ارتياد الآفاق
على عكس الأول يسميه من البديهة، ومنه: إن الأكــــــــــــــــــــــــارم أهل بيــــــــــــــــــــــــــــــــت المقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدس
ويجيب على استفسارات المريدين، وهناك حضرات للخاصة من المريدين وفيها يعرض مشكلة اجتماعية أو أخلاقية أو صوفية يدلي فيها الشيخ برأيه، وللحضرة تقاليد معينة منها شرب الش ّّاي، والاستمرار من بعد صلاة العشاء إلى منتصف الليل وتختم بصلاة العشاء جماعة. أما الأنسية فالأنس عند الصوفية يطلق على أنس خاص وهو الأنس بالله وكذا المؤانسة، والأنس عندهم حال شريف، هو ا ِِلتذاذ الروح بكمال الجمال، وفي موضع آخر منه الأنس ضد الهيبة. وقال الجنيد: الأنس ارتفاع الح ِِشمة مع وجود الهيبة. ومعنى ارتفاع الحشمة هو أن يغلب الرجاء على الخوف منه. ومما يعكس صورة الكتابة عند المشايخ والفقهاء الذين تقاطعوا مع أدب الرحلة اعتماد الجانب الخرافي في روايته لبعض الوقائع، ومن ذلك قوله في عمودين متلاصقين في المسجد الأقصى بينهما مقدار الشبر والعامة يمرّّون بين هذين العمودين ويعتقدون أن الذي يمكنه المرور لا ذنب عليه والمذنب لا يقدر أن يمر بينهما، وبلغني مرة أن رجلا كان جسيما فلم يمكنه أن يمر بينهما، فلم ّّا توسطهما انكسر شيء في ظهره فحسب أنّّه ضلع من أضلاعه فأغمي عليه حتى رش ّّوا
أهــــــــــــــــــــــــل المحامــــــــــــــــــــــــد في المقام الأقـــــــــــــــــــدس
أهــــــــــــــــل المراتــــــــــــــــب والمناصــــــــــــــــب والنّّـــــــــــــــــــــــــــدى
شـــــــــــــــــــــــــم الـعرانيــــــــــــــــــــــــن الكـــــــــــــــــــــــــرام الأنـفـــــــــــــــــــــــــــــس حشد النابلسي في رحلته فيضا عظيما من أسماء الكتب في التصوف والرحلات والكتب المتعلقة بتاريخ القدس من مثل كتاب «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» للحنبلي، وكان يشيرإليه بتاريخ الحنبلي ّّ، وفضائلها مثل كتاب «إتحاف الإخص ّّا في فضائل المسجد الأقصى» لإبراهيم السيوطيّّ، وكتب الأحاديث من مثل: «سنن الن ََّسائي ّّ»، و»سنن ابن ماجة»، وبعض التفاسير من مثل: «تفسير البيضاوي» و»تفسير النّّسفيّّ»، وبعض معاجم اللغة من مثل: «معجم المصباح المنير»، كما احتوت الرحلة جمهرة من الأحاديث النبويّّة الصحيحة والضعيفة والموضوعة دون الإشارة إلى درجتها من الص ّّحة، إلى جانب مناقشات فقهية، تعد من العلوم الشرعية، وكان ينقل أقوال معارضية، ومنها مناقشة حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وحسم الخلاف فيه بأن المقصود هو نهي عن الزيارة بقصد الصلاة والتقرّّب. ومنها مناقشته لرأي ابن تيمية وابن القيم اللذين ينكران وجود أثر لقدم الرسول صلّّى الله عليه وسلّّم في صخرة المسجد الأقصى. كما أنه اهتم بالإجازة والتقريظ، ونجد للنابلسي عددا من الإجازات منها: النص النثري، ومنها: المقطوعات الشعرية، التي تقدّّر بإحدى عشرة مقطوعة، وكلّّها إجازات لمشايخ الصوفية، في التصوف أو في العلوم عامة كما في إجازته لأمين الدين أفندي في القدس، ومنها إجازة لمنشد لقصائد صوفية في أحد المجالس. ما يهمني أكثر هو معالجاته ومناقشاته لأسماء الأمكنة التي زارها أو مر بها في القدس وغيرالقدس، وصورة الحياة الشعبية والعامة التي تاهت سطورها بين صفحات الكتاب، إذ يؤخذ على الرحلة أنها صبغت المدينة المقدّّسة صبغة صوفية محضة، غيبت معه الجانب الشعبي وحياة العامة في القدس، ولا تعد إشارته العابرة لحفل زفاف أو مجلس طرب في إحدى المقاهي قادرة على الوفاء بوصف حياة العامة. ويكاد لا يخلو مقطع شعري أو فقرة نثرية في كتاب الرحلة من مصطلح أو رمز أو فكرة صوفية، حتى إن القارئ المتعم ّّق يشعر بالحاجة إلى معجم متخص ّّص باللفظ الصوفي، وأول
المصطلحات الصوفية كان في الاسم الذي أطلقه على هذه الرحلة (الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية)، فالحضرة في الفكر الصوفي تعني الاجتماع الذي يلتقي فيه الشيخ بمريديه، وهي أنواع منها: الحضرة الأسبوعية، أو اليوميّّة للمريدين الذين يرغبون في العلم والدرس وتناقش فيها بعض كتب الفقه والتفسير، وهناك حضرة للذكر والس ّّماع وفيها يقرأ أحد المريدين نصوصا في علوم الشريعة يفسرها الشيخ
85
84
2024 أبريل 294 / العدد
«الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية» للنابلسي* صورة الكتابة الرحلية مطلع القرن الحادي عشر الهجري
Made with FlippingBook flipbook maker