ارتياد الآفاق
«الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية» للنابلسي* صورة الكتابة الرحلية مطلع القرن الحادي عشر الهجري
بقرية حبرون. تميزت الرحلة بالسجع اللطيف وبأبيات الشعر الوصفي كما تضمنت الأبحاث العلمية والفوائد التاريخية والمذكرات الأدبية مع سرد العلماء والصالحين المتوفين في تلك البقاع مما يرسخ الوجود العربي القديم في تلك البقعة وما حولها. مخطوط الرحلة اطلعت على النسخة المطبوعة عن النسخة المخطوطة للرحلة، وهي من مقتنيات الجامعة الأمريكية في بيروت، وقد
محمد عبد العزيز السقا
إذا كان الارتحال هو الفعل المدني الثابت في التاريخ، فإن أدبه هو الأدب الأكثر متعة وثراء بين فنون الكتابة، وعلى الوارث أن يعطي مثلما أخذ، وإن وراثة أدب الرحلات ومفاتيح خزائنه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وكيف لا والباحث ما يلبث أن يطوي صفحة حتى يفتح أخرى، وها هو شهر جديد يطل علينا في م لجة «تراث» الغراء، وقد وفقني الله للوقوف على رحلة بديعة من الرحلات الشامية التي لها أهمية تاريخية وفكرية فضلا عن عذوبة متنها وتماسك عبارتها. في السنة الأولى من القرن الثاني عشر الهجري، قام الشيخ/ عبد الغني المعروف بـ «النابلسي» برحلة انطلق فيها من دمشق إلى الخليل ثم عاد إلى دمشق، في مدة خمسة وأربعين يوماًً. وصف فيها الشام ونابلس والقدس، وتعج نصوصه بالمفاهيم الصوفية ومصطلحاتها ورموزها التي تلزم القارئ أو الباحث بالرجوع إلى معاجم المصطلح الصوفي. يصف بالتفصيل سفره على الأقدام من دمشق إلى بيت المقدس بدءا من دار في خان الشيح ثم سعسع فالقنيطرة ثم جسر بنات يعقوب فوق نهر الشريعة في الأردن ثم وادي جب يوسف فخان المني فقرية الناعورة فجنين ثم يعبس ثم قرية عرابة قرابة فلسطين حتى دخل نابلس المنسوب إليها ثم توجه إلى جماعين التي فيها قبور أجداده بني قدامة ثم رحل إلى سنجل فالبيرة فالعقبة فالقدس فوصف أبواب سورها ومدارسها والمسجد الأقصى وبناءه المتقن وترتيب أئمة الصلاة فيه، ووصف قبة السلسلة ومربط البراق ومقبرة » أكبر مقابر القدس، وعين سلوان ا «مأمن الله» أو «ماميلّا وعين أيوب ومقبرة باب الرحمة ومدرسة الصلاحية وقبرموسى ًًا عليه السلام عند الكتيب الأحمر، ثم زار مدينة الخليل مرور
طبعت في مطابع جريدة «الإخلاص» في مصروعلى نفقتها سنة م، وقد جاء في عنوانها على صفحة الغلاف: الحضرة 1902 الأنسية في الرحلة القدسية لإمام عصره وعلامة دهره الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي، وقف على طبعها حضرة الفاضل الكاتب ديمتري أفندي نقولا صاحب مجلة «الفكاهة» وأحد محرري «الإخلاص». أسلوب الرحلة والسرد يتكئ النابلسي على التوثيق لكل شيء ذكره من تاريخ وأحاديث وآراء وبعض مشاهدات الرّّحالة السابقين له، بذكر المصادر أو النص الذي اعتمد عليه. وبلغة شعرية ومهارة نثرية امتازت بالبساطة اهتم النابلسي بذكر المعلومات والوقوف عند التسميات، وزين الرحلة بلطائف أدبية مع اعتماد تقنية السجع والمحسنات اللفظية. لغة الرجل صوفية بامتياز بها رمزية وتحوي روايات من خوارق وخيالات أسطورية، تجلب المتعة وتجذب القارئ. النابلسي، من رحالة القرن الحادي عشر الهجري إذ له خمس رحلات، إلى الشام ولبنان، وإلى إستانبول، ومصر، والحجاز، وهذه الرحلة تمثل نهجه وأسلوبه الفني في كتابة الرحلة. اعتمد فيها أسلوب اليوميات، فالرحلة خمسة وأربعون يوما يوثق في كل يوم بتاريخه والشهر بالتقويمين الميلادي والهجري، ويحصي فيه أعماله ومشاهداته، وقد افتتحها بمقدمة وتوطئة
طويلة جعلها للقدس فبيّّن أهمية زيارتها، وقرنها بمكة، وناقش أسماءها، وحد حدودها الجغرافية، واستفاض في الحديث عن فضائلها. وكثرة ما في هذه الرحلة من الأشعار له ولغيره هي أوضح ما تقع عليه عين الباحث، وكأن الرجل يعكس صورة الكتابة في عصره ويظهر قدراته الأدبية النثرية والشعرية، وترسم معها معالم شخصية النابلسي ذاته، وقدرته على قدح البديهة ونظم البديع ومعارضة الشعراء وقد تراوحت قصائدة من حيث الحجم بين البيتين والمقطوعة والقصيدة المطولة وليس من نافلة القول أن نذكر أن أشعار النابلسي في تلك الرحلة جاءت على صنفين، أشعار مرتجلة على البديهة، ومن ذلك قوله: ألا إن عقــــــــــــــــــــــــــــــــلا أفضــــــــــــــــل النّّــــــــــــــــاس كلّّهــــــــــــــــــم ولولاه في الأحكــــــــــــــــــــــــــــــــام ما ظهــــــــر النقــــــــــــــــــــــــــــــــــــل فتى هــــــــــــــــــــــــو في البيت المقــــــــــــــــد ّّس كوكــــــــــــــــــــــــب مضيء وفي أرض الكــــــــــــــــــــــــرام هــــــــــــــــــــــــو البقــــــــــــــــل والصنف الثاني هو شعر معد ومصنوع يسميه النظم البديع
83
82
2024 أبريل 294 / العدد
«الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية» للنابلسي* صورة الكتابة الرحلية مطلع القرن الحادي عشر الهجري
Made with FlippingBook flipbook maker