torath 304- feb-2025

ذاكرة الأجداد

كما يجب، معنى ذلك أنه ضيّّع السفينة في البحر، والبحر ًًا فضاء واسع. وفي بعض الأوقات كنا نتوه في البحر أشهر عدة، والسفينة تمشي دون معرفة وجهتها إلى أن يرسل الله تعالى لها سفينة أخرى تدلها على البوصلة الصحيحة. وكم من السفن تاهت دون أن يصل إليها أحد وكم من البحارة خسروا حياتهم في البحر بسبب ذلك. إن في الإبحار في البحر من الصعوبة ما يفوق الوصف، لكن في الوقت نفسه فيه من الرزق والخير الوفير، ولكي تجني الرزق يتطلب ذلك الشجاعة منك والصبر وإدراك كيف تصل لوجهتك. فكنا غالبا نبحر في الشهر الثامن ونعود لبلدنا في أشهر نقضيها في السفينة نفسها 10 الشهر الخامس، حوالي بالبحر. ويشعر البحارة وكأن عرسا لديهم حينما يصلون إلى بلادهم؛ الكويت، الإمارات... إلخ، محمّّلين بالهدايا من كل البلدان التي زاروها. أحيانا كنا نمر بمضيق باب المندب، وأحيانا بما يسمى رأس الحد بسلطنة عُُمان (ساحل قرية عمانية)، لكن لا يوجد بندر أي مرسى سفينة يستطيع تفادي العواصف مثل بندر خورفكان. كان بعض البحارة ينشدون التالي عن خورفكان: «وعبرتي من مكلا مسند على خورفكان. بندرش يا خورفكان بندر خيار البنادر». الصيد في البحر عن الصيد في البحر، يذكرمحمد عبد الله النقبي قائلا ًً: «الصيد في خورفكان عبارة عن مواسم، ففي شهرمعين نستطيع صيد سمك من نوع معين، وفي شهر آخر نصطاد نوعا آخ ار من

الشمس والظل.. إلخ. داخل السفينة، في زاوية معينة، يوجد «السريدان» (أو «الصريدان» في بعض المناطق)، وهو صندوق خشبي في مؤخرة السفينة، يحتوي على فتحة واحدة للطهي للبحارة. بالإضافة إلى خزانات المياه التي تسمى «الفنطاس»، التي لتر من مياه الشرب. وإذا طالت 1000 إلى 800 تحتوي على مدة السفر، يتم وضع حارس للفنطاس لتحديد كمية المياه المقدمة للبحارة، مما يساعد في تقليصها لتوفيرها حتى الوصول للوجهة. أما الاستحمام وغسيل الملابس فيتم باستخدام مياه البحر، إذ يمنع استخدام مياه الفنطاس لذلك الغرض». نظام الطعام في البحر في هذا السياق، يوضح محمد عبد الله النقبي قائلاًً: «نظام الأكل في السفينة كان منظما حسب مواعيد محددة للفطور والغداء والعشاء. وكان الطعام المفضل على متن السفينة هو التمر. والمسؤول عن مخزن الطعام، الذي يحتوي على السكر والملح والدقيق واللحوم وغير ذلك، يُُسمى «وكيل دبوسة». وعندما يقرر النوخذة الطبخة المطلوبة، يوجه الطباخ ليحصل على المواد اللازمة من وكيل الدبوسة بكميات دقيقة دون زيادة أو نقصان». ويكمل محمد النقبي: «والمجدمي هو رئيس البحارة الذي يتلقى الأوامر من النوخذة وينقلها للبحارة. ويتم تقسيم الليل إلى فترتين لتناوب البحارة؛ حيث يتم بحاار لكل فترة زمنية. النصف الأول يبدأ بعد 20 تخصيص ليلاًً، ثم يبدأ النصف 12 صلاة المغرب ويستمر حتى الساعة صباحا ًً. وخلال النهار لا 6 حتى الساعة 12 الثاني من الساعة توجد مناوبات. وعند رسوالسفينة في الميناء، يذهب النوخذة إلى التجار لتسليم واستلام البضائع، وي ُُعين المجدمي أو أحد البحارة الآخرين للقيام بالمهام بينما يعود النوخذة». البحر يتطلب الشجاعة والصبر يقول محمد عبد الله النقبي موضحا وصفه لتجربة السفر في البحر: «في الليل يعطي النوخذة؛ أي قائد السفينة، أوامره إلى مسؤول سير السفينة. وكما أسلفت ُُ، فبعض السفن تتوه في البحر، بسبب أن حسابات مسؤول سيرالسفينة لم ت ُُستخدم

فهي من أنواع الهواري، والشواحيف، والبتيل، والشوشة».

السمك، يعني أن كل شهر يدر علينا بنوع معين من الأسماك. ويبدأ الشتاء من درالعشرأي من منتصف شهرأغسطس حتى درالمية أي حتى نهاية شهرفبراير. كنا نصطاد ليلا في بعض الأحيان، ونهاار في أحيان أخرى، وأحيانا نبدأ الصيد مع شروق شمس اليوم إلى شروق الشمس في اليوم التالي. وكان عدد السفن أو القوارب المخصصة سفينة أو قارب صيد موجودة 30 إلى 20 للصيد حينها ما بين صيادا ًً، 20 إلى 15 في البحر، وكل واحدة منها تتسع لما يقارب وكنا نصطاد السمك بالصنارة، حيث نبدأ الصيد من الفجر إلى ما قبل فترة الظهيرة، ثم نكمل الصيد من فترة العصرإلى فترة العشاء. قد يقل الصيد في الصيف بسبب حرارة الطقس والسمك يبتعد في البحرأكثرمما يكون عليه في فترة الشتاء، وكنا نصطاد سمك التونة والكنعد والبياح والعومة.. إلخ. فبحر الخليج غني بجميع أنواع السمك. أيضا كنا نبحر لصيد اللؤلؤ والمرجان. أما أنواع السفن وقوارب الصيد التي كنا نصطاد من خلالها

غربة البحر وعن مشاعره في البحر وغربته يقول النقبي: «أنا غواص، كلما أتعمق في الغوص أرتاح أكثر، مثلا اليوم غصت لعمق 15 عشرة أمتارفي البحر، وغدا استطعت أن أغوص لمسافة مت ار ًً، هنا أشعربالإنجازوالراحة والسعادة. وفي المقابل عندما نغادر بح ار إلى وطن آخر، نفكر في الأشياء التي سنتعرض لها في البحر من العواصف والأمطار وقراصنة البحر والأمواج العاتية وشدة الرياح وغيرها. وهنا تكون مشاعري متداخلة بين الخوف من هذه الظواهرالطبيعية وبين مشاعرالإنسانية والسعادة لأنني مع مجموعة من البحارة أصبحوا أهلي وناسي، نجلس مع بعضنا وكل واحد منا يتحدث عن مشاعره وحنينه للوطن. وحينما نصل إلى وجهتنا، ننسى ما تعرضنا له من عواصف وقراصنة وأمطاروأهوال البحر» باحثة أكاديمية من سورية

في منزل البحار بخورفكان

113

112

2025 فبراير 304 / العدد

حياة البحر ومصطلحاتها كما يرويها البحار الإماراتي محمد عبد الله النقبي

Made with FlippingBook - Share PDF online