجعدي، عندما قرََن فيه التغريد براكب المطية: ُُتعالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا نحالــــــــــــــــــــــــف صامــــــتا ومزاحمـــــــــــــا عليهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم نصــــــــــــــــــــــــــــــا ار ما تــــــــــــغرّّد راكــــــــــــــــــــــــب وتتنوع موضوعاتها ما بين الحب والصداقة والمديح والعلاقات القبيلة وتحتوي على عدد قليل جدا من الأبيات وتركز على موضوع واحد فقط، وهي غيرمتعددة الأفكار، وتمتازالتغرودة بقدرتها على توثيق التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، كما أن التغرودة فن في الغالب ذكوري للذين اعتادوا على قضاء الكثير من وقتهم على ظهور الإبل، لكن هناك بعضا من النساء لكن نسبة قليلة ممن استطعن تأليف قصائد التغرودة وإنشادها أثناء قيامهن بالأعمال الجماعية، ومن شعراء التغرودة: المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - والشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم، ومن يملكون الإبل من حلف بني ياس، والشاعر عبيد بن معضد النعيمي، والشاعرحمد بن سالم بالعبدة الشامسي، والشاعرعلي بالعطيب العامري (شاعرالكيف)، والشاعرة موزة بنت بطي المزروعي، وغيرهم الكثير، وللشاعرة صبحا الفلاحية ِِتغرودة جميلة قالت فيها: ِِيــــــــــــــــــــــــــــــاس أبــــــــــــــــــــــــو لمهيــــــــــــــــــــــــر والقمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزان ِِعيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال عبــــــــــــــــــــــــده وخالهــــــــــــــــــــــــم فـــــــــــــــــــــــاران عيــــــــــــــــــــــــــــــال أبونــــــــــــــــــــــــــــــا ويْْخــــــــــــــــــسي الشيطــــــــــــــــــــــــان لــــــــــــــــــــــــي صــــــــــــــــــار كل لــــــــــــــــــه رفيــــــــــــــــــق ودانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي

فالتغرودة تنعش النوق ويطيب ناموسها، وتخْْف هرولتها بمركوبيها، وتكون خطواتها متساوية. وفي كتاب «التغرودة الشعر البدوي التقليدي المُُغََنّّى في دولة الإمارات العربية المتجدة وسلطنة ع ُُمان - ملف الترشيح»: ولأهمية هذا الفن تم تكثيف الجهود لتعزيز انتشاره، وتشاركت الجمعيات للترويج عن هذا العنصر المهم فزاد الوعي بأهمية التراث الثقافي غير المادي على المستويات الأهلية والرسمية، على مستوى الدولتين، وقد استخدمت بعض أشكال التغرودة في الفنون الشعبية الأخرى مثل العيالة والو ّّنة، كما تحولت بعض هذه الأشعار إلى أمثال تتردد في الأحاديث اليومية وأصبحت جزءا ومكوّّنا من مكوّّنات الحكمة التي يرددها الناس، فالتغرودة تمثل الكتاب التراكمي لشعرالشعوب البدوية؛ حيث يشتمل هذا الشعرعلى تاريخهم، وقيمهم الثقافية وعاداتهم الاجتماعية ونظرتهم إلى العالم وبالتالي إدراجها». وعندي لقائي بالموسيقار والملحن الدكتور فيصل التميمي متحدثا عن فن «التغرودة»، ذكر: «لم ت ُُعرف الفترة التي ظهر فيها فن «التغرودة» لكنها ارتبطت بالإبل ورحلات القوافل، منذ قدم الزمان، وقبل ظهور الوسائل الحديثة، فابتكرالإنسان منذ بدء الخليقة وسائل تساعده على تطوير مهارته في قيادة هذه الدواب، والإبل بالذات تختلف اختلافا جذريا عن باقي الدواب، فمن صفات الإبل، بأنها حساسة جداًً، وعندها طول بال وجلد وصبر، لذلك التعامل معها بحاجة إلى الحذر لحساسيتها المفرطة، لأنه إذا تجاوزت

47

46

2024 أبريل 294 / العدد

فن التغرودة.. من على ظهور الإبل إلى قوائم «اليونسكو»

Made with FlippingBook flipbook maker