torath 304- feb-2025

سوق الكتب

أنطونيو جرامشي وقد استلهم إبراهيم موسى عنوان كتابه «تُُخوْْم جََرََامْْشِِي العََابرََةْْ.. بين السّّدْْرََة الأُُولََى والقََوََائِِم الآخِِرََةْْ»، من المفكر م)، وهو يقول 1937 - 1891 الإيطالي أنطونيو جرامشي ( في ذلك إنه حين انطلق في رحلته التي جمع يومياتها في هذا الكتاب، كان في جيب دراجته كتيب صغير لأنطونيو جرامشي، الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي، الذي تكلم، في سياق تاريخي مختلف عما أسماه الحال الوسيط، وهو السياق الذي يصير حين يخرج الإنسان عن نظام قائم (سياسي أواقتصادي أواجتماعي يتهافت)، دون أن يدخل بعد في الفضاء المطمئن لنظام آخر جديد. ومن ثم فإن يوميات موسى إبراهيم في رحلاته التي تناولها في كتابه هذا، هي بمثابة تخوم بينية قلقة ومشحونة بالمعاني والانحيازات والاحتمالات، وفق رؤية جرامشي.. حيث وجد موسى إبراهيم نفسه خلال تلك الرحلات، في أشد حالاته قلقا كأن الريح تحته كما يقول المتنبي، خاصة حين يكون «قد خرج عن عتبة المغادرة غير أنه لم يطأ عتبة الدخول بعد». وهكذا فإن هذا الكتاب الذي هو بمثابة سرد لرحلة قلب - قلب مؤلفه موسى إبراهيم، الذي جبريله الإنسان، وسدرته كل أرض طيبة، وقوائم عرشه زهرة برية أطلعت غوايتها في تخوم القلق والطمأنينة والدهشة الغامرة. من عناوين الكتاب: من غارحراء إلى سهول دارتمورالشاسعة.. حمى الأغاني الجامايكية.. في الطريق الطويل إلى ابن خلدون.. وديان بولزانو الإيطالية وشعاب بني وليد الليبية.. غواية الرقص في أصيلة.. الموسيقى في مواجهة البربرية.. في سبها

الليبية.. وادي رجلة بين النيل والبحرالأحمر.. الكدح الإنساني.. الموسيقى الغجرية، شجرة الأمنيات البافارية.. جرامشي الكاثوليكي يفزع لجرامشي الشيوعي.. الإبل الصمدية.. صهوة الدراجة وصهوات الجياد.. في جبال مودونو مات نيتشه.. الأسواق والمساجد بين معائش الخلق وشعائر الخالق.. بين القطار والدراجة.. هيا إلى الكفاح.. منتصف الطريق.. في مقام السيدة عائشة.. الآذان والسهول الألبية: صيام الفرض والتكبيرهمسا في حضرة كل أرض. من نصوص الرحلة «أنا فقط ممتن للبحرين الأبيض والأحمر أنهما انسحبا • بغواية لذيذة ليكشفا عن وادي دجلة الرائع، كما تسحب بنت جميلة فستانها الصيفي لتكشف عن فتنة مصرية لا تقاوم». «جلست على كوز ثلجي صاقع وخطر علي خاطر شجي: لو • كنت الآن على سفح من سفوح الجبل الأخضر في ليبيا، أو الجبل الأخضر في ع ُُمان، وقت الربيع الباكر الجميل لشهر فبراير، لكانت الأجواء والتضاريس والوديان أنسب للتحليق، وآمن للهبوط، وأقرب على كل حال إلى شغاف قلبي المجهد من هذا الاغتراب الصقيعي الطويل». «قعدت مع الرجل ساعة أتكلم معه فيشرح لي أحواله في • المعيشة ومقاماته في طلب الرزق، وسبيله في معرفة الحق، صار صانع السلال النيجري، في السوق الشعبي، معلمي في علوم السوق والقلب معاًً، لم أجد دراجة في السوق، غير أن العلوم أبانت عني، والمعارف أشرقت بي، والمحبة، محبة الخلق، غمرتني غم ار طيباًً» صحفي وباحث مصري

إيطاليا

وأضاف «موسى» بأنه منذ تلك الرابطة المكانية / الزمانية أيضا ًً، صار مشغوفا بجغرافيا المابين بين، وعتبة الباب التي تضطجع بين الرحلة وبين سكينة البيت، والزهرة التي تتكئ بين غواية العالم وبين طمأنينة ركبة أمي التي ما زال يتوسدها كلما سمح الوقت، وأحوال الوقت، والفكرة التي تتوهج بين سؤال البدايات، وبين دهشة النهايات الغامرة. تمع ّّن موسى إبراهيم في كل هذا وهو في ليلة من ليالي أواخر ، متكئا في خيمته الفردية الصغيرة، بعد أن كدح 2023 ربيع النهار كله في مغامرة ثلاثية في الشمال الشرقي لجبال الألب الإيطالية.. امتطى صهوة الدراجة الهوائية من بلدة لوتاجو الصغيرة ماار بسفوح الجبال.. حيث نزل عن دراجته وبدأ صعود الجبل المهيب راجلا على قدمه، ومن على قمة الجبل م عن سطح البحر قفز في الهواء بالشراع 1400 على ارتفاع الطائر نحو الوادي الذي ابتدأت فيه رحلته بالدراجة أول الأمر.. وهذه هي الثلاثية: الدراجة الهوائية، فالمشي الجبلي، فالطيران الحر بشراع خاطئه الآلة الصينية من نسيج بالغ الرقة لا أثرلغلطة فيه. لكن وبحسب قوله، فإن أكثراللحظات توغلا وقلقا و«حمى» هي تلك التخوم التي تقع بين فعل وفعل، بين السكينة في خيمته وبين اللهاث على صهوة الدراجة؛ بين النزول عن هذه الصهوة المعدنية، وبين المشي بقدميه على طين الأرض وصخورها صاعداًً؛ وبين اكتمال المشي عند قمة الجبل وبين لحظة التحليق المفتوحة في الهواء اللانهائي لكوكب الأرض.

أخذني الشذى على حين غرة، وحين حب». وتابع: «قلت لنفسي: يا الله.. هذا كرم باذخ لزهرة واحدة - تكوين هندسي بديع، وامتزاج لوني بهي، واتكاءة ظهرية فاتنة، وعطر غالب على أمره ... وأمري!». واستمر احتفاء موسى إبراهيم بزهرته البنفسجية، حيث جلس من حساب أوترتيب على الرصيف المترب على كثب من الزهرة، وأسلم وجهه لحضورها الرقيق.. وخطرت على باله أغنيات وقصائد.. ثم صار يفكر في الأسابيع الستة التي أمضاها بين الموانئ والمطارات والقارات يبحث عن فكرة أو متعة أو جمال. وبحسب نص مقدمة الكتاب، فقد كان موسى إبراهيم يركض في الأرض يريد أن يسفرعن رحم العالم، بينما العالم كله، يفتنته وبهائه الكامل، ظل ينتظره بين بتلات نوارة صيفية سرتاوية، أسلمت عشيات الصيف روحها وهي لم تغادر ركن باب أمه القديم. في مدارات الكواكب ويحدثنا موسى إبراهيم من خلال صفحات كتابه، عن شغفه بالسفر والترحال، فيقول إنه منذ تلك اللحظة البعيدة التي عاشها مع زهرته البنفسجية عند عودته لمنزل العائلة في ليبيا بعد رحلة جال فيها ببعض البلدان والمدن في أواخر صيف ، وهو الآن على تخوم الخمسين، ما زل يبحث في 1992 سنة ترحاله عن هذه الزهرة، أو عن معناها الذي انبثق في قلبه وعطرها الذي تسمى به، وكأنه في مدارات الكواكب كلها يحمل نوارة واحدة حول عاتقه ويمشي.

روسيا

كوبا

123

122

2025 فبراير 304 / العدد

تُُخو ْْم ج ََرََام ْْش ِِي الع ََابرََة ترحال دائم وأحداث غريبة بين الجغرافيا والتاريخ

Made with FlippingBook - Share PDF online