تكامل التراث الإماراتي في النظام التعليمي
ملامح مجتمعهم خارج محيط هذه الأسرة، فيدركون أنه واحد من تلك الجماعة التي يجمعها نسق قيمي، ويصبح الانتماء لهذا النسق إطاار جامعا يقتضي الوفاء له ولسيادة سلطته الاجتماعية، «ذلك لأن القيم هي عقد اجتماعي غير مسطور بين أبناء المجتمع، عقد حاكم للسلوك والفكروفق مقتضيات عصر، واتساقا مع بنية فكرية أشمل وفا ًء لتصورحضاري يرى ؛ ومن ثم حين يكتسب الطلاب ) 3 ( فيه الناس مقومات حياتهم» محتوى تربويا يختزن معه إرثا كبيار من السمات الحضارية للشخصية العربية كالجود، وإغاثة الملهوف، ومناصرة الحق، وإعلاء شيم الفضيلة، إنما يكتسبون القيم العليا لمقومات حضارتهم، التي يلتزمون فيها بمقتضيات ذلك العقد الاجتماعي الذي يحكم سلوك أبناء مجتمعهم، ويحول دون تشرذم الجماعة وتشتتها حين تخرج عن ذلك النسق، «فإذا انحل رباط القيم انهارت العزائم، وانفسخ عقد الاجتماع، واتجهت الطاقات إلى مسارب فردية بعيدا عن مصبّّها المجتمعي الصحيح، وتبددت . ) 4 ( معالم الحضارة» ومن وجه آخر، ترسم هذه القيم العليا صورة واضحة الملامح عن حضارة الشخصية العربية في الإطار العام لخصائصها التاريخية والإنسانية، فالتسامح والمحبة والتآخي والتعايش الإنساني، وغيرها من القيم التي تدعو إليها الثوابت الثقافية الراسخة في المجتمع، تتشبع بها النفس، ويتقوّّم بها السلوك، وتتعمّّق في تشكيل الشخصية لتكون سمتا ممياز لها، ليس على المستوى الفردي فحسب، وإنما على المستوى الجمعي أيضاًً، لترسم هذه القيم في النهاية صورة ذهنية عن الشخصية العربية أمام الآخر، وبذلك يكون الفرد، حين يمتثل لقيم إرثه الثقافي، مثاًلا أخلاقيا يعكس ما تقوم عليه حضارته العربية من ثوابت وقيم إنسانية رفيعة. - الوحدة القومية التي تؤطرها الثقافة العربية المشتركة: تجتمع الحضارة العربية في خصائصها على الكثيرمن السمات، فالقوميات الفرعية تلتقي في العديد من الأطر الثقافية، سواء في العلوم والمعارف العربية المشتركة أو حتى في الخصائص الإبداعية لكثير من بيئاتها الأدبية، وفي مقدمتها الشعر، أو حتى في الكثيرمن خصائص الثقافة الشعبية، فكم من أمثال شعبية في قُُط ْْر عربي تلتقي في معناها وبعض مفرداتها مع أقطار وبيئات عربية أخرى، «إذ إن التراث الشعبي العربي هو تراث واحد، تبرزمن خلاله وبشكل واضح وحدة الشعب العربي، ، ) 5 ( علينا أن نستشف من خلاله تكويناتنا الحضارية الواحدة»
فثمة طابع قومي يتشكل في خيط دقيق جامع بين مختلف الأقطار العربية، يعكس معه أصالة حضارية. وتأسيسا على ذلك، تأتي أهمية دور التراث الثقافي في تعميق الوحدة القومية، وإنشاء ما يمكن أن نعتبره عاملا من عوامل الترابط والتماسك التي توفرها تلك الأداة المشتركة التي يكتسبها النشء منذ مراحله التعليمية الأولى. - تحصين الشخصية الثقافية القومية من عوامل الشتات فرفع الوعي بقيمة الحضارة العربية وأصالتها أمام ما والتيه: قد يصاب به النشء من الانبهار بالحضارة الغربية المادية التي قد تتركه فريسة الشعوربالعجزالحضاري، يشك ّّل سياجا حاميا من الشعور بالعجز والاستلاب، فلدى الثقافة العربية ما يُُعتز به من رصيد حضاري، يتكامل مع غيره من حضارات وثقافات الشعوب والأمم، ويدعونا إلى أن نستنهض مكامن القوة في هذا الإرث لنبني عليه؛ ومن ثم تأتي أهمية الوعي بالأهمية الثقافية لتضمين التراث في المنظومة التعليمية «من أجل بناء نهضة حقيقية تسهم في إيقاظ مجتمعاتنا من غفلة التقليد الأعمى لثقافات الغرب دون الحفاظ على هويتنا العربية وتراثنا الأصيل، ولعل ذلك بدوره يتطلب التأكيد على ضرورة التكيّّـف مع التغيرات العالمية على المستويات كافة وفي المجالات كافة، ولعب دور إيجابي فيها، مع أهمية الحفاظ على التقاليد والأعراف الخاصة المميزة لمجتمعاتنا ، إذ مع أهمية هذا الالتزام بالحفاظ على ثقافتنا، ) 6 ( العربية» والانتماء إلى جذورها الراسخة في عمق التاريخ الإنساني، باعتبارذلك أولوية تربوية ومجتمعية وحضارية، لا بد أن تكون ثمة استجابة واعية لمقتضيات التفاعل والمثاقفة المنضبطة،
والتواصل مع اتجاهات ثقافة العصرالتي ي ُُختارمنها ما يتناسب مع خصوصية الثقافة العربية ومرجعيتها. - تعميق الوعي بأهمية التكامل بين الثقافات الإنسانية: فمع الخصوصية التي تكتسبها كل ثقافة بمرجعيتها، هناك قواسم مشتركة تجمع بين العديد من المشارب الثقافية، ًًا وهذا التنوع يخلق تجانسا وتقاربا إنسانياًً، لتكون الثقافة جزء من بناء الجسور بين الشعوب، فالثقافة المحلية والاهتمام بها دعوة للانفتاح على الثقافات الأخرى للبحث عن الصلات الجامعة بينها، وبناء تصور واع عن مفهوم الحضارة الإنسانية التي تتثاقف بين بعضها بعضا بروافدها الإبداعية والفكرية، وتضيف عبر تاريخ البشرية تراكما متنوعا ومتكاملا في الوقت ذاته، فالأمم على مدار تاريخها ترفد تلك الثقافة الإنسانية بما تقدمه لحضارتها الخاصة. لذلك، فإن أثر الأمم والشعوب في المثاقفة وتعميق الوعي بأهمية التكامل بين الثقافات
الإنسانية، هوأحد معاييرالقيم الحضارية لتلك الأمم، إذ تسهم في التطور الثقافي الكوني الذي يبدأ من المنظومة التعليمية التي تبص ّّر النشء بأهمية هذا التكامل وقيمته في التقارب بين الشعوب الذي يبدأ من الاعتزاز بإرثه الثقافي الذي هو جزء من تلك الوحدة في حضارة بني الإنسان، «فالأمة التي تعلم أنها ناقلة أو حاملة لفكرة إنسانية واحدة، وتدرك أن عظمتها تكمن في تحقيق دورها الحضاري ونقله، كتراث عام، إلى أمة ، وهو ما يعني أن التراث ) 7 ( أخرى أو أمم أخرى، أمة حضارية» الثقافي هو الذي سيبدأ به الطالب انفتاحه على هذه التعددية الثقافية التي تضيف إلى عقله وروحه ما يضيء له آفاقا أرحب في وجوده الإنساني المتكامل بمعارفه وثقافاته كاتب وأكاديمي مصري الهوامش والمراجع: . الهوية: تحديات التعليم والهيمنة الثقافية، زينب محمود شعبان، وكالة 1 . 49 م، ص 2024 ، 1 الصحافة العربية (ناشرون)، القاهرة، ط . الحفاظ على التراث الثقافي: نحو مدرسة عربية للحفاظ على التراث الثقافي 2 وإدارته، جمال عليان المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة . 56 م، ص 2005 هـ، ديسمبر 1426 )، شوال 322 عالم المعرفة، العدد ( م، ص 2024 . التراث والتاريخ، شوقي جلال، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 3 . 59 . 59 . المرجع السابق نفسه، ص 4 . أهمية دراسة التراث الشعبي، لطفي الخوري، مجلة الطليعة الأدبية، وزارة 5 . 36 م، ص 1979 الثقافة والفنون، بغداد، مايو، . تطوير المناهج: دليل نظري وتطبيقي للباحثين، ميرفت محمود، مركز ديبونو 6 . 51 م، ص 2015 لتعليم التفكير، عمّّان - دبي، . تنوع الثقافات ووحدة الفكر الإنساني، ندرة اليازجي، مجلة الثقافة، أدبية 7 . 11 م، ص 1997 هـ، فبراير 1417 فكرية جامعة، دمشق، رمضان
19
18
2024 نوفمبر 301 / العدد
الأثر الحضاري لتضمين التراث الثقافي في المناهج التعليمية
Made with FlippingBook - PDF hosting