التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها
فن التغرودة الإماراتية ا � يُُعتبر فن التغرودة الإماراتية جزء
القاعدة الأساسية للرجز عند العرب أيضاًً، ويتم الشدو بها عادة في المناسبات الاجتماعية والثقافية، مثل: الأعراس، والمهرجانات، ويتغنى شعراء التغرودة بالحب والوطن والقيم الاجتماعية. وهي كما سلف الذكر امتداد لفن الحداء، التقليد البدوي عميق الجذور الذي مارسه البدو في صحاري الجزيرة العربية، في حدو إبلهم على الطريق أثناء الترحال. وكانوا يرفهون به عن أنفسهم ويخففون به قسوة السفر في الصحراء، ويزعم العرب أن الإبل تستجيب له وتفهمه، وتسير على أنغامه، وتعكس كلمات الأغاني التي يشدو بها البدو في الحداء حياتهم وثقافتهم وقيمهم، حيث يتناولون فيها قصص الحب والشجاعة والمجد، إلى جانب موضوعات أخرى تتعلق بالحياة الصحراوية، والتحديات التي يواجهونها في هذه البيئة القاسية. والتغرودة في الإمارات ليست فن ترفيه شعبي فقط، بل هي فن أصيل يحمل أبعادا اجتماعية وثقافية مهمة، ووسيلة لنقل التراث الأصيل من جيل إلى آخر، حيث يتعلم الشباب من الأجيال الأكبر سنا فنون الحداء وقيمها وتقاليدها التي تعد جزءا مهما من تاريخ البدو وحضارتهم العريقة. وتحظى التغرودة في الإمارات بمكانة خاصة في قلوب الناس كوسيلة لاستدامة القيم والتقاليد الاجتماعية والثقافية عبر الأجيال، ومرآة تعكس تفاعل الإنسان الإماراتي عبر العصور مع بيئته وتحدياتها التاريخية والاجتماعية. وتُُعتبر الاحتفالات التي تتضمن فن التغرودة مناسبات اجتماعية مهمة، ما يجعل هذا الفن جزءا لا يتجزأ من الحياة الثقافية والاجتماعية في الإمارات. ومثلما جسدت في الماضي جزءا أساسيا من حياة
من التراث الثقافي
الغني لمنطقة الخليج العربي عامة وللإمارات خاصة، نمت أصولها في بيئة الصحراء القاحلة، حيث كانت رفيقة البدو في أسفارهم الطويلة على ظهور الإبل. وكانت تلك الرحلات مملوءة بالمغامرات والتحديات، فمثلت التغرودة خلالها وسيلة لتحفيز الإبل على السير وإبقائها نشطة، إلى جانب أنها كانت تشكل مصدار للتسلية والترفيه للمسافرين. ورغم تجذرها في التقاليد القديمة، فإن التغرودة تمك ّّنت من التطور والتكيّّـف مع تغيرات العصور. فحضرت في حلل جديدة تتناسب مع الحياة الحديثة، أبرزها مهرجانات الإبل، والاحتفالات التراثية، والمناسبات العامة والخاصة، وقد حافظ هذا الفن على شعبيته عبر الأجيال. والتغرودة نوع من الشعر الشعبي يتميز بقوافيه المنسابة وإيقاعه المتميز ولغته السهلة الممتنعة التي تعتمد غالبا على الارتجال الذي يبدؤه أحد الشعراء أو الحداة، بأبيات قليلة، ويواصل من يكون حاضار من الشعراء الارتجال زيادة على قوافيه، وهو امتداد لفن الحداء الذي كان من عادة الشعراء الارتجال فيه على بحر الرجز، الذي ترنمت به العرب منذ فترة ما قبل الإسلام، وكتبوا عليه الكثير من أشعارهم التي رصدت أنسابهم وأحسابهم. و «وزن بحر الرجز التام هو: مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن وهو يستعمل تاما ًً، ومجزوءاًً، ومشطو ارًً، ومنهوكا ًً. وكان شعراء الجاهلية إنما يستعملون الرجز في أحوال البديهة والارتجال فحسب. ولكن الرجز لقي في العصر الأموي عناية خاصة عند كثيرمن الشعراء، فأخذوا يذهبون به مذهب القصائد، وعمدوا إلى تخفيف ما تتركه بساطة العروض وسذاجته في النفس من ملل، بحلية فنية من الألفاظ الغريبة، والعبارات البعيدة المأخذ، وممن ذكروا أن الرجاز كانوا يخترعون ألفاظا جديدة فخر الدين الرازي في كتابه: «المحصول»، كما نقله السيوطي في «المزهر». وأول من نحا بالرجزمنحى القصيد، فأسبغه وأطاله، كان الأغلب ابن عمرو بن عبيدة بن حانة الع لجي، وكان مخضرما أدرك الجاهلية والإسلام». والتغرودة فن يعتمد على الارتجال والبديهة اللذين يشكلان
البدو، ترنم البدوي فيها بوصف الإبل وتمجيدها، وبالأحداث التي تمربه أثناء رحلته، وبطولاته وأشواقه وغربته، وبالحروب، والتحديات، والفخر، والحكمة، وغيرها من الموضوعات الشعرية والاجتماعية على اختلاف مصادر الإلهام. وذلك خلال رحلات القوافل قديماًً، فقد تجلت حديثا كفن حاضر في المناسبات الخاصة والعامة، وقبلها في وجدان الإنسان الإماراتي. ويعتمد فن التغرودة الإماراتية بشكل كبير على الابتكار والإبداع الشعري والأداء الصوتي، إذ لا يصاحبه أي نوع من أدوات الموسيقى، و«يعتمد المنشدون له على المبالغة في مد الحروف المتحركة»، التي تجسد بدورها إيقاعا صوتيا يطرب له السامعون. يُُذكر «أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في القائمة 2012 (اليونسكو) قد أدرجت فن التغرودة عام التمثيلية للتراث الثقافي غيرالمادي للبشرية، في خطوة تعكس مدى أهمية هذا الفن الشعري والتراث الثقافي. ويكتسب هذا الفن أهمية إضافية على المستوى العربي، علاوة على أهميته المحلية كفن شعري غنائي، يمثل نمطا ممي از وفريدا من أنماط التراث الشعبي الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة». ورغم بروز شاعرات كثيرات في التاريخ العربي فإن التغرودة ظلت فنا رجوليا في المقام الأول قلما تصدرت فيه النساء. وتولي دولة الإمارات العربية المتحدة اهتماما كبيار بالحفاظ على هذا الإرث الثقافي المهم، من خلال دعم الفعاليات الثقافية التي تسلط الضوء على التغرودة، وتشجيع الشباب
على تعل ّّمها وتطوير مهاراتهم فيها، لضمان استمرارية هذا الفن العريق ونقله إلى الأجيال القادمة. ختاماًً، في ظل التحولات الحديثة والتقنيات المتقدمة، لا يزال فن التغرودة يحتفظ بمكانته الخاصة في قلوب الإماراتيين، كواحد من أهم رموز الهوية الإماراتية، وتراثها الثقافي الغني. فهوليس مجرد فن غنائي، بل لغة تعبيرية تجسد قيم الشجاعة والفخر والولاء، وتعزز روح الانتماء والوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد. كما يسهم استمرار تراث التغرودة في إثراء التنوع الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يعتبرجزءا من مجموعة متنوعة من الفنون التقليدية والتراثية التي تميز هذه البلاد. وبالتالي، يسهم في إثراء المشهد الثقافي والفني المحلي والعالمي. وتلعب الفنون التراثية دوار كبي ار في تنشيط السياحة الثقافية حيث تمثل جذبا سياحيا مهما لدولة الإمارات أيضاًً، يستقطب الزوار من داخل البلاد وخارجها للاستمتاع بتجربة فريدة من نوعها للتعرف على تراث الإمارات وثقافتها. وبالتالي، تسهم في تعزيزالقطاع السياحي وتنويع مصادرالدخل الوطني. ويعتبر الحفاظ على تراث التغرودة واستمراريته ونقله للأجيال القادمة مسؤولية مشتركة بين أفراد المجتمع تدعمه جهود قيادة واعية بقيمته. فضلا عن توثيق هذا التراث وتوفيرالدعم والتشجيع للشباب لتعلمه وتطوير مهاراتهم فيه
كاتبة من السودان
51
50
2024 أبريل 294 / العدد
التغرودة الإماراتية: أصالة وابتكار
Made with FlippingBook flipbook maker