ج ُُلساء التراث
قراءة في كتاب «أسامة خضراوي» «أسرار الح ََكواتي».. سرد لذكريات «الحلايقي» وثقافته
حلقات تجمع الناس في أوقات وأماكن محددة، أو كانت نقلا متواصلا ومتصلا خاٍلٍ، أحياناًً، من محاكمة العقل أو حتى مساءلته وتساؤلاته، فإنه يكشف لنا حياة البشر من حيث هي «حبلى بأسرار البقاء من ناحيتين، الأولى: تدفق روايات البشر في تعارفهم وتدافعهم»، والثانية: «النظر إلى المألوف والمعروف والمقبول في الزمن الماضي بعين الشك والريبة، أو بنظرة عجائبية تؤدي أحيانا إلى صناعة خياٍل بأثر رجعي، في مواجهة حياة غرقت في واقعية منهكة ومستفزة لم يعد فيها يْْرََّة الجاذبة شيئاًً». من الس ََّح نظرية التّّلق ّّي الأمر ذاك يُُح ِِلُُينا - بوعي كامل - إلى الحديث هنا عن كتاب أراه مرجعا مهمّّا ليس على مستوى البحث والدرس الأكاديمي فقط، وإنما على مستوى الثقافة الشعبية التي نشترك فيها مغاربيا أيضا خاصة، وعربيا عامة.. إنه كتاب «أسرارالحكواتي.. للباحث الدكتور ) 1 ( جماليات الح ََكي وذخائر الس ّّير الشعبية» . ) 2 ( «أسامة خضراوي» لقد جاء اختيار المؤلف لموضوع كتابه هذا نابعا من دوافع ذاتية متمثلة في حب المعرفة ومسايرة التطورات النقدية الحديثة في الساحتين الغربية والعربية، وخصوصا نظرية
خالد عمر بن ققه تتعاقب الأزمنة، ويعيش البشر لحظة تشك ّّلها في أماكن قد تألفهم ويألفونها، ثم يعبرون من خلالها في رحلة الوجود المحدود على المستوى الفردي، والممتد في بُُعده الجماعي إلى فضاءات يتم الاستئناس فيها بسرد قصص الحياة، التي تأخذ قوتها، وسر بقائها، ومتعة روايتها، وقوة تأثيرها من عجائبيتها من جهة، وتراكمها من جهة أخرى، حتى أنها كلما ذهبت بعيدا لجهة الذكرى، وعادت قريبة من ناحية التذكر إلا وانجذب إليها الناس استماعا وتسلية وفرجة، وموعظة ترقى أحيانا إلى مستوى الحكمة. وفي كل ذلك يحضر الس ّّابقون عبر حكاياتهم، العابرة للأزمنة وللأمكنة، فيقيمون بيننا، ويشدونا إليهم بحبال قوية، فتبدو قصصهم مرجعية لنا لجهة القول: «لقد صنعوا لنا معرفيا ما يجعلنا في شوق لزمانهم على ما فيه من مصاعب ومشاق مقارنة مع عصرنا، وفي حالات كثيرة نرى ما فعلوه على مستوى العلاقات عبرة وحكمة، وليس حديثا يفترى، وربما يعد ذلك بدايات للتقرب من س ِِير الأو ّّلين». ِيََر، أو جاءتنا هي من خلال الثقافة �ِّ وإذا ذهبنا إلى تلك الس
عند تقديمه للكتاب: «صوت ثقافي يحمل ذاكرة شعبية جماعية قاومت الزمن، وهو يعمل على تََرْْهِِينها باستمرار، مقدما من . ) 4 ( خلالها خلاصات تاريخ ثقافي وتجارب حياتية ثرية» بالمعنى السابق يطرح الحكواتي هنا - استحضاار واستنهاضا ِل نوعا من التجمّّع البشري حول خطاب �ِّ وتثوي ار - ثقافة تُُشك ِروي ُُوحي، ويأتي من ما ٍض بعيد هو أقرب إلى التفاعل �ِّ يُُمْْتع ويُُذ ََك والتجاوب مع الحلقة في حالتين، الأولى: حلقة الذكر، مثلاًً، ويمكن اختزالها في جلْْسة «الحلايقي» كما هي الحال في المغرب، الذي له ثقافة خاصة بيََّنََها الدكتور سعيد يقطين بقوله: «ثقافة الحلايقي تعبيرعن صنعة لها تقاليدها وأصولها؛ فإلى جانب القدرة على الأداء والإقناع يمتلك موسوعة لغوية تمكّّنه من الإبداع، وجذب الانتباه من خلال بلاغة خاصة . والحالة الثانية حلقة المدح، كما هي ) 5 ( توحّّد الحلايْْقية» في التجربة الجزائرية - سنأتي على ذكرها لاحقا - ومنها اشتق اسم «المدّّاح» وكانت قائمة إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، فقد كان «المدّّاحون» - جزائريون ومغاربة - يجوبون القرى وبعض المدن، حيث يجتمع الناس حولهم في الأسواق
د. أسامة خضراوي
د. سعيد يقطين
والمناسبات يََرْْوُُون لهم من السّّير، المصحوبة في الغالب بمدائح دينية، أتذكرهم اليوم من خلال تجارب معايشة خاصة بي، كما يذكرنا بهم الدكتور أسامة خضراوي في كتابه هذا. جامع «الفنا» قبل أن نتطرق إلى مزيد من التفصيل حول «الحكواتي» سواء من خلال المعايشة النظرية له في هذا الكتاب، أو عبرتجربتي ، علينا أن نقدم وصفا لهذا الكتاب، ) 6 ( الخاصة معه في ص ِِغََرِِي كما جاء على لسان مؤلفه، حيث يقول: «إن كتابنا الموسوم بـ: أََس ْْرََار الح ََكََوََاتِِي.. جهد مُُقدّّر، ننش ُُد من خلاله تقديم صورة بسيطة لإحدى تجليات جمالية التََّلقّّي لـ(هانس روبرت ياوس) )، وإسقاطها على ثنايا الأدب الشعبي، Hans Robert Jauss) (7 ( المتمثل في حلقة السير الشعبية التي تمثل مرآة تعكس واقع الشعوب العربية، التوّّاقة إلى البطولات والملاحم والأمجاد
الشعبية، خاصة في جانبها الشفاهي، فإننا سنجد أنفسنا أمام دلالات ورموز وجب علينا معرفتها، وقد ننحازإن هي شك ّّلت، في ظهورها وتجلياتها، طلاسم إلى سبل فك شفراتها، وإدراك كنهها، وقراءة رسائلها، وهذا كله مرتبط بالبحث والدراسة، حيث البُُعد النظري المشكّّل للاستنتاجات والرؤى والنظريات، ولكن ماذا عن المتعة.. متعة التذوق، والاستماع، والتفاعل؟ البحث عن المتعة سواء تعلقت برواية قصص ح ُُفِِظ ََت في الأسانيد، ثم تحولت إلى حكي في
التلقي، ودوافع موضوعية تتعلق بمحاولة النبش في الذاكرة الشعبية ونفض الغبار عنها واستجلاء مظاهر التلقي فيها، وذلك لإبراز الدور الأساسي الذي يلعبه المتلقي، الجمهور، السامع، القارئ، في خلق تواصل إيجابي يعيد للموروث حياة أخرى. دوافع المؤلف الذاتية والموضوعية أشركنا فيهما بحثياًً، لأن موضوع دراسته يتعلق بالراوي وبأسراره، كونهما يشكلان معا فضاًء واسعاًً، يفرض نوعا من التأمل الذاتي والجماعي، ذلك ) 3 ( لأن الراوي كما ذكرالدكتور«سعيد يقطين»
99
98
2024 نوفمبر 301 / العدد
قراءة في كتاب «أسامة خضراوي» «أسرار الح ََكواتي».. سرد لذكريات «الحلايقي» وثقافته
Made with FlippingBook - PDF hosting