torath 304- feb-2025

الفخار في الإمارات: رحلة في التاريخ والثقافة

صلصال كالفخار﴾، كدلالة على المهنة منذ آلاف السنين. فيا أيها الفخارة المهرة من الرجال والنساء، هذه حرفة البقاء والنقاء التي قيل فيها أيضاًً: إنها الفن الشعبي الأصيل في بيئات البحروالصحراء والجبال والواحات كعنوان من عناوين الفنون الجميلة التي تقام لها الورشات والتصاميم

معنى التََحض ّّر فصارت فخر المهن، خاصة أن المادة الخام في متناول اليد لترتيب الحرفة ليكون تناول الطعام وحفظ الماء أول ما فكر به الإنسان لصنع الجرار والخوابي والقدور والمباخر، ولا عجب إذا قلنا النقش والتلوين كما هو معروف في حص ّّالات الأطفال والمباخر والأشكال الأخرى. أجل، لا عجب إذا استمرت هذه الحرف اليدوية وصولا إلى عصرنا، بالرغم من التأرجح بالاستعمال أمام المستحدثات الصناعية خاصة الزجاجية والمعدنية، مما أثّّر في الإنتاج والتصنيف التراثي، وحرماننا من الماء المبرد بالترشيح والتفاعل مع طبيعة الطين البلدي الفخاري رمز السقيا والصدقة الجارية عبر العصور العربية، والذي نبهنا الله إلى تقديره في الرؤية الكونية في قوله تعالى ﴿خلق الانسان من

أديب وباحث فلسطيني

دور الفخار في هندسة الفكر والفن وللتذكير بأصول الصنعة الفخارية كان لا بد من ذكر الأدوات التي استخدمت خارج نطاق الصنعة اليدوية من حلقية وشريطية وسلكية وأدوات تشنيب وصقل وغزجة. بل لا بد من ذكر الأفران والتنانير التي هي الأساس في عملية شواء الفخار الم ُُصنّّع فوق دولابه المهيأ حسب مزاج الصانع أو ما تقضيه طلبات تُُج ّّار الجملة، خاصة إذا عرفنا أن الفخاريات بضاعة في كل سوق وعلامة على مهارات البلدان. إن التشابه العالمي أسهم كثيار في ربط الثابت الفخاري بالمتغير، بمعنى أنه مظهر من مظاهر الرابط بين التراث والتجديد الذي غالبا ما يظهر في (القلل والزلاع والقدور) التي هي من ضروريات الأزمنة في حفظ الزيوت والأدباس والسمن والعسل، ولا عجب في ما نسمع عن استعمال الفخاريات في حفظ رماد الموتى في بعض الحضارات، ناهيك عن هندسة الشواء الفخاري المعتمد على تجانس القوام؛ فالتجفيف في شروطه البعد عن التيارات الهوائية، والرطب لا يشوى،

والمحزوز غير المزخرف، والمصقول غير المتروك على شكله العادي. وبما أن الطين الفخاري يمتلك خواصه من قابلية التشكيل وإمكانية التصلب في الشوي التنوري فقد كان لصانع الفخار مكانة رفيعة في مجتمعه؛ فيقال هذا فاخوري أو فواخري والمكان فاخورة. ولعل هذا الوصف قديم أزلي تلاه لقب الخزاف إذا دخلنا في عالم السيراميك والآجر، فنحن أمام مادة خام هي الطين الصلصالي. من هنا كانت الأمثال تتولد مع اليوميات الشعبية (كفخار يكسر بعضه) و(اقلب الجره على فمها تطلع البنت لأمها) و(حط الزير في البير). ومن الرمزية التراثية للفخار، كحرفة ممتدة في جذورتاريخ دولة الإمارات، أن الفخاردليل على خصب تربة المكان وعلى إمكان الاستقرار الدال على الوجود والهوية، فنتعلم من الصناعة الفخارية إمكان إعادة تشكيل أنفسنا، على حد تعبير الفنانة المبدعة سلمى المري، من فن النحت مع عجينة الصلصال. والسؤال الجدير هنا: هل كانت صناعة الفخار بداية لنشوء

71

70

2025 فبراير 304 / العدد

الفخاريات في الإمارات صناعة الهوية والوجود

Made with FlippingBook - Share PDF online