torath 301- Nov - 2024

ارتياد الآفاق

في طريقها على آثار «طيسفون» والتقطت صوار لآثار «طاق زارت بغداد للمرة الأولى، وهناك وقفت 1909 كسرى». وفي عام ِ الآثار الضخم في بغداد وسامراء وآشور والموصل، �ِّ على كم وفتنت ببغداد وزارتها كثيار بعد تحرك القوات البريطانية وأصبحت موظفة سياسية في 1917 إليها (بغداد) في عام الحكومة البريطانية في بلاد الرافدين، حيث استقرت في م، وكان لها الفضل في تأسيس 1926 بغداد حتى رحيلها عام المتحف العراقي الذي ظل حافظا لأهم الآثار التي وجدتها والآثار العراقية البابلية القديمة والمخطوطات والتحف حتى م، حيث سرقت وتحطمت العديد من مقتنياته إثر 2003 عام تدهور الأوضاع أثناء الحرب الأمريكية على العراق. «ليزا كوبر» على خطى «بيل» مع أنها أعني «السيدة بيل» كانت موضوعا مفض ّّلا لدى كُُتّّاب السيرة فإن اهتمامهم كان ينصب على رحلاتها وعلاقاتها الرومانسية ودورها السياسي، أما الكتاب الذي بين أيدينا اليوم لمؤلفته «ليزا كوبر» أستاذة حضارات الشرق الأدنى في جامعة كولومبيا البريطانية، فإنه يكشف النقاب عن السيدة/ بيل باعتبارها باحثة جاّدّة شكّّل انهماكها في أركيولوجيا الشرق الأوسط، الطريقة التي استوعبت من خلالها حضاراته المندثرة، إلى جانب شعوبه ومجتمعاته التي صادفتها في رحلاتها، ليضع الكتاب السيدة بيل في مصاف الرواد الذين أسهموا في تحويل علم الآثار إلى فرع معرفي جاد ومنضبط علميا ًً، والكتاب مع هذا -يقول مجدي خاطرمترجم الكتاب إلى العربية- بعيد كل البُُعد أن يكون دراسة مسحيّّة أكاديمية جافة للنشاط الأركيولوجي الذي قامت به بيل، إذ يجعلنا نعي بعمق التقدير الذي حملته «جيرترود بيل» لتاريخ العراق، وهي الرؤية التي رفدت نشاطاتها اللاحقة التي أسفرت عن تشكيل مستقبل المنطقة. بعد حصولها على منحة «هامبتون» للأبحاث من جامعة كولومبيا البريطانية والمعهد البريطاني لدراسة العراق، اقتفت الأستاذة «ليزا كوبر» أثر الرحلة التي قامت بها السيدة حتى وصلت 2009 بيل، فبادرت بالسفر إلى سوريا في إبريل إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات بعد مئة عام من الرحلة التي قامت بها بيل، فوثقت والتقطت الصور الفوتوغرافية للمواقع م. 1908 والمعالم الأثرية نفسها التي وثقتها بيل عام م إلى المملكة المتحدة 2010 سافرت «ليزا كوبر» في عام لزيارة محفوظات «جيرترود بيل» ضمن المجموعات الخاصة

الشاعرية في تلك الصفحات الأولى؛ عن امتزاج الماضي والحاضر معا ًً، عبر تسجيلها للرحلة بأكملها الذي ينقل القارئ بين لقاءاتها مع بشروبلدات ومناظرم ُُعاصرة في الشرق الأدنى، وتواريخهم الثرية الزاخرة بالأحداث الجسام. فكانت حلب؛ وهي مدينة تدفع المرء إلى الماضي... «بيل» تستفيد من «هوجارث» و«برنهارد موریتز» كانت «بيل» قد اختارت مساار لرحلتها في الشرق الأدنى في ، ينطوي على مجازفة أقل لحد بعيد من صحراء 1909 عام نجد القاحلة التي ستقصدها بعد خمس سنوات، لكنه لا يزال يضم نوع الاستكشاف نفسه الذي كان يُُجيزه «هوجارث». ذلك أنه كان قد سبق أن لاحظ؛ في مقال منشور، وجود قطاعات بوادي نهرالفرات تقتضي مزيدا من التمعن، وي ُُمكننا أن نخم ّّن كانت تستهدف تلك 1909 أن أجزاء من مسار رحلتها في عام المناطق. وكما سبقت الإشارة، فإن زيارة «بيل» إلى موقع تل أحمرجنوب كركميش كانت دون ريب بنا ًء على طلب خاص من ). ويبدو أن طريقها البري الذي سلكته من حلب 1 «هوجارث»( إلى نهر الفرات، ورحلاتها الأخرى بمحاذاة الضفة اليسرى للنهر بدءا من «تل أحمر» إلى مدينة «عنه» (عانة بمحافظة الأنبار على ضفاف نهر الأردن غرب مدينة الرمادي)، كانت في جزء منها استجابة لملاحظة أبداها «هوجارث»- إلى جانب نصيحة (انظر الفصل الثالث) - Bernhard Moritz » «برنهارد موریتز مفادها أن تلك المناطق نادار ما وطئتها أقدام المستكشفين ًًا منذ بعثة «تشسني» قبل سبعين عاما - لكنها تبدلت كثير الآن حيث انتشرت القرى الزراعية في أماكن لم يكن فيها من قبل سوى القليل من العرب الرحل وأن ثمة الكثير من البقاع الجديدة التي يجب إضافتها إلى الخارطة.

حيث تطرح أفكارها بشأن شخصيات وسياسات المقاطعات العربية في الإمبراطورية العثمانية. وقد صدر الكتاب ذو الستة صفحة تقريبا في نسخته العربية، عن المركز 460 فصول، و م. 2022 القومي للترجمة في القاهرة عام

من الكتاب: رحلة الفرات:

بمكتبة روبنسون في جامعة نيوكاسل للاطلاع على أوراق بيل ومشاهدة الأرشيف الرقمي في معهد التاريخ والدراسات القديمة والأركيولوجيا، والاطلاع على دفاتر بيل الميدانية في الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، وزياراتها المتعددة لأرشيف «جيرترود بيل» في معهد التاريخ والدراسات القديمة بجامعة نيوكاسل أيضاًً، ومتحف المعهد الشرقي، والمعهد الألماني للآثار، ومعهد تاريخ الفن في جامعة فيينا، والجمعية الألمانية لدراسات الشرق الأدنى، وقسم دراسات وسط أوروبا وشرقها وشمالها في جامعة كولومبيا البريطانية (الكندية). بنية الكتاب بأسلوب تصويري يعتمد تقنية التصوير المشهدي تسرد ليزا كوبر الأحداث، تبدأ بمشهد «جيرترود بيل» وهي تسرع فور وصولها إلى فندق «غراند كونتيننتال» في القاهرة في أواخر م، إلى النزول لتناول العشاء، تملؤها اللهفة 1915 نوفمبر لسماع أخبار الشرق من رفاقها على طاولة الطعام، ومن بينهم ديفيد هوجارث (وهو ضابط وعالم آثار بريطاني وأمين المتحف الأشمولي في أوكسفورد ومؤلف كتاب «اختراق الجزيرة العربية»)، وتوماس إدوارد لورانس (لورانس العرب) وهو دبلوماسي ومنظ ّّر عسكري وضابط جيش وعالم آثار بريطاني،

داخل ممرمظلم م ُُقنطرببازارصاخب في مدينة حلب، اشترى فتوح خادم «بیل» حبلا من أحد أصحاب الدكاكين. كانت لفيفة الحبال معدة للرحلة الطويلة التي كانت على وشك الانطلاق، ووسط تشجيع المارة و«بيل» نفسها ممن احتشدوا حول المتجر، جاهد فتوح للحصول على اللفيفة بأرخص سعر. يستحضر المشهد على نحو رائع حالة الترقب والانفعال التي سادت في مستهل السفرلاستكشاف الشرق الأدنى، أضف إلى ذلك أن خلفية المشهد داخل السوق العتيق المُُغط ّّى - الذي تستطيع «بيل» أن ترى من خلالها الشمس ترمي بأشعتها على قلعة حلب التي تضرب بجذورها بعيدا في التاريخ - أََض ْْفََت إحساسا بالخلود، حيث امتزج الماضي مع الحاضر بسهولة تامة. فربما نستطيع أن نتخيل عملية المساومة على سعر لفيفة الحبال تتكرر المرة تلو الأخرى على مدى مئات السنوات داخل البازار العتيق. هكذا هو المشهد الذي ترسمه «بيل» لقرائها في الصفحات الأولى من كتابها الذي ينتمي إلى أدب الرحلات من سلطان إلى سلطان»، وهو سرد لأحداث بعثتها الاستكشافية الطويلة إلى نهرالفرات وداخل أراضي بلاد الرافدين خلال الشهورالأولى من م، يستمر المبحث الذي تقدمه «بیل» بلغة شديدة 1909 عام

قبر مس بيل العراق

67

66

2024 نوفمبر 301 / العدد

رحلة ملكة الصحراء وصانعة الملوك «غيرترود بيل» «أركيولوجيا الشرق الأوسط»

Made with FlippingBook - PDF hosting