قضايا وآراء
خطورة ظاهرة «الفرانكو آراب» على الأمن اللغوي في الثقافة العربية.. تساؤلات ومقاربات
يؤكد أهمية البُُعد الثقافي والأمني والاجتماعي للجانب اللغوي ثمة باب منفتح على تساؤل فلسفي حول التأثير والتأثر في تعليم وتعلُُّم اللغات، فإذا ما كان كل من تكلََّم العربية عُُد عربياًً، «وفق الحكمة العربية القديمة»، فإن المقصود هنا العلم بعادات العرب وتقاليدهم وطباعهم، ولو أخذنا هذا المعنى، فإن من تكلم بلغة غير العربية فإنه يميل إلى الذين يتحدث لغتهم، فمن يتحدث الإنجليزية سيميل إلى الثقافة والفكر الإنجليزيين، ومن يتحدث الفرنسية سينطبق عليه الأمر نفسه، وهكذا، ماذا إذا عما ظهر في الفترة الأخيرة من تهجين للغة العربية على نحو يغير في بنيتها مثل لغة (الفرانكو
آراب) إن جازلنا أن نطلق عليها «لغة ًً»، تلك اللغة الهجين التي تتمظهر بمنطوق العربية، وتكتب بحروف أجنبية، كيف يؤثر ذلك في الهوية العربية؟ وفي الأمن القومي والفكري واللغوي العربي؟ إن مفهوم الأمن الوطني أحد المفاهيم الحديثة في تاريخ الشعوب والدول، وهو ناتج وعي بمفاهيم الدولة المعاصرة، وتحليل المخاطر المحيطة بالدول، وقد عرّّفه (عبد الوهاب الكيالي) بأنه: «تأمين سلامة الدولة ضد أخطارخارجية وداخلية قد تؤدي بها إلى الوقوع تحت سيطرة أجنبية نتيجة ضغوط ، ومن ثم فإن أي عنصريهدد بوقوع ) 3 ( خارجية أو انهيارداخلي» الدولة تحت سيطرة أجنبية هو مناط اهتمام القائمين على الأمن الوطني، ويدخل في دائرة اختصاصهم في البحث عنه وإيجاد كيفية لمواجهته، وتقييم مخاطره. وليست اللغة ببعيدة عن هذا الأمر، فهي واحدة من عناصر التهديد المباشر للأمن المجتمعي والقومي حال ضعفها أو السيطرة عليها، «وأمن اللغة لا يقل أهمية عن غيره في منظومة الأمن العام، إذ إن اللغة ركن ركين وأساس متين، في بناء الحضارات ونهضتها، وهي الوسيلة الفاعلة في تحقيق كل . ) 4 ( أنماط النمو للأمم والمجتمعات» ولعل من النقاط التي لم يولِِها العرب أهميتهََا الكافية بعد:
حمزة قناوي
ويمكن القول إن هناك لغاٍت من طبيعتها أنها لغاٌت مفصلية من الناحية العالمية، بمعنى أنها تحقق لنفسها حضوار مختلفا ومتماي از في الوجود العالمي عن لغاٍت أخرى قد لا تحقق حالة الحضور والتفاعل نفسها، في طليعتِِها اللغة العربية، خاصة مع عدد المسلمين الهائل في كوكبِِنا، وقد تحقق اللغة أهميتها عبر سيادة أفرادها على مختلف أنحاء العالم، أو عن طريق سيادة قيمها وأفكارها ومعتقداتها، ولا شك أن اللغة العربية بحكم كونها لغة القرآن الكريم، وتحمل خصوصية متفردة في الإعجاز الإسلامي وبحكم كون القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة على مرالعصورللإسلام الحنيف، فإنها تعد من اللغات المفصلية ذات السيادة التي لا يمكن تنحيتها عن استحقاقها موقع الصدارة العالمية؛ ومن ثم فإن «اللغة العربية - اليوم - تعد عاملا رئيسيا يسهم في بناء الشخصية الفردية والجماعية، ويحميها من الانسلاخ والذوبان في الآخر. وبهذا يُُضمن الأمن ، وهو ما ) 2 ( الثقافي والاجتماعي والسياسي للشعوب والدول»
ت ُُشيرالأبحاث والدراسات المعاصرة إلى أهمية اللغة كع ُُنصر م ُُك ّوّن من عناصرالشخصية القومية، فـ «هي المعمارالخفي ؛ وهي ليست ذات أهمية ) 1 ( الذي يُُشيّّد به الفكر ويستقيم» خاصة بالفرد فقط، بل هي ذات أهمية كبيرة للمجتمعات الإنسانية عامةًً، فلكل مجتمع لغته أيضاًً، بل في داخل كل مجتمع توجد مجتمعات أخرى منبثقة عن المجتمع الأصلي، لها لهجاتها التي تتوافق مع لغة المجتمع الأساسية من ناحية، ولها تميزها الخاص من ناحية أخرى، وإلى جانب ذلك فإن اللغة من أهم ملامح شخصية الإنسان، فهي تتحكم في الكثيرمن قيم ِِه ومعتقداته، وطريقة نظرته للعالم من حوله، وكذلك تتحكم في طريقة تفاهمه وتواصله مع أقرانه من أفراد المجتمع الذي يعيش فيه أيضاًً، وفي كيفية رؤيته للآخر الأجنبي الذي يستخدم لغة أخرى مغايرة.
93
92
2024 نوفمبر 301 / العدد
خطورة ظاهرة «الفرانكو آراب» على الأمن اللغوي في الثقافة العربية.. تساؤلات ومقاربات
Made with FlippingBook - PDF hosting