إضاءة
شطح الباب
ونفائس وثروات من ياقوت ومرجان جلبوها من أجل الحفظ والتخزين خلف باب يسمع ويرى، وفي الوقت نفسه لا ينفتح إلا بسرهم وبصوتهم المنادي بشيفرة التحكم الصوتي. في قصص كليلة ودمنة لبيدبا الفيلسوف الهندي هي رغم جنسيتها الهندية أيضا فإنها أصبحت من تراث العرب - بصيغة وبدرجة ما - في قصصها سنرى للباب شطحات ونسمات من حضور آسر، حتى وإن لم يشر النص صراحة، فمثلا في قصة «التاجر ورفيقه والعدل المسروق»، القصة باختصار شديد «تاجران أصحاب حانوت للتجارة، يضعان فيه تجارتهما وسلعهما، أضمرأحدهما سرقة جوال من صاحبه وكان يسكن بجوار الحانوت، وجاء بالليل وبدلا من أن يسرق جوال من عند رفيقه سرق جوال من بضاعته إلى آخر القصة الشيقة». وما يهمنا في النص هو دور الباب.. باب الحانوت الذي انفتح متواطئا لهذه العملية الخارجة عن القانون لأمر ما انفتح متواطئا مع صاحبه اللص، الأمر الذي يشي بأن نحذر أبوابنا التي تحمينا ولا نسلّّم لها كل التسليم. وكما في قصة «الرجل والخادم» من الكتاب نفسه أيضاًً، سنرى هذا الباب الذي لا ينفتح للص للخروج حين فاجأه أصحاب الدار، الباب الرئيسي سيدخل منه أهل الدار، وهناك باب في الخلفية يفضي إلى ساحة خلف الدار، ولكن اللص الأحمق الذي وصف له الباب الخلفي لا يصدق أن هذا هو
الباب المفروض أن يخرج منه، وكأن الباب يتواطأ ليريك اللص بأن علامة الخروج منه تطل على بئرماء لا يجدها اللص فيتردد ويرتبك رغم أن الباب يفضي في النهاية إلى تمكنه من الهرب، ولكن الحكمة هنا من شطح باب مفتوح ومغلق في إنما يؤدي إلى ارتباك اللص. بينما في طوق الحمامة يأتي ذكرللباب ودوره في درء المعصية، ففي «باب فصل التعفف» سنرى هذا الدور المهم للباب حين يستهيم أحدهم بفتى القصة ملخصها أن عبد الرحمن بن الحكم غاب في بعض غزواته، فتولى خليفته محمد بن عبد الرحمن بن الحكم إدارة الحكم في غيابه، وكان ينام في قصره لا يبارحه، وكان كل ليلة يبات معه على السطح وزير وفتى من أكابرالفتيان، يقول الراوي أن أبا العباس الوليد بن غانم كانت ليلته لينام مع ولي العهد، فحدثته نفسه خوفا على ولي العهد من جمال الفتى، فيقول راقبته طول الليل وتوجست حين رأيته يصحو ويجلس على سريره ثم نام بعد أن تعوذ من الشيطان، ثم قام مرة أخرى ونادى على الفتى وأمره أن يغادرإلى الأسفل، وقام بإغلاق الباب الفاصل بين الأعلى والأسفل. الخلاصة هنا دورالباب الحيوي في منع المعصية، ودرء سوء لا أخلاقي كان يمكن أن يتم لو لم يكن موجوداًً. ومن شطح الباب، علاقة التواطئ بينه وبين الإنسان، فحين يشتعل بصمته في إطار الصمت الضارب حوله في المكان، فإنه يركن إلى برودة التواطؤ مع بلادة الوقت.. لا همس ولا هسيس سوى زحف الهواء البطيء من تحت الأعقاب مجدداًً، وهي الحالة الضاربة حول المكان برمته.. التاريخ المتوقف في الجغرافيا يرنو على الباب الخاشع الصامت الصامد لغياب الإنسان الذي رحل أو ترك.. أو ذهب لميعاد آخر وباب آخر في مكان آخرفي رحلة اللهاث الحياتي والبحث عن مقاصد الحياة لكن حين يتوافد الإنسان أويتوافرخلف الباب تختلف الأحوال وتتبدل، وسنرى حيوية الحياة ودفق دورانها تتجدد ويتحرك الباب يمنة ويسرى، وينفتح وينغلق وسيحلق في الداخلين والخارجين، وتبتهج جنبات المكان من فرط حركة الإنسان الذي يعطي لكل شيء حيويته وحركته، لأنه محور الحركة الأساس بمتطلباته وطلباته وحركته الدؤوبة، بحثا عن مكامن الأشياء، فتدور عجلة الضجيج، ويعلو صوت الباب بالفتح والإغلاق، وتتحقق رسالته ويخرج عن صمته الذي حل عليه ببلادة الغياب وتواطؤ الوقت القتول
شيء في الحياة شطحه ونزقه.. الباب الحديد القوي لكل المنصاع لمشيئة المستخدم صاحبه أو صاحب المكان، يمتلك أحيانا إرادة التيه والنزق حينما تتعثر بعض خطواته حول نفسه، حين يشاء الآمر بدورانه فيتلكأ الباب في خفر ودلال وتدني خطواته ذهابا وإيابا متمردا على الفسح الكامل، لأن الباب الجهم عصي على التحرك أو رافضا للتحرك ربما لعلة أو غرض مقصود، أو متصلة بمهنته ووظيفته التي لم يعد يجيدها، لأن السيد الباب تعثرت مفصلاته فجأة عن ح ََمله فالتوت قليلا فانثنى ح ِِمله وأخشابه ليقترب من الأرض قليلا فتتغير دروب الباب، ويزداد قوس حركته خشونة فتتعثر أحواله نوعا ما. هذا الشطح من السيد الباب لا بد وأنه سيقابل بضجر وملل الآمر الذي لم يُُطع أمره، ولم يخضع الباب له لمشيئة الفتح والدوران.. إضافة إلى متاعب الإصلاح والبحث عن صانع الأبواب أو النجار الذي يجيد التعامل بمهارة أو بأس لإصلاح ما فسد في الباب، وهو مازال في عز قوة أدائه وبأسه، لكن ماذا لو تأخر النجار عن الحضور؟ أو لم نعثر على نجار لديه الوقت ليأتي ليعيد الأمور والأحوال إلى سابق عهدها؟ هنا ستكون النتيجة السيئة لشطح في غير أوانه.. الباب لا بد وأن يغلق ويتحرك، لأننا نسبيا في زمن لا أمان لنا فيه إلا بإغلاق أبوابنا خوفا علينا وعلى متاعنا وأماننا. تخيل معي أن الباب سيظل بلا إغلاق وسيجيء الليل ونحن في كدر هذا الطارئ الذي أعيا وقتنا وزاد من قلقنا وتوترنا.. كيف سننام والباب عصي على الإغلاق؟ كيف سنهنأ براحة البال والحارس الأساسي للمكان عصي على القيام بنوبة حراسته لأنه معيب أو مكسور، أو يعاني من انشداح مكوناته خاصة المفصلة الحاملة لطاقة وزنه والمتحكمة في حراكه ًًا وحركته.. أتخيل أننا سننام وسنختار بالتناوب من يظل ساهر خلف الباب حارسا له ولنا، الباب المعطوب يمثل الإنسان المريض حين يلم به مرض فيقعده عن العمل والحركة والقيام بواجباته تجاه نفسه والآخرين، بل سيؤدي إلى ارتباك وقت الآخرين ليقدموا له المساعدة والمعاونة وللتخفيف عنه، والمساهمة في شفائه وعودته إلى طبيعته.
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
حالة الباب نفسها الذي فقدنا إصلاحه لبعض الوقت، سيظل بالتناوب هناك حراسة للمكان، هنا يبرز فضل الباب ونتيجة شطحه الثقيل حين هوى على أصحاب المكان برزية فعله وخروجه من سياق وظيفته ومهنته قسارًً، ليصب في زيادة ًًمعاناتهم، لأنهم بلا باب حارس وداعم للأمن والأمان وفضل نعمة الطمأنينة التي يوفرها صاحب المفصلات المعطوبة مثلا في التراث العربي وفي الأدبيات العربية والقصص المتوارثة كألف ليلة وليلة سنرى أموار عجيبة للأبواب وشطحها، وسنرى كيف تم توظيفها بذكاء يخدم النص ومراميه وأهدافه، وكيف سيجعل هذا التراث أحوالا للباب ويعطيها الروح والحيوية والحركة والاستجابة أو العكس، مما يعطينا صورة عن باب من لحم ودم وليس أبواب من خشب ومساميروحديد، أبواب تسمع وترى وتحس في ألف ليلة وليلة سترى بابا مغاي ار ومختلفاًً، في قصة علي بابا ليس الباب بابا سحريا وغير مرئي وغير ظاهر، حتى حين يأتي الغريب عنه لا يرى بابا ولا معلماًً، لكن العجيب أن الباب هنا يسمع ويرى، باب له أذن إلكترونية حين ينادى بكلمة محددة سيفتح مصراعيه على أقصى درجاتهما. هنا شيفرة «افتح يا سمسم» التي لا تعني تكنولوجيا خفية وحسب، ولكن تقنية الصوت أيضاًً.. هذا الباب الذي يمتلك في شطحه سبل الفتح والإغلاق والضم والانبساط بمجرد سماعه وهو يسمع هنا «افتح يا سمسم»، أو «اغلق يا سمسم»، هذا الباب الذي يبش لقدوم أصحاب المكان لصوص علي بابا في موكبهم المطهم بالأحصنة، والجمال المحملة بخيرات من حرير
57 2024 نوفمبر 301 / العدد
56 شطح الباب
Made with FlippingBook - PDF hosting