تكامل التراث الإماراتي في النظام التعليمي
الأثر الحضاري لتضمين التراث الثقافي في المناهج التعليمية
وتزداد أهمية هذا التوازن حين نتحدث عن عوامل تحقيقه في المناهج التعليمية، بشكل يضمن صياغة مبكرة لفكر الطالب وتنشئته على الاهتمام بالتحصيل العلمي المقرون باكتساب القيم الإيجابية التي تنتمي إلى حضارته، وبناء شخصيته وفق مقومات وركائزثقافية راسخة تأتي في إطارتربوي، وتستند إلى استراتيجيات تدريسية تتكامل مع الجهود الأسرية والمؤسسية في بناء العقول وتوجيه السلوك، وتقويم المفاهيم، ومن ثم فإن تضمين التراث الثقافي، بمفرداته ومصادره، في المناهج الدراسية، يؤدي دوار مجتمعيا وحضاريا مهمّّاًً، يمكن أن تُُحدد أبرز مواطنه في التالي: - تمكين المقومات الضامنة للحفاظ على الهوية الثقافية: فثمة مقومات أساسية تتشكل معها ملامح الهوية التي تميز مجتمعا عن آخر، وتكو ّّن أبرزالسمات الجامعة بين من ينتمون
عـــادل نيــل في هذا العالم المتغير الذي تتسارع فيه مظاهر عديدة من التحوّّلات العميقة التي تمس، في بعض جوانبها السلبية، ثوابت وقيما ومفاهيم ترتبط ارتباطا وثيقا بمقومات الهويات الراسخة في حياة الشعوب، تأتي أهمية تعميق الوعي بقيمة التراث الثقافي في مواجهة الأثر السلبي لتلك التحولات، لتكون جزءا من مواجهة التحديات، وأداة لها أثرها المشترك في كيفية التفاعل الواعي مع الواقع دون أن تهتز الثوابت، أو تتصدع القيم، أو تتغير المفاهيم. ومن بين روافد التنشئة التربوية والقيمية وسبل تعميق الوعي المجتمعي، يشكل الاهتمام بتضمين التراث الثقافي في المناهج التدريسية، على اختلاف المراحل التعليمية، جانبا مهمّّا وجوهريا في بناء النشء وغرس المبادئ الرفيعة والقيم الراسخة والتقاليد السوية التي تبني وتنم ّّي وتطور شخصيته، سواء في علاقته مع ذاته أو في تفاعله الحياتي مع م ََن حوله، على مستوى مجتمعه الوطني أو مجتمعه الإنساني، ومن ثم فدراسة التراث الثقافي إحدى ركائز التنشئة التي ي ُُعتمد عليها في ترسيخ المنظومة القيمية التي تحرص الدول على تعزيز وجودها في بنيتها المجتمعية، اعتمادا على أهمية التعليم الذي يعد عاملا أساسيا للتقدم، ومتكأ راسخا للتطور. إن تدريس التراث الثقافي ليس ترفا معرفيا أو نشاطا ترفيهياًً، وإنما فوق أنه تكوين علمي ومعرفي يتكامل مع العلوم التطبيقية التي يتحصل عليها الطالب في مراحله التعليمية المختلفة، هو أداة تشكيل الوجدان والفكر، إذ لا يمكن أن تُُبنى نهضات مستدامة على قوى التنمية الاقتصادية أو الصناعية دون أن تعمد إلى بناء الإنسان وإذكاء جوانب روحية تضمن الحفاظ على أخلاقيات هذا التقدم، والتوازن بين الجانبين المادي والمعنوي في مسيرة حضارة الإنسان.
للماضي، وإنما يربط ماضي المجتمع بحاضره، واللذين يشكلان معا منطلقا إلى صياغة المستقبل في موقف الأفراد من تاريخهم وثوابتهم، فواقع الشعوب وتطلعات تطورها لا ينبت ّّان عن الماضي، فالمواكبة لا تعني التنكرللماضي، والتطور المتنامي في بناء الحضارة المعاصرة لا يتنافى مع الحفاظ على مقومات الأصالة وجوهرها الكامن في مفردات التراث الثقافي يبدأ - إعلاء القيم العليا التي يحتفظ بها التراث الثقافي: النشء مع أسرهم في اكتساب قيمهم التي تشكّّل جزءا من
إلى تلك الهوية، «وتتمثل في: الوعي الديني واللغة القومية والتاريخ ، ) 1 ( والجغرافيا والعادات والتقاليد والقيم والفنون والأيديولوجيا» وهذه المقومات ليست مجرد مفاهيم معنوية، وإنما هي منظومة يصطلح عليها أبناء المجتمع الواحد، تشكل معها دوافع ذاتية لتوجيه السلوك، وتبنّّي الأفكار المستقيمة، والالتزام بالنظام الاجتماعي الذي يشكل حركة أفراد المجتمع، ومن ثم فإن هذا التراث الثقافي «يؤمّّن الأسس للهوية الوطنية، ويكون مرجعا . وتأسيسا على ) 2 ( للذاكرة والروح لإيجاد توازن مع نوعية الحياة» ذلك، فإن تنشئة الطالب على مقومات هذا الإرث والاعتزازبه، ستسهم بوجه ما في تعزيزانتمائه لكل ما يشك ّّل هويته، ويعزز لديه انضباطا في الفكر، والتزاما في السلوك وفق المفاهيم المنضبطة التي تقرها ثقافته، وتسهم كذلك في مواجهة مظاهر الانسلاخ والتنكر لخصوصية تلك الثقافة، الذي يأتي مع الانفتاح على ثقافات تختلف في خصائصها وسماتها ومرجعيتها، إلى حد التباين والتصادم، مع مفردات الثقافة المجتمعية ومقوماتها الأساسية المستقرة. ومن جانب آخر، تُُبرز دراسة التراث الثقافي معها الامتداد الحضاري للمجتمع، وأصالة تكونيه القيمي حين يتطلع إلى بناء مستقبله، ولذلك لا يمثل التراث الثقافي مجرد استدعاء
17
16
2024 نوفمبر 301 / العدد
الأثر الحضاري لتضمين التراث الثقافي في المناهج التعليمية
Made with FlippingBook - PDF hosting