torath 304- feb-2025

سوق الكتب

تُُخوْْم جََرََامْْش ِِي العََابرََة ترحال دائم وأحداث غريبة بين الجغرافيا والتاريخ

دلتا النيل - مصر

ا � معرفي

ا � متعدد الأوجه أكثر منها دفتر

وقبل أن يطرق الباب الذي يسكن وراءه أهله، محتمين من قيظ الظهيرة الليبية المرهقة للبدن لمح زهرة برية على يمين العتبة الاسمنتية المتشققة. ويتوقف بنا «موسى» عند تلك الزهرة التي بقيت عالقة في ذاكرته طويلاًً، واصفا إياها بأنها كانت «بنفسجية اللون، أينعت على مسافة سنتيمترات من المدخل، تميل بعنقها الرفيع إلى جهة الباب نفسه، من قاعدة غصنها الرقيق بدا وكأن نوارة أخرى ستطلع عما قريب». ويواصل مؤلف الكتاب رواية حكايته مع تلك الزهرة البنفسجية التي وجدها عند باب دار أهله فيقول: «أنخت ناقتي الفكرية، وأنزلت حمولة القلق عن كاهلي، وملت بجسدي كله إلى حيث النوارة الصيفية ذات الغواية.. صارت كلها في ظلي. وصرت أنا جميعي تحت كناية بتلاتها الخمسة.. أدنيت خشمي منها، كنت ْْفي السابعة عشرة وبدني غض يطاوعني على الميل والانثناء..

أو نشرة جغرافية

بالمعنى الذي عرفه تاريخ الأدب في القرون السالفة، وهو ما يثير السؤال حول جنس هذا النص المرآوي الذي نُُسميه الرحلة. يبدأ موسى إبراهيم حكايات حلّّه وترحاله، من عشية ، حين وصل إلى بيت 1992 ساخنة من أواخر صيف سنة العائلة في بلدة سرت على الساحل الليبي الرحب، عائدا من رحلة شاسعة إلى جزيرة مالطا المتوسطية، ومدائن سوريا الشامية، وحواضر مصر الرابضة على دلتا النيل. وكان عند عتبة الرجوع إلى حوش أمه (الحاجة امباركة بأصوات ا � بن المبروك بن عبد السلام التلماتية)، صاخب الجغرافيا، وزاخ ار برؤى التاريخ، وضاجا بروح الإنسان الكوني الذي لم يتمتم باللغة الأولى ولم يهذربالكلام الأزلي بعد.. حيث شعر وقتها بأنه مفعم بالعالم، وأن العالم قد اعتمل به.

علي تهامي ُُ ج ََرََامْْش ِِي العََابرََةْْ.. بين الس ّّدْْرََة الأُُولََى والقََوََائِِم تُُخو ْْم « الآخ ِِرََةْْ»، كتاب ينتمي إلى أدب الرحلات، يُُسافر بنا مؤلفه موسى إبراهيم، في رحلة طويلة شََمِِلت مصر، وليبيا، والجزائر، والمغرب، والنيجر، وألمانيا، والنمسا، وإيطاليا، وبريطانيا، وفنزويلا، وكوبا، وروسيا، متنقلا بين أربع قارات، متجولا على القدمين، وفوق صهوة دراجة، ثم معلقا تحت شراع طائر. وفي رحلته تلك عاش موسى إبراهيم أحداثا عجيبة غير محسوبة، وأخبا ار بش ّّر بها الوقت، ومصادفات في الجغرافيا، ومفارقات في التاريخ والفلسفة، سردها وصدع بها لنا وهو في متن الطريق. الكتاب الذي فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة في فرع ، وصدر عن دار السويدي للنشر 2024 الرحلة المعاصرة والتوزيع بأبوظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، جاء في لغة آثرة، وتسلسل يأخذ القارئ إلى عوالم رحلة فريدة، وجد كاتبها نفسه في ترحال دائم التحوّّل من سياق ثقافي إلى سياق آخر، ومن فضاء جغرافي إلى فضاء

آخر، ومن مغامرة رياضية إلى أخرى. بمثل هذه الإشارات، يسافر كاتبنا موسى إبراهيم في العالم، وكتابه هذا أقرب إلى الشذرات والقصص والأخبار والانطباعات عن الناس والأمكنة، عن المهمشين والعابرين، ومن لا تلتقطهم عيون العابرين إلى شؤونهم، لكن رح ّّالتنا أو صاحب هذا الكتاب، إنما يستوقفه غالبا ما لا يستوقف سواه من حضورإنساني أو ملمح في الطبيعة، أو ذكرى يقدح شررها خاطر أو مشهد أو صوت، «فتتدفق الحكاية ويكتب المسافر ذاته، الم ُُسافر سف ار في الأرض وسف ار في الذاكرة». وما بين درب وآخر، وبين جبل وجبل، أو مدينة ومدينة، لا بد من أن يجد الم ُُسافرمقعدا أوحج ار لاستراحة قصي ّّة يستأنف بعدها مغامرة السفر. ولكن ليس قبل أن يترك للتداعي أن يحمل إلى قارئه حكاية، أو انطباعاًً، أو أمنية. أدبا متعدد الأوجه كتاب «تُُخوْْم جََرََامْْشِِي العََابرََةْْ.. بين السّّدْْرََة وهكذا فإن هو نصوص سردية تُُبرهن حقيقة الأُُولََى والقََوََائِِم الآخِِرََةْْ»، أن الرح ّّالة لم يعد محض مسافر في الجغرافيا، ولكنه شاعر وصوفي وسارد وثائر ومفكر، وأن الرحلة، بالتالي، باتت أدبا

121

120

2025 فبراير 304 / العدد

تُُخو ْْم ج ََرََام ْْش ِِي الع ََابرََة ترحال دائم وأحداث غريبة بين الجغرافيا والتاريخ

Made with FlippingBook - Share PDF online