دراسات إماراتية
الحس النقدي للشيخ زايد في قراءته للشعر العربي
فعلاقة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان باللغة العربية الفصحى ًًا وثيقة، على قلة ما بين أيدينا من دلائل، غير أن مشهدا واحد ًًا يكفي أن يثبت إثبات اليقين بأنه - رحمة الله عليه - كان ناقد رصينا على السجية لا الكلفة، فلغته لغة الفطرة لا التصنع بحكم عربيته وانحداره من سلالة عربية صحراوية ذات بلاغة رصينة. ونمثل لنقد الشيخ زايد - رحمه الله - بمقطع مكوّّن من بضع دقائق في حوار عابر عن بيت للمتنبي يقارنه ببيت نبطي طارحا عددا من قضايا تحليل النص، قال - رحمه الله - الشيخ زايد: «مجمل الشعرعربي ّّا كان أم نبطي ّّا فله معنى؛ فالعربي له معناه، والنبطي له معناه، والمغزى واحد، مثله مثل الشعاب التي تهد على مصب وادي، وتصبح الشعبة وادياًً، ويصبح المصب واحداًً. ولو دقق بين العربي والنبطي فالدقة فيه والشطارة تتراوح، فهناك قصيدة عربية تجد فيها دقة مثل قول أبي الطيب المتنبي ولو بجسمــــــــــــــــــــــــي من برتــــــــــــــــــــــــه ولو أصــــــــــــــاب وشاحــــــــــــــــــــــــي ثقـــــــــــــــــــــــــــــــــب لؤلــــــــــــــــــــــــؤة لجــــــــــــــــــــــــــــــــالا ِق قائلاًً: هذا مستحيل أن يكون، ولكن لأجل دقة الشاعر �ِّ ويعل في كلامه وندرته كان الكلام كما جاء على لسان الشاعر. ومثّّل لذلك بقول الشاعر النبطي حيث يقول: ْْلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو حــــــــــــــــــــــــــــــــف طــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرف ثيابــــــــــــــــــــــــــــــــه حــــــــــــــــــــــــــــــــول عظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام بََلََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت روح القلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب تحيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ولــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو سلّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم سلمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت ويعلق قائلا ًً: «فهذا أدق وأبعد عن قول المتنبي في البيت المذكور «بجسمي من برته»؛ لأنه ليس عيسى بن مريم». وتدخل أحد الحضور مستشهدا لبيت الشاعر توبة بن الحمير حيث يقول ولـــــــو أن ليلـــــــــــــــــــــــــــى الأخيليــــــــــــــــــــــــــــــــة سلمــــــــــــــــــــــــــــــــت عــــــــلَّي ودونـــــــــــــــــــــــــــي جنــــــــــــــــــــــــدل وصفائــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح فيرد عليه سموه بقوله: «هذا يقول عن نفسه: لكن ذلك لا يقال عن الميت الذي مات وحيا، لكنه يقال من إنسان حي أنه من ندرة هذا الإنسان وندرة شكله ونوعيته وغرابته بين الناس أنه لو مر على القبر وحفت أطراف ثيابه القبر ولامسته، لانتبه
موزة الكعبي إن المتأمل في الفكر الثقافي لدى - رحمه الله - القائد الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - يتعجب من سعة الأفق وتعدده وعدم إغفاله لأساسيات المجتمع والهوية، فكثيار ما كُُتب عنه - رحمه الله - في مجالات السياسة والحكمة والأخلاقيات والقيم، غير أني لم أجد - بحسب اطلاعي - مقالا مفصلا تحدّّث عن علاقة الشيخ زايد باللغة بوجه عام واللغة الفصحى بوجه خاص، حينها وجدت أن لا بد من البحث الذي لا يحتاج إلى مزيد فكر بقدر ما هو تدبر وجمع أشتات، فإذا بالموضوع متعدد الشعب متنوع النواحي.
روافد للغة وأن لكل منها مكانا باراز في اللغة وكأنه طوى ثنائية دي سوسير بعفوية بدوية فاصلا بين الكلام المستعمل واللغة ليقارن بعدها عن الفوارق الدقيقة بين الأبيات، معترفا بتجانس النوعين الشعر الفصيح والشعر العامي مبينا أن فوارق المعنى ودقة المعنى هي السبب في تغلب أحدهما على الآخر جمالا ًً. يتعدى ذلك إلى الحديث عن نظرية الكذب بالشعر والمبالغة وأثرها في قوة المعنى، فالمقارنة بعين الناقد الذي لا يفتأ أن يقرأ ويمحص في أدبيات الشعروجمالياته بطريقة أدبية بعيدة
ذلك الميت الذي في القبروحيا، ولو سل ََّم عليه لأجاب السلام». . ) 1 ( انتهى التسجيل فلا تكاد تستمع له - رحمه الله - حتى تدرك أن كل كلمة فيها قيلت بعناية، وكل وقفة منه وراءها نظريات نقدية كثر الجدل والإسهاب فيها ليقدمها الشيخ - طيّّب الله ثراه - بكلمات نقدية فطرية ببلاغة ابن الصحراء وإدراكه العربية سجية، إلا أن كلماته - رحمه الله - تحتاج إلى توسع وعودة لجودة ذلك التنظير الجميل من القائد الباني - رحمة الله عليه - لنضعها لِِماما في هيئة نقاط عجلى: ابتداء من حديثه عن الشعرالنبطي والفصيح
89 2024 أبريل 294 / العدد
88
الحس النقدي للشيخ زايد في قراءته للشعر العربي
Made with FlippingBook flipbook maker