torath 294 - Apr - 2024

التغرودة: ترنيمة الرحلة وآفاق استدامتها

التغرودة الإماراتية والأغاني الشعبية في أمريكا الشمالية مقاربة ثقافية

الشعبية مقدسة لأنها تعبر عن الثقافة المحلية وتحفظها للتاريخ والأجيال القادمة. والرقصات والأغاني الفلكلورية تقدم في الأعياد الدينية وفي المناسبات الاجتماعية وفي الاحتفالات في مواسم الحصاد. ولم تكن الأهازيج الشعبية قاصرة على المناسبات المذكورة آنفا فقط، وإنما كانت تردد أثناء الاستعداد للحرب والدفاع عن الأرض بمصاحبة نوعية معينة من الطبول تشبه البراميل تسمى (طبول المحاربين) وهي تختلف عن الدفوف وعن نوعيات أخرى من الطبول تستخدم في الاحتفالات الكبرى مع المزامير الخشبية المنحوتة يدويا ًً. وعلى غرار التغرودة كان الصوت البشري هو الأداة الأساسية لجميع الأمم الأولى في أمريكا الشمالية. وكما هي الحال في معظم الحضارات القديمة كان الغناء الشعبي الفلكلوري هو قلب تقاليد القبائل الأمريكية والكندية في سالف الزمان. فلكل أغنية مؤلف أصلي والأغاني الشعبية تنتمي أو تمثل مجتمعا أو عشيرة أو تعبر عن طقوس معينة. ومثلما تطور فن التغرودة الإماراتية في الوقت الراهن فقد قام بعض الموسيقيين الحاليين بدمج موسيقى الأمم الأولى في أمريكا الشمالية مع أنواع الموسيقى الشعبية السائدة مثل موسيقى الريف (الكانتري) أو الروك أو الهيب هوب أو موسيقى الرقص أداء مُُنشدي التغرودة ا � الإلكترونية. وبطريقة تشبه كثير كانت الأغاني الشعبية والفلكلورية لدى شعوب وقبائل أمريكا الشمالية تؤدى عن طريق التضاد أو (الغناء بأسلوب النداء والاستجابة) بمعنى أن المغني الرئيسي يطلق عبارة ثم ترد عليه جوقة المنشدين وهو ما لا يحدث في مناطق أخرى من العالم. كذلك كانت العصي تستخدم في الرقص الطقوسي أثناء الإنشاد الذي يتضمن ترديد عبارات متكررة قصيرة في إيقاعات موسيقية متواترة. وتصاحب هذه الأغاني الفلكلورية بعض الرقصات الشعبية والأناشيد التي تتحدث عن مآثر القبائل وترفع الروح المعنوية للمحاربين أو المآثر الحديثة وتُُدرس هذه الأغاني الاحتفالية للأجيال الشابة. لقد تركزت هذه النماذج الغنائية الفلكلورية على المجتمعات القبلية التي كانت تسكن في أربع مقاطعات كندية هي نيوبرونزويك ونوفا سكوتشيا وجزيرة الأمير إدوارد ونيوفوندلاند وبين قبائل السهول الوسطى الممتدة من كندا إلى ولاية تكساس علاوة على الولايات الأمريكية الواقعة بين نهر المسيسيبي والمحيط الأطلسي أكاديمي وناقد- خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية

ولا يزال هذا النوع من الشعريحظى بأهمية كبيرة بسبب شعبيته وأهميته في مد جسورالود بين الفئات الاجتماعية المتنوعة في الدولة. وقد وردت بعض أشكال التغرودة في نماذج فلكلورية أخرى مثل العيالة. واستجابة لظروف اجتماعية واقتصادية متباينة ومتغيرة يتعامل شعر التغرودة مع موضوعات حديثة وتقليدية عند تقديمه في مناسبات مختلفة. وفي الوقت الحاضرتوفرعروض التغرودة فرصة للجمهورالإماراتي للتعرف على تاريخهم وإلقاء نظرة خاطفة على تقاليدهم المتوارثة، كما تقدم نظرة ثاقبة عن الثقافة الإماراتية وأصولها. وحامل هذا الشكل من التراث قد يكون شاع ار أو فنانا أو منشدا أو مرتجلا ورغم أن شعر التغرودة يعكس موهبة فردية لكنه في بعض الأحيان يورّّث عبرالعائلة ويمكن التقاطه من خلال مرافقة كبار السن في التجمعات الاجتماعية اليومية. التغرودة والفنون الفلكلورية في أمريكا الشمالية وتشيرالبحوث والدراسات الإثنوجرافية إلى ثمة تشابه بين فن التغرودة الفلكلوري والفنون الشعبية التي كانت سائدة بين قبائل السكان الأصليين والأمم الأولى في أمريكا الشمالية، حيث تشتمل هذه الفنون على الإنشاد والغناء والرقص والموسيقى، علاوة على ذلك كانت هذه الفنون تعبّّر عن الاعتزاز بالثقافة المحلية. كان لكل مجتمع من مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية تقاليده الفلكلورية الفريدة، فالغناء الفلكلوري يحظى بشعبية واسعة وكان المنشدون يشدون بالأغاني الشعبية على إيقاع آلات موسيقية بسيطة ابتكرها الكنديون الأوائل قبل الهجرة الأوروبية إلى البلاد. لقد صنعوا الطبول من الخشب وجلود الماعز وصنعوا المزامير من قرون الأبقار والجاموس. وكانت شعوب أمريكا الشمالية تعتبر أن الفنون

الأشعار إلى أناشيد وكان سكان البادية بادئ ذي بدء يعتقدون أن عملية الإنشاد كانت تهدف لتسلية المسافرين وتحفيز قوافل الإبل على مواصلة السير عبر دروب الصحراء الممتدة، لأن القصائد قصيرة ومكونة من سبعة أسطر أو أقل وهي مرتجلة ترددها مجموعتان من المنشدين حيث يستهل المغني الرئيسي الأنشودة وتستجيب المجموعة التي تشكّّل ما يشبه (الكورال) أو الجوقة. وأحيانا كانت القصائد تُُتلى وتُُردد حول مواقد النيران بالقرب من المخيمات في الصحراء وفي الأعراس وحفلات الزفاف وفي الأعياد الدينية والمناسبات الوطنية ولم تكن هذه الأناشيد حك ار على الرجال حيث تولت بعض النساء البدويات التأليف والإنشاد أثناء انخراطهن في العمل الجماعي. وتسهم هذه الأناشيد الشعبية في تعزيزالترابط الاجتماعي من خلال توجيه الرسائل إلى الأحباء والأقارب والأصدقاء أو زعماء القبائل في الماضي قبل نشأة الدولة علاوة على أنها وسيلة يستطيع الشاعرمن خلالها تمريربعض الملاحظات والتعليقات على القضايا الاجتماعية. ومن السمات المميزة للتغرودة تمديد أصوات العلة العربية أثناء الإنشاد ويتميزشعرالتغرودة بالسلاسة اللغوية وهو يتبع بحر الرجز، وهو وزن يستخدم في الشعر العربي الفصيح ولا يستخدم شعر التغرودة الاستعارات المعقدة. وكان من أهم الأدوار التي تضطلع بها التغرودة توثيق التاريخ الاجتماعي والثقافي للبلاد باعتبارها تمثل جانبا من الذاكرة الجمعية الشعبية الحافظة للفلكلور والتاريخ الشفاهي للدولة. والجدير بالذكر أن الحب والإخلاص هما الموضوعان الأكثر شيوعا في شعر التغرودة حيث يتغنى الشعراء بالحب والإخلاص للأحباء والأقارب والأصدقاء وكبار القوم ويسعون لتسليط الضوء على الإنجازات الوطنية التاريخية، وحيث إن التغرودة كانت مصدار مهما للحكمة والبصيرة في الثقافة الإماراتية فقد استخدمت كوسيلة لرأب الصدع وتسوية النزاعات بين القبائل والأفراد.

صديق جوهر التغرودة: نظرة تاريخية

يلعب الشعر الشعبي وعناصر التراث الشفاهي الأخرى دو ار محوريا في المجتمع الإماراتي حكومة وشعباًً. فقد كان الأب المؤسس المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - يكتب القصائد النبطية التي تشكل فسيفساء جمالية وأخلاقية من الأشعار ذات الأبعاد الفلسفية التي يُُحتذى بها، في حين أصدر الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة، حاكم دبي - رعاه الله - مجموعات متعددة من الشعرالنبطي ذي التوجهات الوطنية والقومية. وفي سياق متصل فإن شعر التغرودة يتضمن قصائد بدوية تقليدية نبطية أبدعها شيوخ المجتمع وشعراؤه ويمثل جانبا أصيلا من العادات القديمة وقد انتقل عبرالأجيال والمجتمعات المختلفة في الدولة. يعود فن التغرودة إلى المجتمعات الصحراوية والمناطق الجبلية والريفية في دولة الإمارات العربية المتحدة وقد بدأ هذا الفن بين راكبي الجمال والرعاة والبدو. ومع ذلك تُُمارس فنون التغرودة حتى اليوم وتنتشر في جميع أنحاء البلاد باعتبارها عنص ار محبوبا في الثقافة الإماراتية. وقد على قائمة اليونسكو للتراث 2012 أُُدرجت التغرودة في عام الثقافي الإنساني غير المادي. إن إدراج هذا الفن الشعبي في قائمة اليونسكو كان مصدر إلهام لجمعيات التراث المحلي لتقديم عروض التغرودة في المناسبات الاجتماعية والمسابقات الشعرية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإماراتية تساعد على الانسجام والتلاحم بين المجتمعات المتنوعة في الدولة. ومن المعروف تاريخيا أن التغرودة نشأت في الإمارات وهي شعر بدوي تقليدي غنائي ينشده البدو أثناء ترحالهم كما ذكرنا. في الماضي كانت أشعار التغرودة تؤلف من قبل رجال يسافرون على ظهور الجمال عبر المناطق الصحراوية في البلاد، وكانت الأشعار تُُتلى لأغراض ترفيهية وأخلاقية حيث كانت الحكم والمواعظ تستخلص من هذه المؤلفات الشعبية. وتحولت

التغرودة في الوقت الراهن تطورت التغرودة على مر السنين وتحولت إلى احتفالية شعبية

69 2024 أبريل 294 / العدد

68 التغرودة الإماراتية والأغاني الشعبية في أمريكا الشمالية مقاربة ثقافية

Made with FlippingBook flipbook maker