أدب ونقد
الرواية الخليجية المفقودة للسيرة الهلالية فتحي عبد السميع: التراث الخفي في التراث الأحدث
ينتج الراوي المحترف، لكنها قبْْل أن تختفي تفتََّت في حكاياٍت شعبية صغيرة. والعثورعلى الرواية الخليجية المفقودة للسيرة الهلالية كما يقول مؤلف كتاب «التراث الخفي: الأسطورة السومرية والرواية الخليجية للسيرة الهلالية»، يمكن أن يمرفي طريقين، الأول أثََري يتمثل في اكتشاف مخطوط يحتوي على الرواية، والآخر فني يتمثل في البحث عن السيرة في الحكايات الشعبية التي كانت جزءا من الهلالية وتفتّّتت وتناثرت، لكنها احتفظت بصلاتها الظاهرة أو الخفية بالسيرة الشعبية الأم. وقام فتحي عبد السميع، بمقارنة حكاية خليجية هي حكاية «العقيلي واليازية» بحكاية من حكايات السيرة الهلالية، وهي حكاية «أبي زيد وعالية بنت جابر»، ووقف على العناصر المتشابهة بين الحكايتين، ولم يستطع رد التشابه إلى المشترََك الإنساني؛ على الأقل بسبب وجود كلمة «أولاد هلال» التي ترِِد في نهاية الحكاية الخليجية. ولعل كثرة العناصرالمتشابهة التي رصدها الباحث تأتي لتؤكد انتماَء الحكايتين إلى جسد واحد، وتؤكد وجود رواية خليجية مفقودة للسيرة الهلالية، لكنها لم تُُفقد بشكل كلي، بل تفتّّتت وتناثرت في حكاياٍت صغيرة يمكن الاحتفاظ ببعضها في ذاكرة
علي تهامي في كتابه الجديد «التراث الخفي: الأسطورة السومرية والرواية الخليجية للسيرة الهلالية»، الصادر عن دار وعد في القاهرة، يواصل الشاعر والباحث المصري فتحي عبد السميع اهتمامه بالتراث الخفي. ويعني «عبد السميع» بالتراث الخفي تلك المادة التراثية التي تنتشرفي نصوص أدبية لا علاقة لها بتلك المادة الأولى في الظاهر، وتبدو بعيدة كل البُُعد عنها، بحيث يقرؤها الدارسون المتخصصون دون أن ينتبهوا لها، لكنها تحمل علاقة وثيقة على مستوى الباطن. والتراث الخفي - بحسب كتاب فتحي عبد السميع الجديد - هو التراث الذي يسري في طيات التراث الأحدث دون أن يترك ًًا علاماٍت تجعلنا نتعرف عليه بسهولة، بل يذوب ذوبانا شديد في التراث الأحدث، ولا يمكننا رص ْْده أو اكتشافه بسهولة، وقد لا نكتشفه. وفي كتابه الجديد، يرى فتحي عبد السميع، أن التراث الخفي يشبِِه الحائط الذي قمنا بطلائه أكثر من مرة، ويعيش بيننا بوصفه حائطا جديداًً؛ لأن الطلاء الأول توارى تماما تحت الطلاء الجديد. وأن هذا التراث الخفي يحتاج إلى رصد طويل، وقراءات تتجاوز الأسطح، وتبحث عن الأعماق الدفينة، مع التسلّّح بوعي يهتم بالرموز ويقدّّرها، ويلتقط الإيحاءات والتلميحات الخاطفة، ويسهرعلى النصوص الأحدث تنقيبا عن كل ما يوحي بالتراث الخفي. وفي مقدمة كتابه الذي بين أيدينا «التراث الخفي: الأسطورة السومرية والرواية الخليجية للسيرة الهلالية»، يقول «عبد السميع»: لقد انطلقت تلك القراءة/ المُُغامرة من رصد غياب رواية موثقة للسيرة الهلالية في الخليج، رغم أن أحداثها بدأت
بعض الناس في ظل غياب الراوي المحترف الذي يحفظ السيرة كاملة، كما هي الحال مع الرواية المصرية للسيرة. وبحسب فصول كتاب فتحي عبد السميع الجديد، فإن الحكايات الصغيرة التي تناثرت مِِن السيرة الهلالية تأثرت بالحداثة التي دخلت عالم الخليج بقوة، وغي ّّرت مظاهر الحياة تغييار كبيارًً، وقد أفْْلت بعضها من حركة الجمع والتدوين، بينما تم توثيق حكاياٍت يصعب اكتشاف علاقتها بالسيرة إلا م ِِن خلال دراسة فنية عميقة، تتجاوز المقارنة السطحية إلى مقارنة رمزية فعََّالة تستطيع الإمساك بالخيط الباطني الذي يوحد بين حكايات الهلالية، مهما تََقنّّع بعضها بعلاماٍت تبعِِدها ظاهريا عن الأمّّ، ولا أعرف هل فات أوان الجمع الميداني أم لا، لكنني أتمنى توالي الجهود لفحص كل الحكايات الشعبية التي تم توثيقها، وإعادة النظر فيها في إطار البحث عن رواية خليجية مفقودة للسيرة الهلالية. ويؤكد فتحي عبد السميع في كتابه أن الوصول إلى الرواية الخليجية لا يُُعََد أم ار ثانوياًً، بل هو غاية في الأهمية؛ لأن حقيقة الهلالية لا تظهر إلا م ِِن خلال جميع رواياتها؛ لأن الهلالية تتفاعل مع المكان الذي تعيش فيه وتتأثر ببيئته وتطلعات سكانه وأشواقِِهم، وكل رواية جديدة تقدم لنا إضافة جديدة، وقد وض ّّح الباحث في الكتاب كيف
في نجد، وقد بدأت مسيرة أبناء نجد نحو تونس الخضراء بالمرور على الممالك الخليجية القريبة من نج ْْد، وجرت بينهما وقائع، وأخذت معها ملك العراق عامر الخفاجي الذي تخلّّى عن السلطة في العراق ورحل مع الهلالية، وحارب في صفوفهم حتى قتله الزناتي خليفة بالغدر والخيانة. وطرح فتحي عبد السميع سؤالا هو: كيف تنتشر السيرة الهلالية في بلاد كثيرة من المشرق إلى المغرب، وتصل جنوبا إلى نيجيريا، لكنها تختفي في مكان ظهورها؟! وأضاف بأن السؤال ظهر منذ فترة طويلة في ذهن الباحث، وألح عليه عندما قرأ إحدى الحكايات الشعبية الخليجية غير المنسوبة للسيرة الهلالية، وشعر بوجود تراث الهلالية وهو يتخفى في ثنايا تلك الحكاية، وبدأ في اقتفاء أثره، ورصد تلميحاته وإشاراته. وافترض «عبد السميع» وجود رواية خليجية للهلالية، لكنها اختفت ولم تدوّّن، ودهََس ََها النسيان مع رحيل الأفراد الذين كانوا يحفظونها، وغياب المناخ الذي
77
76
2024 نوفمبر 301 / العدد
الرواية الخليجية المفقودة للسيرة الهلالية فتحي عبد السميع: التراث الخفي في التراث الأحدث
Made with FlippingBook - PDF hosting