إضاءة
استلهام التراث في الكتابة الإبداعية
ومأساويتها، ولا يمكن التعبير عنها إلا بالبعد الرمزي الساخر. وتبقى الميثولوجيا أداة للتعبير المجازي الذي تتصف به اللغة وروح النص، فهي تستخدم استخداما إشاريا لقضايا أغلبها فكرية ووجودية تتحدى الموروث، ويصعب البوح بها خارج غطاء التمويه، خاصة في المجتمعات المحافظة التي تحفها المحاذير، وسلطة العادات. . كما أن توظيف الأسطورة يمنح الكاتب مساحة حرة من 2 التوقع والاحتمال والإجابة عن التساؤلات الوجودية الحائرة التي تداعب ذهنه، وتلح عليه، ولو على سبيل الفرضيات المتخيلة. للميثولوجيات والرموز الملحمية تأثير سحري على الكاتب، فهي تذهب به إلى عالم البدائيات، والطقوس التي مارسها الإنسان القديم لغرض الاتصال والتواصل، وذلك الأمر له فتنته في التوظيف الإبداعي، وكذلك له سحره ومضمونه القابل للاستلهام. . هناك متعة عميقة، وفضول جامح عند الأدباء للتعرف 3 على تلك الطاقة الملهمة، وذلك الاهتمام الشعبي الذي دفع الإنسان لاكتشاف المعرفة، والبحث عن المصدر والأصل الأول في نشوء الأشياء، وتشكل ظواهرها الفريدة، عن طريق
لولوة المنصوري ما من عنصرمن عناصرالتراث المادي والمعنوي إلا والإبداع فيه مت لجياًً، سواء كان تراثا شفهيا أو يدويا أو طقوسيا أو أدائيا ًً، ك هلا في النهاية نتجت عن عملية خلق وابتكار ونسج وتكيُُّف ووضع حلول ومحاولة الفهم والإجابة على تساؤلات منبثقة من الطبيعة والكون. كل تلك المحاولات والأسئلة والتجريب كانت في النهاية تصب في ينابيع البحث عن الخلود. يسعى الإنسان إلى صنع أثر خاص به كسبيل للبقاء والخوف من الزوال، وبالتالي يبتكر الأشياء التي تُُعزز فيه الأمان والرغبة في البقاء، فإن أمِِن واطمأن سعى بطريقة صعودية نحوالسؤال عن الخلود وبقاء الأثرعبرمرورالأزمنة. ولا شك أن صنع الأثرالخالد قد مر بمراحل عدة عميقة من سيرة التخليد، بدءا بالطقوس، طقس نقش الحلم والحب والموت وخرائط الر ّّوح على الفخار والجدران وأوراق البردي والصخور والكهوف وابتكار الأحاجي أو الخرافات وتداولها شفوياًً، ثم مرحلة استثارة السؤال والعلوم والدراسات من حولها، وانتهاء بمرحلة التفكيك والتشريح والتوثيق والتدوين. إنه أثر يسعى بخلوده إلى تمكين ثقة الدارسين بأهمية رسائل الإنسان الأول، الذي كد واجتهد في المعاناة لأجل أن يخلق ويبتكر أبجدية تمك ّّنه من فهم سيرة البدء ومساحات الرغوة والظلام وغواية الأثير والماء. لماذا نستلهم الموروث؟ ي ُُطرح هذا السؤال بشكل متكرر في الأوساط الأدبية، وبلا شك أن هناك احتمالات عدة للإجابة، ولعلني ومن وحي تجربتي في استلهام التراث في كتاباتي الإبداعية والبحثية، وأعني هنا التراث بشقيه المادي واللامادي، فإنه يمكنني التخمين بأن: . ذهاب الكاتب إلى منطقة الغرائبيات والأساطير، هو ربما 1 من أجل اقتناص ما هو مخالف للظواهر الطبيعية، حتى تتم إزاحته، وتحويره، ومقاربته، وتوظيفه في السرد، حيث إن بعض الأحداث الواقعية تجاوزت حدود المعقول بكارثيتها،
اختلاق حكايات ذات حس روحي تواصلي مع إشارات الطبيعة، ورمزيتها. . محاولة منا للاتساق مع الذاكرة في ظل الحضارة وركب 4 التمدن. فكل مايصير عاج از عن الحضور المادي والواقعي، يتََّقد الحنين اتجاهه كمعادل مانع للنسيان والغياب. (وهذا مايدعوني إلى التساؤل دائماًً: هل المدن والعولمة والحياة المعاصرة الحداثية قادرة على ابتعاث الأساطير مثلا وإعادة إنتاجها وفق مع مايتراوح مع روح العصر؟ بلاشك بأن المهرجانات التراثية كفيلة بإحداث هذه النقلة الإبداعية عبر تقديم التراث بصورة حداثية إبداعية ولو بشكل جزئي غير مباشر. وكذلك يفعل الأدب وتفعل الكتابة الإبداعية التي تعتمد على ركن الموروث في الانطلاق نحو النسج الروائي أو القصصي أو الشعري). . لجوؤنا إلى التراث وبالأخص الرمزي منه / مثل النقوش 5 الصخرية أو العلامات الطقوسية والأيقونية هي حاجة مستترة فينا إلى كل ماهومستتروكامن وم ُُلغ ِِزومجهول وسحري في ظل الحياة الواضحة والمُُباشرة. . (الحنين الإنتاجي)، فكل أنواع الحنين تكمن فيها بواعث 6 الإنتاج، ومنها ما يولّّد إبداعا إنسانيا موازياًً، سواء بالكتابة أو التشكيل أو النحت أو بالعزف الوجداني أو حتى بالرقص، أو بإقامة مهرجانات تراثية عبر إحياء التراث ومناقشته، يحدث كل ذلك بلغة النوستالجيا العميقة والمستترة، ولعل أعمق
الحنين إنتاجا وإبداعا هو ما يسعى إلى تفكيك الحنين نفسه، ويعيد بعث السؤال فيه: (لماذا الماضي؟ لماذا لا نكتفي من جداوله وغدرانه؟ وحتى متى نطوف في دوامته السرمدية؟). (يظن بعضهم أن المجتمعات إذا تقدّّمت وتحضرت فهي تبدأ بأولى مراحل التخلي عن الحنين، وهذا لا يتناسق مع الواقع، لا يمكن أبدا أن نحيا دونما ذاكرة، دون أن تكون لنا مخازن من الماضي الأصيل، تحوي أوراقنا وأشعارنا وأقلامنا ودفاتر تلوين القلب ورسائل الحب الأول وألبوم صور العائلة ولوحة شجرة الأجداد على الجدار الذي كان شاهدا على حراك نبع البيت، حتى لو تعقدت المجتمعات وبالغت في حداثتها، يصير حنين الإنسان إلى ماضيه هو المهرب الأول في ركب التمد ّّن). ختاما .. على مر الزمان كانت الأساطير ح ُُرّّة طليقة تنتقل عبر الحدود وترحل مع أبنائها في الهجرات والأسفار البعيدة، وتنمو وتتطور وتتشعب، يبدو أنها مرتبكة الآن ومتجمدة في حيزقديم وماعاد يتم إنتاجها بل صارت مستهلكة، ولعل الأدب والفنون والمجال الإبداعي الح ُُرهي أحد سبل تحريك التراث والأساطيروالخرافات وإعادة إنتاجها عبرالتوظيف والاستلهام أوالتصادم الحميم مع مساراتها والاشتباك بما هو قابع ضمن حيز التقديس، ومأخوذ على أنه من المسلّّمات التي لا يمكن النقاش حولها أو تفكيكها أو تحويرها باحثة وروائية إماراتية
99
98
2024 أبريل 294 / العدد
استلهام التراث في الكتابة الإبداعية
Made with FlippingBook flipbook maker