torath 301- Nov - 2024

سرد الذاكرة

سرد الذاكرة

شكّّلا أهم جوانب المعركة التي دارت بين الدول المنتجة وشركات البترول العاملة فيها التي كانت تتحكم وحدها بتحديد الأسعارالمعلنة للبترول، وتسيطرمنفردة على مقدرات ِرة �ِّ الصناعة البترولية. وبرغم أن معظم الدول العربية المصد ِرة للبترول فإن �ِّ للبترول كانت أعضاء في منظمة الأقطارالمصد أبوظبي احتضنت بعد انتهاء ذلك الاجتماع الوزاري اجتماعا آخر ِرة للبترول «أوابك»، وذلك في �ِّ لمنظمة الأقطار العربية المصد . وكانت أهمية ذلك الاجتماع - الذي 1971 التاسع من ديسمبر ٍ من: أبوظبي، والسعودية، والكويت، والجزائر، �ٍّ ضم وزراء كل وليبيا، ودبي، والبحرين، وقطر - تتركز في ذلك الوقت على الخلاف الذي دار بين الدول الأعضاء حول مسألة انضمام العراق للمنظمة، وكان الاجتماع الوزاري السابع للمنظمة قد ، ولم يجد بدّّا بعد احتدام الخلاف من 1971 عقد في يونيو . وفي السابع من 1971 تأجيل الاجتماع حتى السابع من أكتوبر أكتوبر عاد المؤتمر إلى الاجتماع ثم إلى التأجيل مرة أخرى إلى ليعاد طرح الموضوع في اجتماع 1971 التاسع من ديسمبر أبوظبي. مازلت أذكرذلك الاجتماع المغلق الذي عقده مجلس وزراء «الأوبك» في التاسعة من صباح ذلك اليوم التاسع من . كانت تكهنات الصحفيين في ذلك اليوم بأن 1971 ديسمبر يخرج الوزراء ليعلنوا نهاية المنظمة نظ ار لشدة الخلاف الذي دار حول انضمام العراق، وهي من الدول العربية الرئيسية المنتجة للبترول، وهي في الوقت نفسه عضو في منظمة «الأوبك»، وكان ذلك الخلاف دليلا واضحا على أن المواقف الرسمية لوزراء البترول العرب لا تنفصل عن المواقف

أمي زينب والأيام الحلوة

في الرزفة والعياّّلة والدان، كانت النساء يتمايلن على رنين الطبول بكامل حشمتهن، يرتدين الأثواب «لميزّّعه، والشيل الوسمة، والكنادير المخورة بالتلي أو المطر ّّزه بالخو ّّار والألوان الزاهية المبهجة»، يمارسن اللعب على الكلمات ويؤدين الفنون والأداء الشعبي القديم بكل حشمة وسلطنة إن جاز الوصف، فهم يتعايشون مع القصائد، والألحان الطبيعية التي يمكن أن تأتي في سياق حديث بين اثنين. كنّّا نتتّّبع خطواتهم عند زفّّة العروس «والتديرّّه» وكنّّا نتمايل معهم طربا حين يغني «عجيدهم» الذي يسمونه «الأبو» واسمه «خرباش» رحمة الله عليه، كان صوته يشق المسافات والليل والصحراء حين يشل الشلة «بنات قوم الْْعبن، خلوا الغريب يشوف، العين إلها النظر، والقلب حاله شوف» ثم يصدح صوته يشق الليل وقد بدأ موكب العروس «شلّّن خواتي شلّّت التد يرّّه، أبوها النعيمي وأمها اليب ير ّّه، «والنعيمي واليب ير ّّه هي تمور اشتهرت بها مناطق الخليج وع ُُمان على الدقة». زفّّة العروس وحدها كرنفال من الفرح، تأخذني رفيقتي ومربيّّتي أمي زينب نحو الفرح بيدها الحانية، تطمئن أمي ويطمئن والدي - رحمه الله - إلى وجودي معها، وهكذا يتركونني أتنقّّل معها بين النخيل، وعند المطوّّع، ونذهب لشراء السمك، وجلب الماء، كل تلك التفاصيل الجميلة علّّمتني من الحياة الكثير الذي ربما لم يدركه أقراني في تلك الفترة، مواقف صقلت شخصيتي وشكّّلت وعيي، كانت تلك المرأة ذات الأثواب البلوشية المزركشة والمطرّّزة بالخوص ولِِهدوب هي أطيب النساء من حولنا، كانت أمنّّا الثانية التي حباها الله بالرحمة والعفوية والطيبة والتواضع، كنّّا نناديها «كاكوه»، وكانت تبتسم وتقول «مرحبا غالييه»، رحمة الله تعالى عليها، وعلى والدي الحبيب الذي أفنى عمره في تربيتنا، ووف ّّر لنا من الرفاهية مالم يتوافر لغيرنا في حقبة زمنية اتسمت بشظف العيش، والحالة الاقتصادية المتواضعة في الخليج برمّّته، إنها الأيام والذكريات الحلوة باحثة وأديبة من الإمارات

شيخة الجابري تحفل الذاكرة بمخزون وفيرمن الحكايات والقصص التي ما إن اقتربت منها حتى أخذتك إلى عمق اللحظات التي عبََرت وأنت في مأمن من كل تعب، أو وساوس أو قلق أو عناء أو مشكلات نفسية، كانت جلسة واحدة مع الجارات تذهب كل تعب، وكان تجمع عند أشجار النخيل واللومي والهمبا كفيل بأن يمسح كل حزن يمكن أن ينطوي عليه قلبك أو وعيك. كانت السيدة الجميلة تلك ممشوقة القوام، ذات الثوب الأزرق الذي تشتهر به النساء من بلوش المازم رفيقتي في حركاتي ونشاطي وتنقلي من سبلة المطوع إلى البيت، أمي زينب التي ولدتني أمي على يديها اللتين تلقفتا الطفلة الصغيرة هي التي قامت على تربيتي وتعليمي وقد عُُهد إليها أن ترعاني بعد الولادة مساندة لوالدتي ومساعدة. نشأ أبناؤها معنا وكبرنا في وقت كنّّا فيه مثل الأشقاء، أخي الغالي الذي غادرنا باكار سلطان كان صديقا لِِحََسن ابنها الكبير، ونحن البنات ترافقنا مع البنات، ف ُُجعت أمي زينب بوفاة ابنتها موزه وكنّّا نناديها «موزي» باكار تلك السيدة الحسناء فائقة الجمال التي توفاها الله وهي لاتزال بعد صبية لم تُُخلف وراءها سوى فتاة في حسنها فاقت أمها حضوار وتأنقا وتألقا سمّّتها «مريم»، فقد اشتهرت السيدات من البلوش بجمال واضح، وقامات رائعة فاتنة، حزنت أمي زينب بعد أن توفت ابنتها «موزي» ودخلت في حالة من الهم عميقة بخاصة وقد كبُُرت وأخذ العمر والسنون نحو النزوع إلى الراحة بعد سني الكد والعمل الإنساني اللطيف. كثي ار تعود بي الذكريات والحنين إلى تلك الأيام فيأخذاني نحو الناس والعشرة الطيبة، والحياة الطبيعية، والقلوب النقية التي تشبه الذهب في لمعانه وبريقه، يأخذاني نحو السكيك والفرجان والضواحي، ورنين الطبول وأغنيات الفرح، والدّّان والفنانين الشعبيين العفويين، قديما كان الكل يغني يشتركون

1971 أبوظبي

السياسية لدولهم وحكوماتهم. وقد انتظرنا بفارغ الصبرليخرج قرار الموافقة على الانضمام أو إعلان انهيار المنظمة. وبعد أكثر من ساعتين، خرج معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة والابتسامة العريضة على وجهه. ولكن تلك الابتسامة زادت الأمر غموضا ًً، هل اتفق الوزراء أم مازالوا مختلفين؟ وما داموا ما زالوا مختلفين، فلماذا لم يعلن عن انهيار المنظمة؟ ولم يضف الدكتور مانع سعيد العتيبة إلى ابتسامته أي كلمة أو تصريح يشرح الوضع، ولم يساعد أي من الوزراء العرب على معرفة ما تم في ذلك الاجتماع المغلق. ولكن، بعد أن ذهب الوزراء وأعضاء الوفود إلى قصر الخبيرة ليعقدوا اجتماعهم العادي غير المغلق، واجتمعوا لمدة لا تزيد على ساعة، صدر البيان الصحفي الذي تم فيه الإعلان عن موافقة الجميع على تعديل أحكام المادة السابعة من اتفاقية إنشاء المنظمة، وهي المادة الخاصة بقبول الأعضاء الجدد فيها. وكان ذلك يعني في الواقع انتهاء الخلاف والموافقة ضمنيّّا على انضمام العراق إلى ِرة للبترول «أوابك». �ِّ الأقطار العربية المصد تعلمت من الحدثين الكثير، وأضفت إلى معلوماتي الشيء الكثير أيضا ًً، ولا شك في أن مرافقتي فيما بعد لمعالي الدكتور مانع سعيد العتيبة في الاجتماعات جميعها التي حضرها للأوبك والأوابك، جعلتني أدخل إلى أعماق المواقف السياسية والاقتصادية لجميع الدول البترولية. وهكذا قدر لي أن أعرف ما لا يمكن أن يتاح لأي صحفي أو إعلامي، وهذه المعرفة كانت في الواقع وراء نجاح برنامجي «الذهب الأسود» الذي استمرمن 1991 حتى عام 1971 عام إعلامي وشاعر

83

82

2024 نوفمبر 301 / العدد

ذكريات زمن البدايات من كواليس اجتماعات «أوبك»

Made with FlippingBook - PDF hosting