ذاكرة الأجداد
إلى بر الأمان، ولكل سفينة شراعية نوخذة ومعلّّم، والمعلّّم أعلى رتبة من النوخذة، يعني مثلا أنا كنوخذة أقود السفينة لكنني لا أعرف الاتجاه أو المسافات التي أقضيها خلال مدة سفري، وهنا يأتي دور المعلّّم. وهناك الكمال البحري؛ وهو جهاز يستخدمه النوخذة لتحديد موقع السفينة، وأيضا كنا نستخدم أشعة الشمس في معرفة الاتجاهات. مثلا أنا سافرت بح ار من زنجبار باتجاه دار السلام، فمن خلال أشعة الشمس التي تسقط على السفينة ظه ار أعرف أين تغيب الشمس غداًً. وأيضا كمعلم أعرف سفينتي كم ميل بحري سارت، أعرف عمق البحر الذي وصلت إليه، عن طريق الخرائط والكمال، أما البوصلة فأستخدمها صباحاًً، وفي الليل أتجه حسب نجما يبتدأ من نجم 32 اتجاه النجوم. والبوصلة تتضمن «الياه»، ونجم الياه هو نجم سهيل، ويسمى الياه حينما يراد به الاستدلال على الشمال، ويسمى نجم سهيل عندما يشير إلى الجنوب وهو النجم الوحيد الذي لا يغيب. كنا نتبع النجوم من الياه إلى النجم القطبي لندرك ما يسمى بالمطاليع، ثم نتبع النجوم من القطبي إلى الياه لندرك ما يسمى بالمغيب. فأنا كقائد يجب أن أعرف الاتجاه الذي تسير السفينة به والتيار الذي تسير السفينة معه، والهواء الذي يسير ضد مساري، وأتجه حسب كل المعطيات هذه. على سبيل المثال، سأسافر
السفن من البصرة إلى مدينة مومباي في الهند. وحينها كانت السفن شراعية بدون محركات كما اليوم. وفي بعض الأوقات كنا نتعرض لعواصف ورياح شديدة وأمطار غزيرة وقراصنة البحر وغيرها... ولكن كان البحارة متمرسين في قيادتها نحو وجهتها بأمان. بعد تسليم البضائع للتجار في مومباي، يبدأ البحارة بصيانة السفينة إذا لزم الأمر، ثم تبحر كل سفينة إلى وجهتها التالية حول العالم. على سبيل المثال إلى سواحل أفريقيا وسواحل زنجبار. وكانت زنجبار والمناطق من حولها تغذي هذه السفن كلها بالقرنفل وجميع أنواع البهارات التي اشتهرت بها، إضافة إلى الزيت الهندي والمانغو والموز وجوزة الطيب والقرفة والزنجبيل.. إلخ والتي كانت غنية بها. وإذا كان 50 إلى 40 البحر هادئاًً، كانت مدة الرحلة تستغرق ما بين يوما في البحر». فن الملاحة عبر البحار وحول الاستدلال في البحر قال: «طبعا كنا أحيانا نتعرض لقراصنة وعواصف وأمطار غزيرة والشعاب المرجانية والأمواج العاتية والرياح القوية وكل أنواع أهوال البحر، ولكن خبرة أبناء الخليج ونواخذهم في كيفية قيادة السفن الشراعية ومعرفة زمن المسير وزمن الوصول كانت تصل بنا
كنا «نُُعلي» في البوم، أي نذهب للبصرة، وعند تحميل البضائع نتجه للهند، فنقول إننا «نسن». كان النوخذه يعطي أوامره للبحارة بكلمة «انبش» أي انبش الشراع، أي قم بإخراج الشراع من المستودع. وكل حبل له وظيفة، فمثلا إن أردت أن أغير اتجاهي أغير حركة حبال معينة، وهناك حبال أخرى تسمى الحبال الرافعة؛ كانت وظيفتها نقل البضاعة من ميناء إحدى الدول إلى السفينة، وحبال أخرى اسمها فرمل العود، وفرمل الدجل الصغير (والجيم في كلمة دجل تلفظ كما يلفظها المصريون)، وحبال الجامعة، وإذا كانت حبال الفرمل تصعد فحبال الجامعة تنزل، والعكس صحيح. وحبال اسمها دستور يمدون بها الأشرعة، وحبال اسمها صياوين ومفردها صي تدرس حركة
ميل، فإذا وصلت في الميعاد المطلوب، فقيادتي 500 مسافة للسفينة ومعرفتي بالاتجاهات صحيحة ودقيقة، لكن إن لم أصل في الميعاد ربما أتوه في البحر وبالتالي أنا غير جدير بقيادة السفينة». السفن البحرية تحدث محمد عبد الله النقبي عن السفن ومكوناتها مضيفاًً: "كنا نسافر بالبوم، وهي مصنوعة بالكامل من الخشب، بحاارًً، وكنا حينها ننام على سطح 40 إلى 35 وتتسع لما بين السفينة، لم تكن فيها آنئذ غرف مخصصة للراحة والنوم، وقائد السفينة له مكان مخصص للإقامة، وكان يطلق عليه «الن ُُّوخذه»؛ وهو من يرجع إليه جميع البحارة لاتخاذ القرارات
111
110
2025 فبراير 304 / العدد
حياة البحر ومصطلحاتها كما يرويها البحار الإماراتي محمد عبد الله النقبي
Made with FlippingBook - Share PDF online