torath 294 - Apr - 2024

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

الفصيح، دخل إلى العامي كذلك، يجمع بينهما وحدة البحر بموسيقى «الرجز»، فيلتقي «الرجّّازون» و»الحداؤون» على مطية هذا البحر، مع اختلاف المستوى اللغوي لفصحى النص وعاميته، ولكن مع ارتباط الحداء بطبيعة النص المروي في شفاهيات التراث الشعبي، فإن الكثير من نصوصه، بطبيعة الحال، تكون مجهولة المصدر/ القائل، ولكن يبقى النص إرثا متداولا ًً، لا يرتبط بالضرورة باسم قائلة إلا «نوادر انطوت على قيمة فنية أو سجلت حادثة مهمة أو كانت لزعيم مرموق، فتكتسب الأحدية أهميتها لأهمية قائلها، ولهذا قلّّت عناية . ) 4 ( الج ُُم ّّاع بالحداء وتأخر تدوينه» وقد شك ّّلت طبيعة الحياة البدوية الإماراتية مصدرإلهام للقرائح الشعرية التي وافقت لدى أهل المنطقة ميولا فطريا إلى الشعر، وبخاصة النبطي، وقد شكّّل ذلك تمهيدا للنهضة الإبداعية، حيث أقبلوا على الشعرقرضا وتذوقا في مجالسهم الاجتماعية لتنمية ذائقة أدبية، كانت داعمة لحركة الشعر الفصيح، فالقصيدة النبطية تجتمع فيها مقومات قصيدة الفصحى في الشكل والأغراض والمضامين، والوظيفة التعبيرية والوجدانية للشعر، مع الاختلاف في المفردة المعجمية التي تشكل فاصلا

بين ما ينتمي إلى قصيدة الفصحى والقصيدة النبطية، وإن كان بعض شعرائها يضمنونها كثيار من الألفاظ الفصيحة، هذا إلى جانب أن هناك من الشعراء من أتت أعمالهم بهذين الشكلين، كما لدى مبارك العقيلي، ومانع العتيبة، ومحمد بن حاضر. وقد ارتبطت بدايات الحركة الأدبية الإماراتية بفن ًًا التغرودة التي تأتي امتدادا لفن الحداء، حيث كانت تعبير عن العديد من الأغراض والمعاني، يأتي في إطار ما عرفته موسيقى القصيدة العربية، إذ تنتمي التغرودة «إلى منظومة الأوزان التي وضع أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي، ويبدو أن أصالة البادية الإماراتية، وعمق انتمائها إلى الثقافة العربية، ومحافظتها على إرثها الحضاري جعلت فنون هذه البادية . ) 5 ( موصولة بجذورها الراسخة في التربة العربية الخصبة» وقد شكّّلت التغرودة جزءا من واقع المجتمع الإماراتي الذي عرف مساجلات بين أبناء قبائلها، وهو ما سج ّّله صاحب كتاب (أطيب الثمرات في التعريف بقبائل الإمارات)، في حديثه عن شعرالمهدرس المزروعي، أحد شعراء قبيلة المزاريع: «كان من الشعراء المشهورين في فن التغرودة، وله مساجلات مع شعراء ) 6 ( عصره أمثال الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان حاكم أبوظبي» - طي ّّـب الله ثراه - ومما ذ ُُك ِِركذلك تغرودة أحد شعراء العوامر، سهيل بن محمد بلويع العامري، والشاعر سعيد بن سبت الخييلي الذي كان أحد الشعراء البارزين في زمن الشيخ زايد بن خليفة، وكان بينه وبين شعراء عصره العديد من القصائد ويعكس حضورهذا الفن لدى أبناء البادية قدرته على بناء حالة

من الحداء إلى التغرودة ترانيم البادية وأسمار الصحراء

ومما أنجبته الحضارة العربية من فنون تعكس عمق هذا الارتباط، حداء الإبل الذي يوظفه الحادي في حث الإبل على السير أو الرعي، فيطربها غناؤه، وكأنها لغة خاصة بينهما، فتغدو نبرات صوته وما يترنم به عزفا تتهادى على إيقاعه، وكأنهما يتبادلان طربا للذات، إذ قد ترتبط تجربة الحادي ببُُعد نفسي لديه، إذ إنه، مثلما يرى المفكر عباس محمود العقاد، ليس مجرد ترديد أناشيد، وإنما هو في حد ذاته «مناسبة شعرية تستوحي الغناء في ليالي البادية القمراء، بين الحنين إلى الموطن الذي بارحه الركب، والأمل في المنتجع الذي ينتقل إليه، وليس لترديد الغناء، بمعانيه الشعرية، مجال أقرب إلى . ) 1 ( الحياة البدوية وألصق بها من مجال الحداء» ويضرب الحداء بعمق في الثقافة العربية، حيث يقال «إن أول من أخذ في ترجيعه الحداء مضر بن نزار؛ فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده فحملوه وهو يقول: وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرما وصوتاًً، فأصغت الإبل إليه وجد ّّت في السير، فجعلت العرب مثالا لقوله هايدا هايدا يحدون ، وتعكس هذه الرواية عمق هذا الفن العربي، ) 2 ( به الإبل» وتعكس كذلك تطوره عبر عصور العربية، من مجرد أصوات آمرة تحمل في ندائها حث الإبل على المسير، إلى فن أدبي طربي يلتقي فيه الأدب والموسيقى مع غنائية ذات الحادي، «فجمع عذوبة الصوت وسحر القافية والبيان وغنى المحتوى والمعنى المستمد من بيئة البدو وثقافتهم، لذلك أصبح فنّّا شعريا غنائيا معروفا في أنحاء البوادي العربية، لا يكاد يختلف . ) 3 ( في المضمون والأداء» ومع تنوع المستوى اللغوي في القصيدة العربية، يأتي الحداء بوصفه شكلا من الفن الشعبي، فمثلما دخل الحداء إلى الشعر

عـادل نيـل ارتباط العربي بمكونات بيئته هو ارتباط يعكس مدى انتمائه إلى مفردات حضارته، واعتزازه بكل ما يشكل خصوصية تلك الحضارة، ومن بين هذه المكونات تأتي الإبل بوصفها جزءا من حياة البدوي الذي رافق الصحراء ورافقته، إذ إنها ٍ وترحال ٍٍ، وإنما �ٍّ لديه ليست مجرد مطية تحمله وأثقاله في حل كانت نديما وفيّّا يسامرها في فيافي صحرائه الممتدة، كما أنها ترتبط بعمق حضارته الإسلامية التي دعانا الله خلالها ا إلى التأمل في بديع صنع هذا المخلوق، فقال تعالى: {أََفََلَا )؛ لذلك 17 ِب ِِل ك ََي ْْف خ ُُل ِِق ََت ْْ} (الغاشية، الآية: �ِ يََنظ ُُرُُون إِِلََى الْإ تغنى الشاعرالعربي بها، ورأى فيها معاني رفيعة ترتبط بطبيعة شخصية، كالقوة والوفاء والج ََلََد، كما راح يتغنى بها وبجمالها وسرعتها وبهاء مظهرها، وقد احتفظت بعض كتب اللغة، كما في «الم ُُخص ََّص» لابن س ِِيد ََه، بأوصاف الإبل لدى العرب.

61

60

2024 أبريل 294 / العدد

من الحداء إلى التغرودة ترانيم البادية وأسمار الصحراء

Made with FlippingBook flipbook maker