ارتياد الآفاق
رحلة ملكة الصحراء وصانعة الملوك «غيرترود بيل» «أركيولوجيا الشرق الأوسط»
م تكتشف بيل عشقها للشرق، وتبدأ 1892 بلاد فارس عام في تعلم اللغة العربية والفارسية والتركية - إلى جانب إتقانها الإنجليزية والألمانية والفرنسية- ودراسة علم الآثار، ارتحلت من إيران إلى الأناضول، والقاهرة وبيروت، ثم انتقلت إلى الأردن ودمشق وخاضت شبه الجزيرة العربية، واستقرت في بغداد تنقب وتفتش، في تلك السنوات مع تفكك الإمبراطورية العثمانية، وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، وامتلاك المنتصرتين إنكلترا وفرنسا وفقا لاتفاقية «سايكس بيكو» ممتلكات الإمبراطورية العثمانية كان دور بيل مهما باعتبارها مصدار رئيسيا للأجوبة عن استفسارات إنجلترا عن القبائل العربية والصحراء ودروبها وزعمائها وتحالفاتها، وقامت برسم الخرائط عنها، إلى جانب جمعها معلومات عن العشائر التي مرّّت بها، ثم أُُرسلت من قِِبل المخابرات البريطانية إلى القاهرة حيث التقت هناك لورانس العرب، وبعدها عادت إلى البصرة في مهم ّّة تتصل بترتيبات «سايكس بيكو». نالت موافقة حكومة بلادها فيما تقوم به؛ وأهمها رسم خارطة العراق الحالية التي ضم ّّت ثلاث ولايات عثمانية؛ بغداد والبصرة والموصل بعد جدل حول وضع الولاية الأخيرة ضمن حدود الدولة الحديثة في أروقة السياسة البريطانية، وترشيحها فيصل بن الحسين ليكون أول ملك يحكمها، ورفضها إقامة دولة مستقلّّة للأكراد. عُُيّّنت مستشارة للمندوب السامي البريطاني في العراق سير برسي كوكس، وبعد أن استفيد من خبراتها تم استبعادها نسبيا لفترة بسبب وجهة نظرها المناصرة لفكرة تقريرالمصير العربي، لكنها بقيت في بغداد تمارس حياتها الشخصية، م قررت سلطة الانتداب 1920 وبسبب انتفاضة العراقيين عام البريطاني نقل البلاد إلى الحكم الذاتي الذي وعدت به منذ فترة
حفيدة صانع الحديد حفيدة المهندس الثري «لوثيان بيل» مالك مصنع للصلب، وعمدة لواحدة من كبرى المدن البريطانية، نافذا في الدوائر الدبلوماسية الإمبريالية جمع بين المال والنفوذ، فنشأت في رغد تمردت عليه، واتخذت طريقها في بحر الرحلات سرباًً، طرقت دروبا لم يطرقها أحد من الغربيين قبلها، عقب تخرجها بامتياز من قسم التاريخ في جامعة أكسفورد جنحت نحو الأنشطة الغريبة مثل تسلق الجبال في سويسرا التي يصل مت ارًً، وحملت قمة «غيرترود» في مقاطعة 2633 ارتفاعها إلى بيرن اسمها، لكنها وقعت في حب الصحراء، فبعد رحلتها إلى
محمد عبد العزيز السقا هل انتبهت يوما لأهمية الكلمة المكتوبة؟ هل يمكنك أن تتصور - عزيزي القارئ - أن عشرات السنوات التي تحياها بعض الأمم يمكن أن تكون مجرد انعكاس لكلمات كتبت بدقة وعناية لرسم مستقبل أمة أومنطقة، هذا ما تكشفه لنا خطواتنا المقتربة من سيدة من أهم الشخصيات النسائية في القرن الماضي، كانت حياتها شديدة الإثارة بقدرما كانت طفولتها شديدة الثراء، طبقت الدنيا ضجيجا في حياتها، وشغلت الأوساط السياسية باكتشافاتها وتقاريرها.
غيرترود بيل
بـ«الخاتون»، إلى أن اتخذت قرارها بإنهاء رحلتها إلى الأبد على ما سيكشفه لنا هذا المقال في نهايته عن نهايتها التراجيدية Queen of the وقد جسدت قصتها في فيلم سينمائي اسمه من إخراج فيرنر هيرتزوغ وبطولة: نيكول كيدمان عام Desert م. 2017 من الثرية إلى الآثارية جيرترود «غيرترود بيل»، الباحثة والآثارية الإنجليزية التي م تضمن 1962 إلى عام 1868 عاشت في الفترة ما بين عام خطواتها الأولى في علم الآثار، التجهيز لرحلة الفرات حيث
كانت وسيلة الانتقال هي الإبل والخيول، ثم اكتشافها قلعة الأخيضر (في بادية كربلاء) والقصر والمسجد وآثارها القديمة، وواصلت طريقها إلى سهول دجلة والفرات جنوب العراق حيث تلال الأنقاض والآثار التي تحتضن الحضارة العراقية فعملت على كشفها ووصفها وتصويرها، وقد وصلت بابل التي سبقها إليها فريق تنقيب ألماني عمل على اكتشاف حضارة بابل من بوابة عشتار وقصر بنوخذ نصر وآثار نينوى الآشورية، وقامت بتصويرهم، ثم انطلقت إلى بغداد، ومرت
طويلة، واستطاعت بيل أن تفرض رأيها أولا عند أمين عام 1921 في مؤتمر القاهرة عام المستعمرات تشرشل، ثم في إقناع العراقيين أنفسهم، وأسهمت في وضع الإطار السياسي للعراق الجديد، كما عُُهد إليها برسم الحدود الجنوبية الصحراوية للمملكة العراقية، وجرى الاستفتاء على الملك فيصل الأول بن الشريف الحسين بن علي الهاشمي، وبه تأسست المملكة العراقية على عين ورعاية من «جيرترود بيل» التي تضخم حجم تأثيرها في سياستها حتى لقبها بعض العراقيين
محيط بغداد على طول نهردجلة
65
64
2024 نوفمبر 301 / العدد
رحلة ملكة الصحراء وصانعة الملوك «غيرترود بيل» «أركيولوجيا الشرق الأوسط»
Made with FlippingBook - PDF hosting