torath 301- Nov - 2024

أدب ونقد

تحتوي عليها، وأن المبدع الأصلي للسيرة الهلالية قد لا يكون عربيا أو مسل ِِما ًً، وقد ظهرت تلك الفرضية خلال التحليل الفني للشخصيات الأنثوية في الحكايتين السالف ذِِكرهما فقط، وهما «اليازية» و«عالية»، حيث تبي ّّن أثناء الفحص أن تصرفات الأنثى في الهلالية لا تنتمي إلى الثقافة العربية قبْْل الإسلام، ولا تنتمي إلى ثقافة صدرالإسلام، أو للثقافة الإسلامية قب ْْل أن تتداخل مع الثقافات القديمة مثل ثقافة العراق وفارس ومصر وغيرها من ثقافات الشعوب التي أسلمت وفي أعماقها ثقافة وثنية قديمة لا يمكن تجاوزها بمجرد الدخول في الإسلام. صورة المرأة في الهلالية كما يؤكد الكاتب تنتمي إلى صورة المرأة في عقائد الخصب القديمة، أو عقائد الإلهة الأنثى التي انتشرت في الشرق الأدنى القديم واستمرت على مدار قرون طويلة، ونحتت لها مكانة في الوجدان الشعبي لسكان المنطقة يصعب القضاء عليها بسهولة. ووفقا لكتاب فتحي عبد السميع الجديد، فقد كانت الثقافة السومرية في قلب مبدع الهلالية الأول ووجدانِِه، وقام هذا المبدع المجهول بوضع حكاية «إنانا ودوموزي» في السيرة بمهارة فائقة، لا يمكن أن تأتي عفو الخاطر؛ لأن تسكين ال برّّة الوثنية في الثقافة الإسلامية بشكل خفي ليس سهلاًً، بل يحتاج إلى قدرات خاصة تتحايل على التصادم مع الثقافة الإسلامية المنتصرة، وتفرض نح ْْت الربة الوثنية بحيث تنطلي صورتها على أعدائها، مع التفريط في السمات التي تؤدي إلى تصادم واضح مع الثقافة الإسلامية، ولا شك أن هذا الوجود الأسطوري الخفي في السيرة، كان ًًا سببا من أسباب تفاعل الطبقات الوجدانية العميقة، وسِِر غامضا من أسرار تعلّّق الجماعة الشعبية بالهلالية. ويذهب

أضافت الحكاية الشعبية الخليجية للسيرة الهلالية، مثلها مثل الروايات التي تم جمعها من فلسطين وتشابهت فيها صورة الهلالي مع صورة الفدائي، أو الروايات التي تم جمعها من الأردن وتشابهت فيها ملامح الهلالي بملامح الفلاح الأردني الذي يعاني هجمات العربان، أو الروايات الليبية التي تداخلت فيها صورة الهلالي مع صورة عمر المختار. ويشرح لنا الشاعروالباحث فتحي عبد السميع، عبرصفحات كتابه «التراث الخفي: الأسطورة السومرية والرواية الخليجية ًًا للسيرة الهلالية»، فكرته عن التراث الخفي، مُُستشهد بحكاية «إنانا ودوموزي» السومرية المقدسة، وكيف استمرت ًًا وتعايشت مع الديانة اليهودية، وصارت بعض نصوصها جزء من الكتاب المقدس، كما هي الحال في نشيد الإنشاد، ثم كيف تعايشت مع الديانة المسيحية، وكيف واصلت حياَتَها السرية في تصورات الكثير من المسلمين عن الحسين رضي الله عنه، الذي تتشابه احتفالاته مع احتفالات تموز. ويوض ّّح بأنه أثناء الكتابة عن الأسطورة السومرية أخذت تظهر إشارات تربط الأسطورة بالسيرة، فقام بإعادة قراءة السيرة في ضوء تلك الإشارات، وراحت الحصيلة تكبرمع الرصد والتأمل، ووجد الباحث نفسه يبحث في السيرة كلها عن التراث السومري الكامن فيها. ويبدأ البحث - عادة - بفرضية مسبقة، ويهدف إلى إثباتها أو نفيها، لكن الكاتب عثر أثناء البحث على فرضية ثانية غيرالتي بدأ منها، وتلك الفرضية الثانية غاية في الأهمية؛ لأنها قادته إلى اكتشاف ذوبان الأسطورة في السيرة، الأمر الذي يعني وجود أصل وثني للسيرة الهلالية التي تكاد أن تكون كتابا إسلامياًً، بسبب المدائح النبوية والقيم الدينية التي

فتحي عبد السميع إلى القول بأن مبدع السيرة الهلالية الأصلي مبدع كبير جداًً، وقد لا يكون عربيا أو مسلِِماًً، وهو يقول «الأصلي» لأن السيرة الهلالية كانت تنمو وتكبر مع الرواة الذين لا ينقلونها نقلا حرفياًً، بل يعيدون صياغتََها وفق مواهبهم وطبيعة تفاعل الجمهور معهم، الأمر الذي جعل الزيادات تتراكم حول النص الأصلي، الزيادات التي أبدعها شعراء ينتمون إلى الثقافة الإسلامية، وكأننا أمام هيكل عظمي وثني كسوناه لحما إسلاميا وهكذا ترك الملامح الخارجية، ترك الجلد واللحم وراح يبحث عن تلك العظام غيرالمنظورة. وراح «عبد السميع» يقدم طرحا جديدا بقوله: إن المبدع الأصلي للسيرة الهلالية في نواتها الأولى لم يكن مسلِِماًً، ولكنه لا يقر حقيقة بذلك، بل يطرح سؤالا جديدا غير متوقع وصادم: «هل ينتمي المبدع الأصلي للسيرة الهلالية إلى ثقافة أخرى غير إسلامية؟». وهو يرى أن وجود التراث السومري بشكل خفي في السيرة يجعلنا نفكر في مبدعها خارج الثقافة الإسلامية، لكنه لا يكفي للقول بوثنيته، أو اعتماده على الأسطورة لسبب

ديني بحت؛ لأن الأسطورة نفس ََها نجِِدها عند شاعر مثل بدر السياب، خاصة في قصيدته «أنشودة المطر»، ولا نستطيع الاقتراب من هويته الدينية أو العربية، لكن هل يتطابق سلوك السياب وهو يستدعي الأسطورة لغرض فني وبوعي واضح، مع سلوك مبدع الهلالية الأول الذي رسم خطوطها العريضة، وشيّّد هيكلها العظمي، تاركا الباب مفتوحا لوضع اللحم والجلد والملامح الخارجية لكل بيئة تحتضن الهلالية؛ لتصنع روايتََها الخاصة التي تشبِِه الرواياِت الأخرى، وتتميز عنها في الوقت نفس ِِه؟ وهكذا فإن الكتاب لا يقدم إجابا ٍت بقد ْْرما يقدم أسئلة جديدة، ويفتح أفقا لدراسة الهلالية في ضوء فرضية الأصل الوثني. ومِِن ناحيته تعهد الكاتب بإعادة فحص الهلالية في ضوء هذه الفرضية؛ لأنه لاحظ وجود إشارات توحي بأساطير أخرى، ووعد بتقديم دراسة عن تلك الأساطير الأخرى، على أن تجيب بشكل أوضح عن الأسئلة الخاصة بفرضية الأساس الوثني للهلالية صحفي مصري

لمحة عن المؤلف فتحي عبد السميع، شاعروباحث مصري، رئيس تحريرسلسلة الإبداع الشعري (سلسلة كتب تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب)، حصل على جائزة الدولة التشجيعية ، صدرت 2023 ، وجائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2015 في العلوم الاجتماعية عام له ثمانية أعمال شعرية، هي: الخيط في يدي، تقطيبة المحارب، تمثال رملي، فراشة في الدخان، خازنة الماء، الموتى يقفزون من النافذة، أحد عشر ظلا لحجر، عظامي شفافة وهذا يكفي، كما صدرت له كتب عدة نقدية وفكرية من أهمها، القربان البديل: طقوس المصالحات الثأرية في الصعيد، الجميلة والمقدس، وجوه شهريار، شعرية الحدث، وله سيرة ذاتية صدرت عن هيئة الكتاب بعنوان «الشاعر والطفل والحجر».

79

78

2024 نوفمبر 301 / العدد

الرواية الخليجية المفقودة للسيرة الهلالية فتحي عبد السميع: التراث الخفي في التراث الأحدث

Made with FlippingBook - PDF hosting