torath 294 - Apr - 2024

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

التغرودة فن يتغنى بالتراث والهوية والوطن

فاطمة سلطان المزروعي تمارس التغرودة في دولة الإمارات العربية والمتحدة بشكل تقليدي من قِِبل القبائل التي عرفت باهتمامها بتربية الإبل في المنطقة الغربية، مثل: بني ياس، من بينها: الفلاحي، والفلاسي، والهاملي، والمرر، والمزروعي، والمحيربي، والمهيري، والقبيسي، والسويدي وغيرها. وقد عرف عند بعض العائلات الكبرى مثل آل نهيان وجود الكثيرمن الشعراء البارزين وبعض الشاعرات مثل بني ياس وحول مدينة العين وبعض التجمعات البدوية حول المناطق الجبلية من رأس الخيمة والفجيرة. وتعد التغرودة نوعا من أنواع الشعر البدوي الشعبي الذي يؤلفه الشعراء ويلقى من ق ِِبل الرجال الذين يرحلون على ظهور الإبل وأماكن ال جهن مواقع لهذا النوع من العروض، وتتم ممارسة التغرودة في التجمعات السكنية البدوية، لا سيما في المناطق الصحراوية في المنطقة الغربية من إمارة ابوظبي. أما المواقع الجديدة فهي تتكون من مجموعة من سكان المناطق شبه الحضرية حول المدن الكبرى حيث انتقل العديد من البدو إلى مساكن قدمتها لهم الدولة. تبدأ التغرودة بتأليف قصيدة قصيرة ترتجل عادة وتكرر من ق ِِبل المسافرين الآخرين ويتم أداء هذه القصائد على شكل غناء منفرد أو جماعي من ق ِِبل راكبي الإبل حيث يقوم المؤدي الرئيسي بغناء البيت الأول ثم ترد عليه المجموعة الأبيات الأخرى وقد تنشد هذه القصائد أثناء حفلات السمر التي تقام في المناسبات الاجتماعية المختلفة ولا يصاحب هذا الإنشاد أي نوع من الآلات الموسيقية، وتتألف قصيدة التغرودة من أبيات قصيرة (أقل من سبعة أبيات عادة) وتتبع الوزن السريع في الشعرالعربي الفصيح الذي يعرف باسم «الرجز» ويتم الإنشاد من خلال المبالغة في مد الحروف المتحركة وكان البدو يعتقدون أن هذا النوع من الشعريسلي الراكب ويحث المطايا على السيرمع الإيقاع وقد تغيرت التغرودة في العقود القليلة الماضية نظ ار إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في المنطقة حيث تحولت إلى شكل من أشكال التعبيرالشعري الذي يستخدم بعض الأوزان الشعرية وأصبح من غير الضروري أن يصحبه الإنشاد كما يقدم هذا النوع من الشعر حاليا مكتوبا أو مسجلا ًً.

تتنوع موضوعات شعر التغرودة ما بين الحب الرومانسي والصداقة والطموحات والمديح والشوق والعلاقات القبلية، ًًا ويمتاز هذا النوع من الشعر بأنه مباشر ولا يستخدم صور مجازية معقدة، هذا وتلعب التغرودة دوار مهما في توثيق التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، فكان الشعراء وحاملو هذا التراث في الغالب من الذكور البالغين الذين اعتادوا قضاء الكثير من أوقاتهم على ظهور الإبل، كما كانوا من ذوي المكانة والوجاهة في المجتمع وممن يحظون بقدر كبير من الاحترام لدورهم بتوسيع نطاق حمل هذا التراث ليشمل الكثير من الجماهير العادية، فقد دأب الرجال على تأليف قصائد التغرودة وإنشادها كنوع من الترفيه للمسافرين معهم ومن التشجيع للمطايا كي تستمر في سيرها، ويعد هؤلاء الشعراء من ذوي المكانة والوجاهة في المجتمع حيث يحظون باحترام الكثيرين كشعراء موهوبين إلا أن بعض الناس يخشونهم خوفا من تحول إبداعهم إلى نوع من الهجاء. وقد عرفت النساء البدويات في الماضي والحاضر بالقدرة على تأليف قصائد التغرودة وإنشادها أثناء الأعمال الجماعية أيضا لكن عددهن كان دائما أقل مقارنة بالرجال، وقد تمثلت الوظيفة

الأصلية لشعر التغرودة في تسلية المسافرين في رحلاتهم عبر الفيافي الشاسعة في المنطقة، إضافة إلى دورها في توطيد أواصر الترابط الاجتماعي بين أفراد المجتمع من خلال التبادل الشفهي للموضوعات التي تتناولها وإرسال الرسائل إلى المحبوب والأقارب والأصدقاء وشيوخ القبائل وتعد التغرودة كذلك وسيطا للشاعر يمكن من خلالها أن يدلي بتعليقه على الموضوعات الاجتماعية ووسيلة مهمة في تسوية النزاعات بين الأشخاص والقبائل وجذب انتباه الناس إلى بعض الإنجازات التاريخية وعلاقات الجوار الجيدة مع القبائل الأخرى. وفي العصرالحالي وتفاعلا مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة أصبحت قصائد التغرودة تتحدث عن موضوعات تقليدية وحديثة، وأصبحت تلقى في العديد من المناسبات مثل الأعراس وتكريم ضيوف القبائل والاحتفالات الوطنية لا سيما أثناء الهجن، ويمثل إدراج التغرودة على القائمة التمثيلية تعزي از لانتشار هذا العنصر التراثي 2012 بـ «اليونسكو» عام المهم حيث شاركت العديد من الجمعيات الأهلية بشكل فعال في الترويج له كشكل من أشكال الفن الشعبي الأدبي، وفي إكساب فكرة ترشيحه لدى «اليونسكو» شعبية واسعة وقبولا

57

56

2024 أبريل 294 / العدد

التغرودة فن يتغنى بالتراث والهوية والوطن

Made with FlippingBook flipbook maker