torath 301- Nov - 2024

دراسات إماراتية

صيد الأسماك في تراث الإمارات: ِِرؤية الشعراء لإرث الآباء والأجداد

قتيبة أحمد المقطرن عرف مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة منذ فجر التاريخ صيد الأسماك، واهتم به اهتماما كبيارًً، خاصة أن الخصائص المناخية تساعد على تكاثرأنواع عديدة في مياه الخليج. وقد كانت الأسماك تمثل الغذاء الرئيسي للسكان في فترة ما قبل ظهور النفط، وارتبطت هذه المهنة بمهنة صيد اللؤلؤ، كما ارتبطت مهنة صناعة السفن بمهنة صيد الأسماك واللؤلؤ؛ حيث كانت تستورد أخشابها من الهند، ومن أنواع السفن (البغلة، . وفي صيد الأسماك وخوض غمار ) 1 ( البوم، البقارة) البحر عرف الصيادون حياة القسوة والخشونة؛ فتعلموا الشجاعة والصلابة والكرم، وعايشوا البحر في رحلات شبه يومية، يخرجون جماعات وفرادى على متن مراكبهم وقد حزموا كل أدوات الصيد من شِِباك وطعام وشراب... يبحرون إلى حيث يجدون المصائد المناسبة فيرمون شباكهم وينتظرون البحر أن يََم ُُن عليهم بصيد وفير. وقد رصد شعراء الإمارات بصدق وأريحية عمليات الصيد وحركات الصيادين والبحر وسطّّروها في قصائدهم ودواوينهم. وها هو الشاعر أحمد المدني يتحدث عن صائد الأسماك كيف يخاطب ّّالبحر ويسأله العطاء: ِِمع الفجــــــــــــر في بََو ِْْحِِه المََرمـــــــــري ِِيمــــــــــــوج على الأ ُُفــــــــــــــــــق الأزرق ِِرُُؤاه تََهوم في الأخضــــــــــــر ِِطيـــــــــوار ت ََِرُِّف على المشـــــــــــــــرق ِِـــــــــي العطــــــــــــاء ْْدََعــــــــــــاه صغيــــــــــــار سََخ بما فــــــــــــي خزائنـــــــــه من ثميـــــــــن

ََــــــــــــــــــه بالغنـــــــــاء ْْوسامََر أمواج ِ والحنيـــــــــــــــن �ِّ مُُلوََّنــــــــــــــــــة بالمََـــــــــــــــن ْْتََمُُر السنون وتمضي الليالي وتمضي الشجــــــــــــون ويأتي الفرح وليس له غيره من مـــــــــــــــال ) 2 (ْْ إذا الس ََّعــــــــــــــــــد ح ََل به أو نََـــــــــــــــزََح

تهوم، ترف، تمر، تمضي، يأتي) كلها أفعال حركية لتواكب حيوية المكان ودبيب الحياة في أوصاله. ومع الأفعال الماضية نلاحظ حياة الصياد وعلاقته القديمة بالبحر (ساَمَر ََ، دعاه، حل ّّ، نزح) وبين زرقة مياه البحر وحركة أمواجه وحركة الطيور وبزوغ الفجر، لا بد أن تتضوع في المكان رائحة نديّّة، هي مزيج من رائحة البحر والطيور والأفق. ويرصد الشاعرسلطان خليفة رحلة الصيادين الجماعية، وهم يهللون ويغن ّّون ساعين في مراكبهم يمخرون عباب البحرمعتلين ًًأمواجه، يمن ّّون أنفسهم بأن يجود عليهم البحر بأسماكه: ْْبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادََر الصيــــــــــــــــــــــــــــــــــــاد فجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ار فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي كفــــــــــــــــــــــــــــــــــــاح العامليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن

لوحة المدني هذه ترصد حركة صائد الأسماك منذ خروجه مع لحظات الفجر الأولى في رحلة الصيد، ويرصد الشاعر جزئيات المكان بحس شعري متدفق؛ حيث يقف على التفاصيل ويضع يده على اللمسات الجمالية التي أبدعها الخالق في هذا المكان: انعكاس خيوط الضوء الأولى مع الفجر على صفحة البحر، الأفق الهادئ الندي، تعانق ضوء الفجر مع مياه البحر الزرقاء، حركة الأمواج الناعمة، الطيور المغردة جيئة وذهابا فوق مياهه، حركة الصياد على الشاطئ وهويحمل عدة الصيد وصمته وسكينته حينا آخروغناؤه حينا ثالثا ًً) كلها تعكس حالة الترقب والحذر التي يعيشها الصياد وهو ينتظر أن يجود عليه البحر بصيد وفير، كل هذه العناصر تبعث في المكان لمسات جمالية، ويأتي عنصراللون ليكمل جمالية الحركة؛ حيث اللون الأزرق لون البحر، ولون الأفق ساعة الفجر الأولى، وألوان الطيور؛ يضاف إلى هذا عنصر الصوت ليزيد المكان جماًلاً؛ حيث صداح الطيور العذب، وصوت غناء الصياد، وصوت أمواج البحر. وتأتي الأفعال المضارع لتسجّّل الحركة الزمنية للمكان وتتابع أحداثه، منذ خروج الصياد مع الفجر (يموج،

85

84

2024 نوفمبر 301 / العدد

صيد الأسماك في تراث الإمارات: رؤية الشعراء لإرث الآباء والأجداد

Made with FlippingBook - PDF hosting