حوار خاص
هناك عدد من الكتب التي كتبها جيل من الآباء من أهل الإمارات وهي تبحث في تاريخ الإمارات. وقد حققتها جميعاًً. وأخص بالذكر كتاب (الحوليات في تاريخ الإمارات) للمرحوم (يوسف محمود الشريف) من أهالي رأس الخيمة وكتاب (الفوائد في تاريخ الإمارات والأوابد) للمرحوم الشيخ (محمد سعيد غباش)، علاوة على مؤلفات المرحوم (عبد الله بن صالح المطوع)، وهناك كتب غيرها حققتها أيضا وهؤلاء جميعا كتبوا تاريخا سياسياًً، على شكل حوليات سنوية وأحيانا شهرية بشكل مختصر، وتطرقوا بشكل مستعجل إلى بعض الأخبار والأنساب والأحساب. من طبع هذه الكتب ومن نشرها وأين نجدها؟ • باستثناء كتب المرحوم الشيخ محمد بن سعيد بن غباش التي قامت مؤسسة العويس بطبعها ونشرها، قمت شخصيا بطباعة ونشرباقي الأعمال خدمة لتاريخ الإمارات وتراثها. وكنت أتمنى أن تتولى المؤسسات المعنية بتاريخ الإمارات وتراثها هذه المهمة، تكريما لجيل الآباء الذين كتبوا وألفوا في ظروف اقتصادية صعبة للغاية. وبذلك فإنهم فخر للعلم والثقافة من جيل الأقدمين، لكن ومع مزيد الأسف لم تقم تلك المؤسسات بهذه المهمة. أما الرواية الثقافية التي سمعتها من كبار السن من أهل الإمارات، فهي جيدة عموما لكن هذا الجيل يتكلم في الغالب عن أيام وسنوات قريبة، كانت في الغالب سنوات معاناة كثيرة وشظف العيش، لأن لا أحد منهم يعرف تاريخ (جلفار) أقدم مدينة ورد ذكرها في كتب التاريخ وهي في رأس الخيمة أو يعرف شيئا عن تفاصيل الحرب القاسمية من جند ًًا م، ورغم ذلك فهم مصدرغني جد 1820 الإنجليزومعاهدة عام في الأبحاث التراثية. ماذا قدمت من دراسات حول التراث؟ • كنت أول من جمع شوارد الشعر (الن ََب ََطي) أي المحكي باللهجة العامية، وأصدرتها على شكل دواوين شعرية، وشرحت ما غمض من كلماتها ومعانيها، ثم ألحقتها بدراسة كاملة عن شعر (ابن ظاهر) وأصدرته بكتاب تحت عنوان (أمير الشعراء) ولو أصدرته اليوم لغيرت العنوان إلى (فيلسوف الإمارات). هو أمير الشعراء لأنه على الرغم من قلّّة قصائده، لكنها تفيض بلغة رصينة، جمعت بين العامية والفصحى بشكل يثير الكثير من العجب والدهشة لما يتمتع به من ملكة لغوية غنية. أما كونه (فيلسوف الإمارات) فهو أول من غلبت على شعره الحكمة والموعظة والدعوة إلى العمل الصالح وجعل الحياة
الدنيا مسيرة صالحة للآخرة التي هي نهاية المطاف. وهناك كتابي المعنون (جامع الأمثال ومأثور الأقوال والكنايات عند أهل الإمارات) أيضاًً، وهو بحث عميق في الثقافة الشعبية والفكروجملة الآراء التي عب ّّـرالشعب بواسطتها عن م ُُث ُُله وق ِِيمه وبيئتهِِ. وقد قمت بتصنيف الأمثال حسب بنية المثل ودلالاته الاجتماعية لكي تعم الفائدة منه. لقد كتبت في مجالي التاريخ والتراث... فما الفرق بينهما؟ • يجب في البداية أن نؤكد أن التاريخ والتراث مادتان صنّّوان فلا يمكن أن نتحدث عن أحدهما من دون التطرق إلى الآخر. ذلك أن التراث هو التاريخ الحي الذي يعيش بيننا، أما التاريخ فهو الأحداث والوقائع التي وقعت في الماضي وانتهت. وبذلك فإن التراث في مجمله هو الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني، وهو العقيدة والعقل والذهنية المتأنية من السلف الصالح ويبقى حاض ار فينا ومعنا. ولكنه قد ينقلب إلى تاريخ أيضا وهو تأكيد قولي: إن التراث والتاريخ صنوان لا يمكن الحديث عن أحدهما من دون التطرق إلى الآخر. خذ مثلا على ذلك، عالم الغوص والبحث عن اللؤلؤ، فإن ذلك العالم كان المحور الذي دارت عليه مجتمعات أهل الإمارات والخليج العربي لقرون عدة، فأين ذلك الموروث العظيم هذا اليوم؟ بل أين هو الطب الشعبي. وهل يعقل أن مريضا يعالج بالكي علاوة على بعض المأثورات الشعبية التي
إنني اليوم في التسعين من العمر، وأبتهل إلى العلي القدير أن يمنحني القوة والعمر. ما يمكّّنني من تأليف آخر كتاب لي. وسيكون بعنوان (دولة المشيخة) وأقصد به الإمارات قبل اتحادها وهو بحث ليس سياسيا بمفهوم السياسة كلّّها، وكذلك ليس تراثيا بمفهوم التراث كُُلّّهُُ، بقدر ما هو كتاب في علم الاجتماع. أي الواقع الاجتماعي، وبعبارة أخرى روح الجماعة، وهذا يشمل تركيبة حكومة المشيخة وكذلك تركيبة هرم المشيخة الاجتماعي، أي مكونات البناء الداخلي ونسيج العلاقات الاجتماعية وسوف أركز على أحوال الناس، وخاصة العقائد والمعتقدات والأفكار، وأهل العلم ومنزلتهم الاجتماعية والظروف التي كانت تحيط بهم. حدثنا عن الجوائز التي نلتها نتيجة لأبحاثك؟ • ما يهمني ويشعرني بالعزة والفخر، هما جائزتان. فالعبرة ليست بالصورة والمحتوى وعدد الجوائز، إنما العبرة تكمن في التأثير النفسي والعقلي الذي انتابني من الجائزتين والذي استمر إلى يومنا هذا: الأولى لقائي مع سيدي صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وكان ذلك يوم نيلي وسام م، فقد شد سموه على 2014 أبوظبي للخدمات المتميزة عام يدي وقال لي (إنك مثل الوالد)، وفي هذا كفاية في الفخر والعزة والكرامة، أن يصنفني سموه بأنني بمنزلة والده العظيم أما الجائزة الثانية، فهي ثقة المواطنين من أبناء الجيل الأول وكذلك أبناء الجيل الحديث. ثقتهم بما أكتبه وأنشره وأتحدث عنه في عشرات اللقاءات والدعوات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية. هذه الثقة هي بالنسبة لي تمثل نبراس العزة والفخر والكرامة التي أشعر بها في يومنا الذي نعيشه الآن في هذا البلد الكريم المعطاء
راح الناس ينظرون إليها على أنها تجارب الأقدمين البسيطة، ولكنها تبقى التراث المستمد من الدين والأخلاق العامة والعادات والتقاليد والأزياء والشعر (النََبََطي) العامي، والأمثال الشعبية والحكم والكنايات والأقوال المأثورة. باقية لا تزول. صدر لك مؤخ ار كتاب بعنوان «أبراج الحكمة الثلاثة»... • ما مضمون الكتاب؟ وما المقصود بالأبراج الثلاثة؟ الكتاب عبارة عن أبحاث استشرافية في رسم صورة للتراث والشعر والأدب والتاريخ الاجتماعي، ومراحل التطور مع ظواهر العمران والتنمية والحضارة، وهي ذكريات مختلفة بين من يتداولها ويتناقلها منذ أكثر من نصف قرن في دولة الإمارات العربية المتحدة. والغرض منه هو نشر الثقافة وتعميمها في الإمارات وتتبع مسارها الفكري، ثم انسجامها مع الثقافة الحديثة، بحيث يصبح الكتاب مادة من مواد علم الاجتماع مرتبة وفقا للزمان والحوادث. أما أبراج الحكمة الثلاثة، فهي أنني في هذا البلد الكريم، شاهدت قيام مئات الأبراج الهندسية المعمارية البنائية، ومنها أعلى برج في العالم لكن ما شدني أكثر هو ثلاثة أبراج معنوية تقوم عليها قاعدة الحكمة التي هي... بالعقل والصواب. إنها حكمة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - في بناء الدولة يوم لم تكن هناك دولة عندما وصلت إلى الإمارات، وهي حكمته أيضا في بناء الأمة يوم لم يكن هناك اتحاد يُُجمع شمل إمارات تعيش على هامش التاريخ، وحكمته في بناء العقل الجديد لإنسان الإمارات الجديد الذي حََرََّك قواه الكامنة وعقله المتفوق. إنها فلسفة إنسانية في تبدل الأحوال والأجيال في الأمم. وماذا بيدك الآن من كُُتُُب تنوي تأليفها؟ •
127
126
2024 نوفمبر 301 / العدد
فالح زكي حنظل: شيخ المؤرخين
Made with FlippingBook - PDF hosting