torath 301- Nov - 2024

إضاءة

التآكل الأخلاقي

ظهر الوعي في حياة الإنسان الأول، وبدأ الإدراك يؤطر منذ علاقته مع الموجودات من حوله وخاصة مع أفراد البشر الآخرين بدأ تكوين منظومة القيم التي بُُني عليها مجموعة المبادئ والأخلاق التي حكمت علاقات البشربعضهم مع بعض في حدود المجتمعات التي ينتمون إليها، ومع التطور تشابكت المجتمعات البشرية، وتأثرت تلك المنظومة بهذا التماس بين المجتمعات المتباينة، فتغير وتبدل الكثير من مفرداتها. ومع ظهورالأديان ف ُُرضت منظومة قيم تشبثت بالقداسة، وأصبحت عصية على التغيير، وتباطأت حركة التغييرإلى حد كبير، حتى وصلنا إلى العصر الحديث، ففردت العولمة شراعها، وأسهمت وسائل الاتصالات الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي في الاشتباك بين المفاهيم والمنظومات القيمية في مختلف الثقافات، ويعيش العالم حاليا صراعا ثقافيا قيمياًً، وأصبحنا على وشك الدخول إلى نفق الصراع بين القيم والأخلاق والسلوكيات التقليدية ونظريتها الحداثية، دون أن نمتلك رؤية واضحة كيف سنخرج منه. كانت منظومة القيم الإنسانية تحتوي على مجموعة من القيم الأساسية، مثل: العدل، والأمانة، والمسؤولية، والنجدة، ٍ كبير �ٍّ والإغاثة، والتعاطف وغيرها التي كانت وما زالت إلى حد المرتكز الرئيسي للمجتمعات البشرية كافة في بناء منظوماتها القيمية، ولكنا شهدنا في السنوات الأخيرة تفشي مجموعة من القيم والمبادئ التي كانت قديما هامشية وغير مؤثرة في وعي المجتمعات، وبدأت تتضخم وتستحوذ على مكانة كبيرة من حيز الوعي الإنساني مثل الجندرية والفردانية وحقوق الإنسان، وصارت قضايا رئيسية في الحركة الثقافية للعالم كله، وأسهمت شبكات التواصل الاجتماعي بنسبة كبيرة في هذا التحول الذي كان تحوّّلا بطيئا مع بداية القرن العشرين، لكن في العشرين عاما الأخيرة نرى بصورة واضحة تسارعا في هذه التحولات، وصارت هذه القضايا القيمية صاحبة أثر كبير في الوعي الجمعي للبشرية، واحتلت الصدارة في بعض المجتمعات وكأنها تعطي الضوء الأخضر لبداية حدوث التآكل الأخلاقي وما تبع ذلك من آليات إبادة ناعمة للثقافات تضعنا ٍ كبير، ونتساءل هل يمكن أن تتغير القيم الإنسانية، �ٍّ أمام تحد

شريف مصطفى محمد صحفي مصري

وتتآكل المنظومة الأخلاقية التقليدية؟ إن المتابع لسياق التحولات الثقافية في مفاهيم وثقافات المجتمع الغربي سيجد أنه منذ بدأ عصر النهضة في منتصف القرن السادس عشر تقريبا حدثت تحو ّّلات في منظومة القيم بصورة ظلت بعيدة عن العمق حتى القرن العشرين، الذي تزايدت معه وتيرة التحول ومع نشوء الحركات المجتمعية والفكرية، مثل: النسوية والفردانية وحركات المناهضة للتميز بأنواعه كلها وحركات حقوق الإنسان وحقوق الأقليات أحدثت تلك الحركات وغيرها تحوّّلات كبيرة في منظومة القيم والأخلاق داخل المجتمع الأوروبي والسنوات الأخيرة زادت وتيرة

تلك التحولات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تراجعت المعايير الأخلاقية التقليدية لصالح منظومة جديدة أكثر انفتاحاًً؟ أم إن الغرب يعيش أزمة أخلاقية فعلية؟ يعتقد بعضهم أن القيم التقليدية التي كانت تحكم المجتمعات الغربية بدأت تتآكل لصالح قيم جديدة تتمحور حول الحرية الفردية بصورة أكبر، فعلى سبيل المثال، المفاهيم حول الأسرة والزواج شهدت تحولات جذرية، وأصبح النقاش حول حقوق الفرد وخصوصيته يتصدرالمشهد. إن ما يحدث حاليا في المجتمع الغربي يمكن أن نصفه بالتآكل الأخلاقي حيث بدأت القيم التقليدية والقديمة تفقد زخمها وقدرتها في التأثير وبناء الوعي والشخصية أمام ارتفاع زخم القيم الحداثية وأمام قناعة راسخة بحتمية التغيّّـر القيمي، فعلى مدارالتاريخ البشري هناك العديد من القيم والسلوكيات التي تحوّّلت وتغيّّرت الرؤية الأخلاقية، ومنها على سبيل المثال العبودية. هذا التغيّّر القيمي انعكس بشكل واضح على بنية المجتمع التقليدي، وخاصة في مؤسسات مثل الأسرة والتعليم. على سبيل المثال، نجد اليوم أن العديد من الشباب يبدي رفضا للأنماط القيمية التي كانت سائدة في المجتمعات التقليدية. السؤال الذي يلح علينا ونخشى من إجابته أين نحن في مجتمعاتنا العربية من هذا التآكل الأخلاقي والتغير القيمي؟ الواقع يرصد أننا عبرنا عتبة هذا التآكل، وصرنا جزءا من حركته التي بدأت تُُحدث تغي اّّر في منظومة القيم لمجتمعاتنا،

وبدأت الفردانية يعلو صوتها في ثقافتنا والقضية ليست في وجودها والتوجه الثقافي لها، القضية في أزمتنا الثقافية العميقة وهي أننا مقلدون لا منتجون. فحين تعلومدرسة فكرية أو ثقافية أو اجتماعية، وتنتقل إلى ثقافتنا نبدأ في تقليدها، وليس إعادة إنتاجها؛ لأن وعينا مشوش وغيرقادرعلى استيعاب أهمية الفروق الثقافية والتاريخية، وأن كل منتج قيمي أو أخلاقي أو فكري أو حتى إبداعي ظهرفي مجتمع مختلف، ونجح ليس بالضرورة قابلا للنجاح في ثقافة مغايرة. لا بد أن يعاد إنتاج تلك المفاهيم بما يتماهى مع الفروق الثقافية بيننا وبين مجتمعات المنشأ. وستظل هذه الأزمة قائمة حتى نستطيع بناء أجيال بعقول ناقدة حقيقية واعية بآليات التفكيك الفكري وإعادة تكوين المفاهيم وتماهيها مع موروثنا الثقافي والأخلاقي. مما قد يحمي العديد من القيم الأخلاقية الأساسية من التآكل ًًا وفي السطر قبل الأخير ندرك أن تساؤلا يلح علينا يظل حائر بين عقول المفكرين، وهو مع استمرار التغيّّرات السريعة في التكنولوجيا والقيم، ما هومستقبل البشرية وهل ستظل القيم الإنسانية التقليدية قادرة على التكيّّـف مع هذه التغيّّـرات؟ أم إن البشرية تتجه نحو نموذج قيمي جديد كلياًً؟ في النهاية يمكنني القول إن هذه المرحلة التحولية هي فرصة للبشرية لإعادة التفكير في القيم التي تحكم حياتنا وكيفية تطويرها لتناسب العصر الحالي مع الحفاظ على المبادئ الأساسية التي لطالما كانت حجر الزاوية في بناء الحضارات الإنسانية عبر التاريخ

103 2024 نوفمبر 301 / العدد

102 التآكل الأخلاقي

Made with FlippingBook - PDF hosting