عمران
كم من 55 وأنت في طريقك إلى قلعة «العانكة» التي تبعد مدينة العين باتجاه أبوظبي، تنبسط أمامك الس ّّهول، وتظهر لك المزارع والأراضي الزراعيّّة التي انتشرت فيها بعض أشجار النّّخيل والغاف تحوط بالمزارع، وها هم العمّّال الذين توزّّعوا في الأراضي الزراعيّّة يجمعون نبات الليبد والدّّخنة والدّّفلى ثم يقومون بحزمها ورص ّّها على شكل أكوام مستطيلة الش ّّكل للبدء في تحميلها على الشاحنات. كانت كثبان الرّّمال العسليّّة تتكش ّّف على مدى واسع يحيط بقلعة العانكة من كل اتجاه، وكانت طيور الشويهين الخضراء وطيور اليؤيؤ واللمّّوع الذي يطلق عليه باللّّهجة المحلّّية «عقاب البادية» تغرّّد في الفضاء من بعيد وترسم لوحات بديعة في تشكيلاتها وحركتها الدّّائبة. وكان هناك عدد من النّّياق السّّارحة ترعى في بعض المزارع، ثمّّة حياة حافلة بالخير والزّّرع والبشر، حياة من نوع آخر، حياة لا يعرفها إلا من ذاق حلاوتها ومرارتها، ولا يغيب عنّّي وأنا في طريقي للقلعة ما كتبه ويلفرد ثيسجر الملقب بمبارك بن لندن في كتابه عن الرّّمال العربيّّة وكيف تحدّّث عن هذه الحياة بقوله: «فكّّرت في حياة البدو البالغة الص ّّعوبة في هذه القفارالموحشة، وكم هي نفوسهم نبيلة وصبورة». ها أنذا أمام القلعة التي سوف أتحد ّّث عنها ودون دليل سياحي لأن القلعة تظهر لك منتصبة وسط السّّهول المنبسطة، ّّتظهر كمنارة للغادي والرائح وتحس بأهميّّة وجودها في هذه المنطقة التي تمثّّل بوّّابة أبوظبي من طرفها الشمالي والشرقي تسمية العانكة أحسب أنه ليس من قبيل المصادفة أن تسمّّى القلعة بهذا
من ذاكرة الط ّّين: أسرار قلعة الع ََانْْكة العسكريّّة
الاسم «العانكة»، وأدرك اليوم لماذا اختار الش ّّيخ سعيد بن طحنون هذا المكان ليبني قلعته فيه، فهذا الس ّّهل المنبسط من كل الاتجاهات المترامي الأطراف يسمح للقلعة بالإشراف ِ حركة على الأرض، وقد تيق ّّن لي ذلك بعد �ِّ والمراقبة التّّامّّة لأي أن وقفت على سطح القلعة، وأخذت أراقب الجهات كلها، لكأنّّي أصبحت مالكها، ولهذا أستطيع تفسير أمرين: الأوّّل: ما نسب إلى الشيخ سعيد بن طحنون من الدّّهاء والحنكة السياسيّّة، في بنائه للقلعة، وقد استفاد من انبساط الأرض من جهة فأشرف على كل المنطقة التي تعد بوابة أبوظبي وهي إن سقطت في يد الأعداء فإن أبوظبي لن تكون بعدها صعبة المنال. ولذلك فإن استدراجه أعداءه لهذه المنطقة تمنحه القدرة على المناورة فهو الذي يقرّّر ساحة المعركة ومكانها، وفي العرف العسكري من يتحكّّم في الأرض ويعرف تفاصيلها وطبيعتها سيكون هو المنتصر فيها. وقد تحق ّّق له ذلك. والثّّاني: هو أن الش ّّيخ سعيد بن طحنون كان يعرف طبيعة
محمد فاتح صالح زغل أن ثم ّّة بعدا روحيا يربط الإنسان بماد ّّة الط ّّين، هذه الماد ّّة التي تعتبرالمكو ّّن يبدو الرئيس لخلقه، مم ّّا أسهم أكثرفي تبن ّّي هذه الماد ّّة كمكو ّّن رئيس لعمارته، لأنها تحق ّّق قدار كبيار من التلاؤم والانسجام بين الإنسان ومحيطه الحيويّّ، وقد ساعد هذا الت ّّوافق والانسجام أكثر في استمرار العمارة الطيني ّّة عبر مختلف العصور. و(الص ّّاروج)؛ وهي لفظة فارسيّّة معرّّبة تطلق في الإمارات على نوع من الط ّّين الأحمر المحلّّي، حيث يتم خلطه بروث الأبقار والحيوانات الأخرى، ليصبح أشد مقاومة وأكثر تماسكا وأقل نفاذي ّّة للماء، ومانعا للحرارة وهو شبيه بالإسمنت نفسه، وقد أثبت (الص ّّاروج) من خلال آلاف المباني والقلاع والحصون العسك يرّّة المشيّّدة في الإمارات تفاعله وملاءمته مع الظروف الطبيعيّّة بالمنطقة.
105
104
2025 فبراير 304 / العدد
من ذاكرة الط ّّين:أسرار قلعة الع ََانْْكة العسكريّّة
Made with FlippingBook - Share PDF online