قضايا وآراء
هنا اهتمام الجامعات الأجنبية بهذه الظاهرة، وتقديمها على أنها لغة جديدة، بديلة للغة العربية، تنحو إلى إخفاء الحروف العربية وتوريتها، والتحدث والتواصل بين العرب عبراستخدام الحروف اللاتينية، وتبذل الجامعات الأجنبية وشركات التقنية جهدا كبيار للعمل على تحقيق سيادة لهذه اللغة، حتى أنهم وضعوا لها تطبيقاِت ترجمة فورية، ما إن تكتب النص باللغة العربية حتى يترجمه إلى لغة «الفرانكوآراب» والعكس بالعكس أيضاًً، وهو ما يجعلنا نتساءل: لماذا كل هذا الجهد؟ هل هو من قبيل تيسير التواصل بين المتعاملين على مواقع التواصل المجتمعي باللغة العربية بين البلدان المختلفة التي قد لا تتوافر أحيانا بها لوحات مفاتيح عربية، أو أجهزة حاسب آلي لا تدعم العربية، فكانت هذه فكرة حل وسيط بين المتواصلين عبر المواقع العنكبوتية في الدول العربية والعرب في الدول الغربية، أم إن الأمريحمل في طياته ب ُُعدا ثقافيا خاصا بمحاولة إضعاف اللغة العربية؟ على أي حال قد تدخل تلك النقطة في تحليل النوايا، وهو أمر يطول مقامه هنا، وقد لا نستطيع إثباُتُه بشكل علمي، لكن ِ، أن هذه الظاهرة تؤثر �ِّ الثابت علميا وما لا يدع مجاًلا للشك تأثي ار كبي ار على اللغة العربية، ويجدر النظر إليها باعتبارها ظاهرة تُُهدد أمن اللغة العربية، ومن ثم تهدد الأمن الوطني، خاصة أن هذه الألفة مع الحروف اللاتينية، تأتي على حساب الألفة مع اللغة العربية ذاتها، ففي ظل ظاهرة «الفرانكو آراب» تتوارى خصائص كاملة من خصائص العربية التي تعطيها تميزها الخاص، فهنا لا نجد نحوا ولا صرفا ولا بلاغة ولا غيرها، مجرد حالة «خام» من حالات توصيل المعنى على حساب جماليات اللغة، إذن تهدد ظاهرة «الفرانكو آراب» جماليات اللغة، وهي إحدى خصائص اللغة العربية التي استطاعت استيعاب الإعجاز الإلهي الخاتم في القرآن الكريم، أضف إلى ذلك اعتياد مجموعة من السلوكيات المصاحبة لاستخدام هذه الظاهرة، فمن فقد القدرة على التواصل باللغة العربية في حروفها العربية، لن يكون قادار على التواصل مع المصادر العربية السليمة، ومن ثم سيستقي أفكاره ومعلوماته وعاداته وقيمه من المحتوى المتاح بـ (الفرانكو آراب)، وهو محتوى يزداد وينمو كل يوم، في غيبة عن وعي العالم العربي. إذن تمثل ظاهرة «الفرانكو آراب» ظاهرة خطرة تحتاج إلى آلية للتعامل معها، ولعل أفضل آلية هي العمل عبر وسائل التعليم المختلفة، سواء التعليم الرسمي أو التعليم الحر، أو
الاهتمام بالجانب الأمني اللغوي، ذلك أن مناط المسؤولية فيه متشعب، فالأمن اللغوي يمثل منظومة متعددة تشمل جوانب كثيرة لها دورفي تحقيقه، مثل التشريعات والقوانين، والجهات الأكاديمية، ومجامع اللغة العربية، منظومة متكاملة عليها أن تحقق الأمن اللغوي معاًً. لكن في السنوات الأخيرة ظهر ما يعكر صفو هذه المنظومة، ًًا ويستمد خطورته من كونه قادار على العمل والفاعلية بعيد عن أعين الرقابة الرسمية وغير الرسمية، وذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، ولعلها أخطر ما يهدد أمن المجتمعات العربية الآن بشكل عام، وأكثر ما يهدد الأمن اللغوي بشكل خاص، بل إن استهداف منصات التواصل الاجتماعي للغة يفوق أي استهداف لأمر آخ ََر، ففكرة التواصل السريع والمباشر سواء مع مواقع أجنبية أو مع أشخاص لا ينتمون إلى ثقافتنا أو يمثلون هويتنا هي نفسها فكرة تهدد سيادة مفهوم الأمن اللغوي، كما أن جانب التقنية الحديث الذي يعلي من قيمة اللغة الإنجليزية على حساب غيرها من اللغات الأخرى، وتحول اللغة الإنجليزية إلى متطلب أساسي من متطلبات سوق العمل، جعل الكثيرين يهتمون بها أكثر مما يهتمون بلغتهم الأم التي لم تعد كافية بمفردها بأن تخلق لهم مجا ًلا في المنافسة في سوق العمل، كل تلك الأمور تهدد الأمن اللغوي العربي. ومواقع التواصل الاجتماعي ليست ظاهرة واحدة تهدد الأمن القومي والأمن اللغوي، بل إن في داخل هذه
الظاهرة - التي لا يمكن فصلها عن ظاهرة التطور التكنولوجي عامة ًً، والبرمجة والإلكترونيات وغيرها من العناصر المرتبطة معا - في داخل هذه الظاهرة ظواهرمتعددة، كل منها له تأثيره الاجتماعي واللغوي والثقافي والأمني الخاص به، إذ يمكن تقسيم هذه الظاهرة إلى العديد من الظواهر التي يستحق كل منها أن يكون مناط بحث متخصص، أو إن شئنا الدقة يعهد بها إلى باحثين ومحللين متخصصين، يتكاملون مع باقي التخصصات ويمكنهم أن يقدموا الحلول والتوصيات، ومن بين هذه الظواهر التي ربما لا يلتفت أحد لخطورتها ظاهرة » الأمريكية فإن: PARK« «الفرانكو آراب». وبحسب جامعة بارك آراب هي لغة حديثة الاستخدام لا تعتمد Franco «لغة الفرانكو على قواعد محددة، وهي مزيج بين اللغتين العربية واللاتينية، وقد زاد استخدامُُها بشكل واسع على مواقع التواصل الرقمية المختلفة مثل «الفيسبوك» و«الماسنجر» وهي في ازدياٍد لتوسع وظهور المزيد من مواقع التواصل ا � متصاعد نظر والدردشة حول العالم، وقد اتجه أغلب الأشخاص إلى ترجمة «فرانكو» بسبب توافر الرموز والحروف اللاتينية فقط في لوحات المفاتيح الخاصة بهم أو في شركات الاتصال وقتها، خاصة في حقبة الرسائل النصية، لذلك اتجه أغلب الأشخاص إلى استخدامها مضط ار إلى توصيل الكلام وهو ما كان أشبه بالرموز والشيفرات حينها، وترجمة «الفرانكو» تعني كتابة . ونلاحظ ) 5 ( الكلمات العربية بحروف لاتينية وأرقام إنجليزية»
عبر منصات البث المباشر وغير المباشر، ومواقع التواصل الاجتماعي، على توفير محتوى يعلم اللغة العربية، سواء للعرب، أو لغير الناطقين بالعربية، على نحو يذلل عقباتها، مع محاولة التفاوض مع الدول الأجنبية على توفير اللغة العربية كلغة أساسية ضمن متطلبات تشغيل أجهزة التكنولوجيا الحديثة من الأجهزة اللوحية، أو الحاسب الآلي، أو الجوّّال، والتفاوض مع الشركات المصنّّعة على أنه سواء كانت النسخ المصنعة من هذه الأجهزة معدة للشرق الأوسط أم مقدمة للدول الأجنبية الأم، فإنه يجدرأن تحتوي في داخلها على اللغة العربية كإحدى اللغات الأساسية ضمن لغات التشغيل، خاصة مع عدد الناطقين والمتعبدين بها عبر تلاوة القرآن الكريم على مستوى العالم، فهي تستحق الاهتمام بها من قِِبل مُُصنّّعي هذه الأجهزة. أتصور أنه في مقابل اهتمام الجامعات الغربية وشركات التكنولوجيا الحديثة بوجود معاجم تترجم بين العربية و«الفرانكو آراب»، فإنه يجدر أن تكون هناك طفرة من ق ِِبل العالم العربي في تحقيق ترجمة فورية دقيقة من أي لغة في العالم إلى اللغة العربية والعكس بالعكس، وليس الاعتماد على ثقافة أخرى غيرعربية يقوم متخصصوها بإجراء هذه الأبحاث، مع الاهتمام بوجود أبحاث مكثفة عن اللغة العربية في دوائر كليات الهندسة والتكنولوجيا والبرمجة وخلافه، ومحاولة في Artificial intelligence الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دعم تطويروتعلم الترجمة من اللغة العربية وإليها، حتى نحقق لها سيادتها التي تستحقها شاعروناقد مصري الهوامش والمراجع: . الهوية العربية والأمن اللغوي، عبد السلام المسدي، دراسة وتوثيق، المركز 1 . 263 م، ص 2014 العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، بيروت، . «العربية لسان الهوية، الأمن اللغوي والوعي المستقبلي»، شقيقة العلوي، 2 م. 79 م، ص 2015 ، يونيو 22 مجلة الأثر، عدد ، المؤسسة العربية للدراسات 1 . موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، ج 3 . 331 والنشر، بيروت، د.ت، ص . «أمن اللغة: عمق استراتيجي لأمن المجتمع والأفراد»، عبد الله البشير، دائرة 4 . 5 م، ص 2011 الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، إدارة البحوث، حكومة دبي، م، انظر الموقع 2024 / 6 / 24 . جامعة بارك تمت استعادة المادة بتاريخ 5 الإلكتروني التالي: https://my.park.edu/ICS/icsfs/franco-translator.html?target=5e0f4b50- 408a-4d27-9ab3-78860babad0b
95
94
2024 نوفمبر 301 / العدد
خطورة ظاهرة «الفرانكو آراب» على الأمن اللغوي في الثقافة العربية.. تساؤلات ومقاربات
Made with FlippingBook - PDF hosting