ملامح الماضي
تراث ينبض بالحب «مقهى منور»:
أزمان قديمة غيبها النسيان، وللمقاهي وجود وتواجد، فقد نتذكر مكانها وإشراقها وذكرياتنا فيها. وعلى الرغم من ذلك فإن إمارة رأس الخيمة - وكبقية الإمارات - عرفت المقاهي منذ زمن طويل، وهي اليوم تضم العديد من المقاهي التي تستقبل الزوار برحابة صدر وتقدير، ومن هذه المقاهي «مقهى من ّّور» الذي يعد من أقدم المقاهي في هذه الإمارة، فهو يشبه شجرة سامقة وارفة الظلال، وهو شاهد على الأزمنة ومعاصر لشخصيات لا تعد ولا تحصى، منهم انتقل إلى رحمة الله تعالى، ومنهم مازال حيا - أطال الله بعمره - مازال يسرد ويتذكر ويحلم. يشيرالأستاذ عبد الله كندرإلى أن «مقهى منور» تأسس منذ أربعينيات القرن الماضي على يد الشيخ سالم بن سلطان، . ومنذ ذلك ) 1 ( وكان اسم المقهى آنذاك «مقهى أم شرباك» التاريخ والمقهى مازال يعزف على وترالاستقبال والحياة والفرح. سيرة ومسيرة بعد عمل المرحوم السيد عباس عبد الله فيه لفترة وجيزة آلت ملكية المقهى إلى السيد أحمد عبد الرحيم كندر - رحمه الله - ولم يمض زمن طويل حتى انتقلت ملكيته إلى شقيقه محمد عبد الرحيم كندر- رحمه الله - ولايزال أبناء محمد عبد الرحيم يديرون هذا المقهى المعمر، والذي يصر على البقاء والاستمرار . ) 2 ( بفعل هؤلاء الأبناء
هيثم يحيى الخواجة للمقاهي عبر التاريخ دور اجتماعي واقتصادي وسياسي، ولها عبر التاريخ وجه ولون وعراقة، فهي شاهد على عصر، بل عصور، ففيها تبلق المسامرات، وتلبس الحكايات ثوب الزفاف، وفيها يضاء على فكرة ويُُسرد تاريخ، وفيها يتناقل سا الأخبار ويرددون القصص والأساطير وأفعال الجن ّل الجا والإنسان.. فيها تعقد الصفقات، وتنتهي الخلافات، وقد تبدأ أيضا ًً. تعشش الأحلام والآمال في أركانها، وتبسم الذكريات في أنحائها.. أناس يمضون وآخرون يقبلون، ولكن الذكريات لا تغادر المكان، فهي لاتني تجدد الذكريات وتفتح صدرها لاستقبال من أراد أن يفتح دفاترها. أما الراوي الذي زين فوديه البياض، واشتعل رأسه شيباًً، فما زال يقلب الأوراق الصفراء من كتاب ألف ليلة وليلة أو كتاب عنترة بن شداد أو كتاب سيف بن ذي يزن،... إلخ، ليروي منها لرواد المقهى قصص البطولة والشهامة والإباء. لا شيء سوى صوت النادل، ولا شيء سوى تبادل الابتسامات البريئة وتحيات الود والتقدير، لكأن حركة الحياة - بمختلف أنواعها - تجد مستقار لها في هذا المكان. للمقاهي عراقة وتاريخ مديد، بعضها نعرف تاريخ انطلاقته، وبعضها طويت صفحاته في
في عروق الزمن ونبضه اشتهر المقهى باسم «مقهى منور»، وقد قدم جواز سفره واثقا من نفسه لكي ينتسب إلى تراث دولة الإمارات العربية المتحدة عامة، وإلى إمارة رأس الخيمة خاصة، وقد قُُبل طلبه على الفور، باعتباره معلما مني ار ومتمي از في الإمارة، فهو مركز للقاء الأصدقاء بمختلف الأعمار والتوجهات، فهو واحة للتعبير عن الفرح والخلاص من العزلة وهو مشجع على الأمل والتفاؤل ومكان للترويح عن النفس، وكم صفقة عقدت فيه! وكم حكاية رأت النور في أنحائه! وكم حفيد أنصت لجده وهو
يتفرس في تجاعيد وجهه وعروق يديه لكي يقتبس من حكمته الكثير الكثير. في المقهى سر عظيم فقوادمه الحب والود، وخوافيه الشعور بالسعادة والفرح والسرور، فالأقارب يلتقون، وأبناء الحي والمدينة يجتمعون، ورفاق الدرب ينثرون عبير تطلعاتهم، فيجعلون المقهى منتدى اجتماعيا وسياسيا واقتصادياًً، ويمكن أن نقول: هو أشبه بالبرلمان الذي يميزه.. حركة الزوار تشك ّّل نبض المقهى وحيويته وأصواتهم تصوغ سمفونية متفردة، هناك ضحك، وهناك همس، وهناك اعتراض، وهناك إشارات وتلميحات، وهناك أمل ووعد وانتظار، وهناك ... وعلى الرغم من كل ذلك فإن التعبيرعن حب الوطن والافتخاربالمنجزات، س المقهى الذين ا والشعوربعطره وعبيره هوعنوان عريض لجل ّا يعتزون بوطنهم وبالحديث عن منجزاته وعطاءاته. المهم هو أن المقهى محطة انطلاق للعمل والزيارات والتسوق والحوار وغير ذلك. واحة ليس «مقهى منّّور» مكان لتجاذب أطراف الحديث فقط، بل هو مكان للاستمتاع بالمشروبات المتنوعة، وخاصة الشاي المعتق الذي يريح النفس ويسعد القلب، وهو المكان الملائم لممارسة بعض الألعاب الشعبية المعروفة في الإمارات أيضاًً،
121
120
2024 نوفمبر 301 / العدد
«مقهى منور»: تراث ينبض بالحب
Made with FlippingBook - PDF hosting