torath 294 - Apr - 2024

أثر العابر

دراسات إماراتية

التعقيد عميقة الـتأويل بعين بدوية عربية محضة، ليبين أن المبالغة هي زينة الشعر ضاربا المثل ببيت المتنبي: بِِج ِِسمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي م ََن بََرََتــــــــــــــــــــــــه ف ََلََو أََصــــــــــــــــــــــــارََت وِِشاحــــــــــــــــــــــــي ثََقــــــــــــــــب لُُؤلُُــــــــــــــــــــــــؤََة لََجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالا حيث نص البيت «جسمي فداء المرأة التي بََرََت جسمي وأنحلته، حتى لو جعلت ثََق ْْب لؤلؤة وِِشاحي: أي توش ّّح ْْت بلؤلؤة، لجال جسمي في ثقبها؛ لدقته ونحوله. وجال: فعل الجسم، وفعل الثقب. (شرح أبي العلاء المعري)، ولما استحالت أن تتحقق الصورة وإمعانها في الخيال اعتبا ار جماليا لدى الشيخ زايد - رحمة الله عليه - س ار في نجاح وصول المعنى وتألقه لإقناع المتلقي بمدى المعنى وتضحية المحبوب حتى لو لقي منه ما لقي من السهر والضنى. هذه الإشارات كلها تدل على أن للشيخ الوالد - طي ّّب الله ثراه - خبرة لم نتلقها كاملة في قراءة الشعر العربي، فإمعانه بالنظرة النقدية لا يأتي عبو ار أوصدفة لا سيما أن بيت المتنبي ليس من المشهور جدا كبيت «الخيل والليل والبيداء تعرفني». ليستمر مرجحا ومقارنا - رحمة الله عليه - باعتبار أن المعاني تتفاوت وربما تغل ّّب الفصيح على النبطي أو العكس باعتبار أن الثاني، بيت «لو حف طرف ثيابه»، غلب بيت المتنبي من وجهة نظره معللا بذوقه - رحمه الله - من هيام الوجد والحب بأن طرف ثوب المحبوب لو مر على قبر ميت لأحياه، ليزداد الحوار ثراء حين رد عليه قائلا في مجلسه إن هذا مستقى من بيت ْْتوبة الحميري: ُُولََــــــــــــــــــــــــــــــــو أن ليْْلََــــــــــــــــــــــــــــــــى الأخيََلِِيََّــــــــــــــــــــــــــــــــة سلََّمََـــــــــــــت علــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ََّ، ودُُونِِــــــــــــــــــــــــــــــــي ج ََنْْــــــــد ََل وص ََفََائِِــــــــــــح ََــــــــــــــــــــــــة أو ز ََق ََــــــــــــــــــــــــــــــــا ُُلسََلََّمْْــــــــــــــــت تََسلِِيــــــــــــــــم البََشََاش إليْْهََا صد ًًى مِِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن ج ََانِِــــــــــــــــــــــــب القََبر ص ََائِِح ليوجهه - رحمه الله - بأن بيت توبة يتكلم عن أثر المحبوب في ذاته، ففيه تخصيص غير أن بيت النبط يتحدث عن أثر المحبوب في أي كائن. وهنا تعميم فينبه إلى أهمية الفرق بين البيتين، وأثره في السياق في حوار أدبي شيق، فدقة التحليل للوالد المغفور- رحمه الله - تبين الذات الناقدة والقدرة على تلمس فوارق المعاني وأثرها في إثراء النص، فالفرق بين الحديث عن ميت يحيي بهاء محبوبه أي عظام في قبر على عكس ما ذكره توبة من أن سلام ليلى الأخيلية على محبوبها سيحييه، فالفرق شاسع بين قوة الأثر في مخصوص والأثر في أي كائن من كان.

(الحلم والطريق)

لا يتوقف الإنسان عن السعي في الحياة، وفي طريقه الذي ويذلل عقباتٍٍ، يتأمل طريقه ا � يناضل فيه ويغالب ظروف الطويل الذي يقطعه بين أمل وألم، وهو يرى هدفه في نهاية النضال الطويل، يقترب شيئا فشيئا مع سعيه إليه، ثمة من تفترق خطاهم عن مساراتهم، بعدما يشعرون بثقل المهمة والمسؤولية ومشقة الطريق، فينسحبون إلى عالم بعيد عما أملوه من البداية، متعللين بظروف الحياة وتعقيداتها، وثمة من يقبضون على الجمرفي مسيرهم الطويل نحوحلم يمتلئون به حتى يكادوا لا يرون غيره، وقد امتلؤوا إيمانا ويقيناًً. هل مغريات الحياة وأهدافها الدنيوية والمادية هي ما يشد الإنسان في طريقه الطويل نحو قطعه، أملا في جني مكتسباتها أو مراكمة نِِعمها، وتأمين وفرتها؟ أم إن هناك إيمانا عميقا يملأ قلب الإنسان المتمسك بحلمه ا � خافت ا � خفي ا � وصوت فيستحث همته وروحه لتتحرك باتجاه الطريق ونحو النور؟ إن إنسانا لا يملك حلما لن يقطع طريقا مهما زوّّد نفسه بماديات الحياة التي تعينه على السير، وإن آخر يمتلئ يقينا وإيمانا بهذا الحلم سيصل إليه في النهاية وإن وقف العالم أمامه وس ُُدت مسالك الدنيا بوجهه، الإرادة والإيمان واليقين سبل الوصول، والماديات والإمكانيات وسائل معينة فحسب، لا تشحذ نفسا بالأمل ولا تلقن قلبا إيمانه بالطريق. في طريق الحياة، تتقاطع مسارات البشر وحكايات مسيرهم، وبين البصائر والمصائر مسافة كبيرة هي العمل، الذي إن صحت نيته صح ووجد الطريق للتحقق، وإن قصرت الرؤية ولم تلتق مع الإرادة والاجتهاد وقيم الصبر والإيمان والمثابرة تشتت الطريق وفني المسير. وكم يخطئ الإنسان حين لا يصغي إلى صوت قلبه على مفترقات الحياة حين تتشابه وتكثر وتتقاطع فيشعر بالحيرة: أيها يسلك وأيها يترك؟ ولا سبيل هنا للاهتداء سوى بالإصغاء لصوت القلب، فللقلب عيون ترى النوروتتبعه، ومن لا يتلمس النور في طيات قلبه وأعماقه البعيدة يعش ًًا عمره في ظلمة حالكة ٍٍ. م ََن يتأمل النور حين يغمر الحياة فجر سينتبه إلى أن خيوطه الرقيقة تشق أعتى حلكة للظلام في تسيده الليل، فتتسلل بخفوت وهدوء وإصرار وتنتشر في ًًا المدى على اتساعه، بينما ينسحب الليل، الذي كان مسيطر

حمزة قناوي شاعر وناقد مصري

ومُُحكِِما الإسار على المسافات منذ لحظات، أمام خيوطه الذهبية الهادئة الناعمة التي تحمل الدفء والحياة والضوء والرؤية إلى القلوب والأرواح. إن في نفس كل إنسان منا هذه الثنائية التي نراها في الحياة أمامنا يومياًً: صراع الليل والنهار، الحلكة والنور، الظلام وأشعة الفجر، وهو صراع ٌٌ، أو مواجهة ٌٌ، محسومة للضوء والنور وانبعاثه الفريد الهادئ والواثق من مكامن الدفء وانتشاره في مسارب الحياة. إن قوة الإيمان، والإصرار، اليقين بالنور الذي يملأ النفس ويزود الروح بالعزيمة التي تمنحها القدرة على مواصلة طريق الحياة الصعب وتذليل العقبات، تنبع من أبعد أعماق النفس الإنسانية في إعجازها الفريد حين تؤمن بهدف نبيل وتسعى إلى تحقيقه بكل ما تملك من إرادة وسعي وطموح، فكأنما تُُقيََّض الدنيا بأكملها لخدمة السعي وصولا إلى هذا الهدف، وتحقيقا له، وهو ما يسميه العلماء "قانون الجذب"، والذي يعني التقاء الإيمان الروحي بالفكرة مع الظروف الممهدة لتحققها، إن سلبا ِكة لتوجه البشرفي �ِّ أو إيجابا ًً، اعتمادا على الطاقة النقية الم ُُحر مساراتهم نحو أهدافهم. إن رحلة حياة الإنسان هي بصمته وأثره الذي سيتركه في العالم بعد رحيله، هذه البصمة وهذا الأثر يظلان شاهدين على الإنسان، على أحلامه، وتطلعاته، ومساره الذي ناضل فيه نفسه قبل ظروفه، في إيمانه بالنورالخفي المنبعث من أعماق نفسه البعيدة، وانشداده لصوت اليقين في قلبه، وإيمانه بهذا الحلم، أو انسحابه من معترك رحلته الطويلة باتجاه ما أمله وقد غاب صوت النورعن سمع قلبه، فتشتت الطريق

لقد تطرّّق الشيخ زايد - رحمه الله - لقضية المبالغة في الأدب وتفاوت المعاني والتدرج في الكلام واللغة حسب ثنائية دي سوسير، كما أشار إلى أن تعميم المعنى أقوى وأفخم، وكلها قضايا تطرّّق لها النقاد العرب قديمهم قبل حديثهم. كل ذلك استقيناه من هذه العجالة التي تحصلنا عليها في حوارات جانبية لمجالسه، فكيف لو كان مجلسا شعريا أدبيا خاصا به. حقا تمنيت لو أني أحظى بالعديد من هذه التسجيلات التي بالفعل تظهر لنا الشخصية الناقدة والمتذوقة ذات الفطرة البدوية والسليقة العربية والمدركة للشعر والقضايا النقدية لتكون لنا إرثا نقديا لغويا ث ارًً.. فأي الكنوز سيمتعنا بها القائد الباني - طيّّب الله ثراه - لو وصلنا العديد من حواراته الأدبية الممتعة، رحمة الله عليه أستاذ مساعد في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية الهوامش والمراجع: . فيديو نادر للشيخ، زايد في مجلس نقد أدبي ومفاضلة بين شعراء الفصحى 1 Instagram | والنبط، تحدث عن المتنبي و سعيد بن عتيج الهاملي )youtube.com( . الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله - ومدرسة الشعر

91 2024 أبريل 294 / العدد

90

الحس النقدي للشيخ زايد في قراءته للشعر العربي

Made with FlippingBook flipbook maker