دراسات إماراتية
ليس البحر بجبروته واتساعه وعنفوانه وتحديه للبشر بعيد المنال لمن أراد الحصول على خيراته، وهل يناله الجبناء والضعفاء؟ كذلك المعركة الحربية لا يكون النصر فيها إلا للقوي المتدرب على حمل السلاح وفنون القتال. خبرتهم بالبحروأسراره وتحديه هي سلاحهم الماضي للوصول إلى كنوزه وخيراته وأسماكه. كما أن للطيور حضوار قويا في كل رحلة صيد، فهي جزء م ُُلازم للبحر، فكما يجد الإنسان رزقه في البحر كذلك الطيور تجد رزقها فيه. هذا جانب من جوانب صراع أبناء الإمارات في الماضي مع عالم البحر، الذي خبروه وخبروا أسماكه وكنوزه، هذا البحر الذي وقف ماردا جباار حينا في وجه أبناء الإمارات فبخل عليهم، وحينا آخر كان إنسانا كريما معطاء فتح لهم أبوابه ومنحهم الرزق الوفير قوتا لهم ولعيالهم، وهم يشقون عبابه في رحلات صيدهم التي داوموا عليها فرادى وجماعات. لقد شاخت شباكهم وتقطّّعت وهم يرمونها هنا وهناك في عمق البحر، فتخرج أحيانا وفي جعبتها الكثير من الأسماك والرزق الوفير، وتكش ّّر في وجوههم أحايين أخرى وتسرق البسمة والفرحة من وجوههم ووجوه عيالهم. هذا هو البحر وهذه رحلات الصيد وأبناء الإمارات في الزمن الصعب زمن ما قبل الطفرة النفطية، فكم جاهدوا هذا البحر وغالبوه ورافقوه في هدوئه وسكونه، وفي هيجانه وثورته، فكم أعطاهم هذا البحر من خيراته وكم ح ََرََمهم! إنه مصدر
رزقهم ورزق عيالهم ولا غنى لهم عنه، ولا يزال الكبار من أبناء الإمارات الذين عايشوا تلك المرحلة يحنون إلى تلك الأيام برغم قساوتها ومرارتها، ولكن تبقى ذكرى رحلات صيد السمك ماثلة في أذهانهم وما زالوا يحتفظون في بيوتهم بقوارب الصيد القديمة وأدواته البدائية؛ تخليدا لهذا الماضي، ولتبقى كذلك شاهدا أمينا على هذا الماضي برغم خشونته ومرارته، ولتذكير الأبناء والأجيال الجديدة بإرث آبائهم وأجدادهم وماضيهم أكاديمي سوري الهوامش والمصادر: . «الأسماك وصيدها في دولة الإمارات العربية المتحدة»، أسامة فوزي، مجلة 1 . 32 ، ص 1984 ، السنة الأولى 9 المنتدى، العدد ، 1 . ديوان (أشرعة وأمواج)، قصيدة (صائد الأسماك)، أحمد المدني، ط 2 . 91 ، ص 1973 منشورات اتحاد كتّّاب وأدباء الإمارات، دبي . غابشا ًً، من الغ ُُب ْْش ََة: ظلمة آخر الليل. 3 . ديوان (شدو الزمن)، قصيدة (لوحة الصيادين والصيد)، سلطان خليفة، ص 4 وما بعدها. 145
خرج هؤلاء الصيادون مع الفجرفي رحلتهم اليومية؛ سعيا وراء لقمة قوتهم وقوت عيالهم ينتزعونها من قاع البحر، رجال أقوياء أشداء لا يهابون البحر، يعتلون أمواجه بعزيمة وإصرار. وفي مثل هذا الوقت يكون البحر غاية في الروعة والجمال، ومعالم الأفق لم تتبين بعد، وكذلك زرقة البحر لم تتكش ّّف بعد، فما زالت العتمة تخي ّّم على المكان، وحركة أمواج البحر تبعث في النفس الخوف والرهبة، ولكن تآلفهم وحركتهم الجماعية على ظهر المركب تبدد هذه الرهبة.. غناؤهم ومواويلهم وصخبهم تشكّّل ملمحا جماليا فهي جزء مهم من أحداث هذا المكان، وعنصرالحركة هو الذي يتسي ّّد هذه اللوحة على ظهرالمركب، وحركة الأمواج، ويأتي عنصر الزمان ليضيف إلى هذا المكان بريقا ًً، فالمكان في هذا الوقت له سحر من نوع خاص (غابشا ينهب بح ارًً) هذا الصياد يصارع البحر ليستل منه رزقه ورزق عياله. ويشيرالفعل (ينهب) إلى حالة من الصراع مع هذا البحر للحصول على السمك بالقوة، وكأنه يسرق وينهب، والبحر لا يمنح خيراته وأسماكه بيسر وسهولة، فلا بد من مغالبته ونزاله. وتأتي حركة الصيادين والأعمال المتواصلة التي يقومون بها على ظهر المركب (يعتلي، ينهب، يسبق، يبعث...) أفعال حركية؛ حيث طبيعة المكان تتطلب هذه الحركة الدؤوبة والجهد المتواصل، وتأتي كذلك أفعال الأمر كنوع من شحذ الهمم والعزائم بين بعضهم لتحقيق الهدف الذي ركبوا البحر لأجله (انشروا، غنّّوا، انصبوا). وقوله (نحن للصيد خلقنا... نحن جند للكفاح) فيه إشارة إلى أن هؤلاء الصيادين مََهََرة وخبراء في التعامل مع عالم البحر، وأنهم ما وُُج ِِدوا إلا للصيد، ويراهم الشاعر جنودا مناضلين كأنهم في ساحة المعركة. أو
ْْي ََعتلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي الأمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواج شهمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
يطلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب الــــــــــــــــــــــــــــــــــــَّرََب المُُعيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
ْْنحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن للصيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد خ ُُلقنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ٍنحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن جنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد للكفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاح
�ٍّ ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ْْنطلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرزق بج
فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ن ُُـشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور ور ََواح
ْْأشــــــــــــــرق الفجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر وغنّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى
فـــــــــــــــــــــــــــي الس ََّمـــــــــــــــــــــــــــــا سـِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرب الطيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــور
ْْفانـشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــروا الغََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزْْل وغنّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا
ًًيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا رفاقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ح ُُبُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور
ينهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب بحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار ) 3 (ًً ْْغابشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ُُفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي مََســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار الس ََّارحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
ُُـطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاه ْْكََلََّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه خ
يبتغــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي الصيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد الثميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
ْْنََسبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق الشُُّهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب ونمضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ع ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراك وف ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاح يبعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــث العـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزم إلينــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ْْ مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن تباشيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر الس ُُّفُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوح
وانصبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا الأشبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاك حتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى
) 4 ( تمتلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ص ََيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا وََفِِيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر نرى في هذه الأبيات ورشة عمل من الصيادين ومساعديهم، أصوات حركة وغناء، ولكنها ورشة عمل في البحر، كل فرد ِبك، �ِّ يقوم بما أُُسند إليه من عمل، فهذا وذاك يجهزان الش والثالث والرابع يحركان المجاذيف، وآخرون يشدون الحبال.
87
86
2024 نوفمبر 301 / العدد
ًً
صيد الأسماك في تراث الإمارات: رؤية الشعراء لإرث الآباء والأجداد
Made with FlippingBook - PDF hosting