الفخاريات في الإمارات صناعة الهوية والوجود الفخار في الإمارات: رحلة في التاريخ والثقافة
محمد نجيب قدورة هي العبارات المأثورة التي التقطتها كثيرة بعدسة عيوني فأثارت قلبي وقلمي باعتبارها شهادة على الماضي العريق للخليج العربي الذي كان مُُعب اّّر وحاملا للتجارة العالمية. من هذه العبارات: إنهم أثرياء وملاحون عظام وتجار جملة. وقتها لم أكن أهتم بالقائل كاهتمامي بالمقولة، فدأبت أفتش وأتحرّّى عن أمثالها لأعزز فكرتي عن أن بلاد العرب فيها ما فيها من إرث حضاري من اليمن إلى جلفارإلى دلمون إلى أم النارإلى بابل، ناهيك عن عروس البادية الشامية تدمر، ومكة، وحلب، ووادي النيل ... ثم أمعنت النظر ودققت في الآثار والحفريات وركام المقابروتشكيلاتها، وكان لا بد من وعي طبيعة الاستقرارفي الموانئ والوديان ورؤوس الجبال، لأجدني في المتاحف ناظار إلى أن أهم اللقى الأثرية في كل مكان كانت من بقايا فخارية لا تبلى وإن هشمت، لأن الفخار أصلا من جنس الرمل والطين في عجينة تكاد تكون ماركة عالمية يدوية موحدة في جميع أنحاء العالم القديم. والمقصود هنا أن الفخاريات في قدورها ومباخرها وأكوابها ظلت في متناول الاستعمال والاحتفاء بها إلى يومنا كإحدى المأثورات التراثية الخالدة التي كان انتقالها من بلد الى آخردليلا وإشارة على التواصل الحضاري الإنساني بين الشعوب ًًعبر البحار أو البراري.
فخار الإمارات نموذجا ليس غريبا أن تكون الأواني الفخارية هي المعيار على عمق الوجود الحضاري؛ هذا ما رأيته في بواقي الرمال عند موقع جلفارفي رأس الخيمة. وليس غريبا أن يكون «وادي حقيل» هو مثارالأحاديث في مجالس الجمعيات التراثية وعلى ألسنة كبار السن من أهل الوديان؛ فالوديان التي تهبط من الأعالي تحمل طميا وتوفر ماء وتوفر مساطب صخرية ومساحات تجفيف، بل هناك من المتحدثين عن الزخرفة النابعة من جغرافية بيئة التصنيع المحلي. فكيف إذا كانت مدينة «جلفار» هي مدينة الملاحم والحروب والمآثر الجسام في مقابل التجارة المزدهرة المتصلة بالصين على أيدي الملاحين العرب المهرة الصائدين لأجمل اللآلئ التي استخرجتها «جلفار» ولأبدع المصنوعات من الفخار كما رأيته في الحصن القديم وكما قرأت عنه وعرفته من إنتاج «سيح المهب» في إمارة الشارقة أو ما أثر عن الامتداد إلى سائر دولة الإمارات، ففي كل إمارة مصنع فخاري. ولأن هذا الموروث الفخاري ذو قيمة باذخة
في تشكيل المهارات الصناعية والفنية فلا عجب أن تقام في أبوظبي أماكن لتعليم صناعة الفخار كمنارة السعديات ولاتيليه للفنون وآرت سنتر، دون إغفال أن أشهر منطقة في الإمارات في صناعة الفخاريات هي منطقة «شمل» التي يحاذيها «وادي حقيل». وبالطبع تنوقلت هذه الحرفة كمهنة إنتاجية تسد حاجة الدولة ويصدر الفائض منها إلى الدول المجاورة. أقول: إن صناعة الفخارفي دولة الإمارات تحكي سيرة الإنسان والأرض في دلالات على العراقة والإنجاز الثقافي والتراثي، دون نسيان أن هذه المهنة تتعرض للتهديد للإحجام عن استخدام الفخاريات مقابل البدائل التي لا تغني عن جمالية لون الطمي أو الطين مع وعي أن الفخار في المغرب مثلا هو عنوان المأكول الشعبي في (الطاجن)، وفي فلسطين العنوان هو (القدرة)، وفي شوارع المدن الجرار للسقي، وفي البيوت عنوان التخزين للسمن والدبس والعسل حتى إن الديكور غدا يتحلى في الزينة الفخارية.
69
68
2025 فبراير 304 / العدد
الفخاريات في الإمارات صناعة الهوية والوجود
Made with FlippingBook - Share PDF online