torath 304- feb-2025

الفخار في الإمارات: رحلة في التاريخ والثقافة

وتقديم دعم مالي للحرفيين، وترويج المنتجات الفخارية في الأسواق المحلية والدولية. الفخار بين حكاية الأمس وحداثة اليوم مع كل قطعة فخارإماراتية، يتراءى مشهد من الماضي ي ُُجسد كيف تعام ََل الأجداد مع عناصر الطبيعة المحيطة بهم. كانوا يحفرون الأنماط الدقيقة بأدوات بدائية، بينما تشهد تلك الأنماط اليوم على ثقافتهم واعتقادهم بالتوازن والجمال. وفي هذا العصر، ورغم سطوة الأدوات الحديثة، ما يزال الحرفيون يصنعون الفخار بأسلوب تقليدي يستلهم من الماضي، لكن بأعين تنظرإلى المستقبل. وبينما كان الفخارقديما صاراليوم ًًا وثيقة حية تروي تفاصيل حياة الإنسان الإماراتي القديم، بدء من استخدامه في تخزين المياه والطعام، مروار بدوره في الطقوس والاحتفالات، وصولا إلى التعبير عن الذوق الفني والتوجهات الثقافية. وت ُُظهرالنقوش والزخارف للقطع الفخارية معاني ودلالات ترتبط بمعتقدات الأجداد وقيمهم. علاوة على ذلك، تسلط الاكتشافات الأثرية الضوء على تطور صناعة الفخار عبر العصور، ما يعكس مسيرة الإنسان الإماراتي في مواجهة التحديات البيئية والاجتماعية. ومن خلال دراسة الفخار، يمكن فهم كيف أسهمت هذه الحرفة في بناء المجتمعات وتوثيق حضارة ممتدة الجذور.الفخار اليوم تجاوز دوره كأداة يومية تقليدية تستخدم وتطوى، ليصبح لوحة جمالية تُُعرض في المنازل الفخمة والمتاحف وعلى الصفحات. ومع دخول التكنولوجيا، تطورت أشكال الفخار لتناسب أذواق العصر الحديث، مع المحافظة على الروح التراثية التي تميزه باحث من الإمارات الهوامش والمصادر

مثل البلاستيك والمعادن. ورغم الإنتاج الواسع الذي يمارسه أهل الإمارات في شتى المناطق، هناك أخطار وتخوفات كبيرة على مستقبل هذه المهنة وانقراضها، يقول أحد المهتمين بالفخار ردا على سؤال حول وجود تخوفات من انقراضها: كل شيء ممكن ولا يوجد مستحيل، فرغم أن بعض المهن لم يعد لها وجود حقيقي، فإن هناك صناعات تراثية ما تزال موجودة . ) 8 ( وتحافظ على مكانتها مثل صناعة العطور والبخور ويوضح أحدهم بالقول في سياق التخوف وعزوف أرباب المهنة عن ممارستها: «في الماضي كان والدي يجني المال الكثير من هذه المهنة، وقد عشنا بعد التوكل على الله من ناتجها، كما أن كل أهل المنطقة عملوا بها، لكن ظروفنا الصحية حاليا لا تساعدنا ووالدي لم يتركها، ولكن تقدم به العمر، ولم يعد يستطيع الاستمرارفيها، خصوصا أننا تركناه وذهبنا للعمل في . ) 9 ( الدول المجاورة في منتصف الستينيات من القرن الماضي» إضافة إلى ذلك، يواجه الحرفيون صعوبات في الحصول على الدعم اللازم من الجهات المختصة للحفاظ على هذا الإرث. فضعف التمويل وتراجع الاهتمام الإعلامي يمثلان عائقين أساسيين أمام تطوير هذه الصناعة وإعادة إحيائها. أما من الناحية البيئية، فإن توفرالمواد الخام اللازمة لصناعة الفخارقد يتأثربالتوسع العمراني واستنزاف الموارد الطبيعية. ولذا، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب تكاتف الجهود بين المجتمع والحكومة، من خلال توفير برامج تدريبية للشباب،

كان الفخار رم از للتطور البشري وقدرة الإنسان على تسخير الطبيعة لصالحه. وفي المجتمعات القديمة، استخدم الفخار لتخزين الطعام والماء، مما يعكس دوره في تلبية الاحتياجات الأساسية. كما أصبحت الزخارف المنقوشة على القطع الفخارية رمواز ثقافية تنقل معتقدات وقيم الشعوب. تتجلى الرمزية أيضا في استخدام الفخار في الطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية، حيث كان ي ُُعتبر وعاء يحمل الطهارة أو البركة. وفي التراث العربي، يبرز الفخار كدليل على المهارة الفنية والابتكار، وهو اليوم شاهد على هوية ثقافية أصيلة تستحق الحماية من الاندثار. الفخار.. في الزمان والمكان ت ُُع ََد صناعة الفخارمن أقدم الصناعات التقليدية في الإمارات، وتشكل رابطا بين الإنسان الإماراتي المعاصر، وتلك الحقب . ومن ) 6 ( الطويلة الماضية، وتكشف تطور الإنسان وتقدمه المؤكد أن حضارة قديمة سميت حضارة (وادي سوق) ظهرت في بداية الألف الثاني، حيث استمر صنع الأواني الفخارية وزادت أنواعها وتعددت أشكالها وتغيرت طرق صناعتها . ومن ثََم تواصلت ) 7 ( وزخرفتها وتطورت مع مرور الوقت صناعة الفخار في العصور المسيحية ثم الإسلامية، لحاجة الناس إليها، فهي من الأدوات التي تتعدد استخداماتها وتتميز بميزات البساطة في التنوع وفي الثمن، ووجود مادتها الخام. لذلك احتلت مركز الصدارة من بين صناعة الأواني المنزلية، ومع أنها صناعة ضاربة في القدم، إلا أن هذا الفن التراثي التقليدي في الإمارات يمرحاليا بأزمة حادة ترجع إلى قلة عدد الشباب الراغبين في العمل بهذه المهنة. وبالنسبة للأنواع التي وجدت في الإمارات، ذ ُُك ِِرت أنواع عدة، منها جرار كبيرة للتخزين وصغيرة لحفظ السوائل، وأباريق وصحون للطعام، وقوارير لحفظ السوائل، وأوان الطبخ. رأس الخيمة: عاصمة الفخار الإماراتي عبر العصور اشتهرت مناطق معينة أكثر من غيرها بالصناعات الفخارية، ومن تلك المناطق إمارة رأس الخيمة، فهي معروفة بتلك الصناعات الفخارية منذ القدم، وورث الأبناء مهنة الآباء وتناقلوها إلى وقت قريب، ما جعلها مرك از لصناعة الفخار في

الدولة، حيث كانت منتجاتها من هذه الصناعة في الماضي تسد حاجة الدولة وتصدر الفائض إلى الدول المجاورة. لقد مثلت صناعة الفخار لإمارة رأس الخيمة حملا تراثيا متجذ ارًً، وحرفة أصيلة تمتد في أعماق التاريخ. فلطالما كانت رأس الخيمة ملتقى للحرفيين المهرة الذين تناقلوا أسرار هذه الحرفة عبر الأجيال. اشتهرت الإمارة بإنتاج أنواع متعددة من الأواني الفخارية التي تلبي احتياجات السكان المحليين وتخدم مختلف الأغراض اليومية، مثل تخزين المياه والطعام. ورغم مرورالزمن، ما تزال رأس الخيمة تحتفظ بمكانتها كمركز رئيس لهذه الصناعة، إذ تشهد زيارات من الباحثين والسياح المهتمين بمعرفة تاريخ الفخار في المنطقة. وتعمل الجهات المعنية على إحياء هذه الحرفة والحفاظ عليها من الاندثار من خلال إقامة ورش تدريبية وتنظيم معارض تعكس جماليات الفخار الإماراتي. صناعة الفخار؛ التحدي والأخطار رغم التاريخ العريق والأهمية التراثية لصناعة الفخار في دولة الإمارات، إلا أنها تواجه اليوم العديد من الأخطار التي تهدد استمرارها. تتمثل هذه التحديات في قلة الإقبال من الشباب على تعلم هذه الحرفة، حيث يرى الكثيرون أنها لم تعد توفر فرصا اقتصادية مغرية مقارنة بالمهن الحديثة. كما أن التغيرات الاجتماعية والتطور التكنولوجي أد ّّيََا إلى تراجع الاعتماد على الأواني الفخارية، لتحل محلها المواد الصناعية

.14 . سورة الرحمن، الآية 1 .14 . سورة الرحمن، الآية 2 .10/10 . تفسير القرطبي، 3 .49 ، ص 327 . الزيات، أحمد حسن، مجلة الرسالة، ج 4

.269 ، ص 2 مج 1959 . معجم متن اللغة، رضا، أحمد، دارمكتبة الحياة - بيروت 5 . «الفخار من أقدم الصناعات التقليدية في الإمارات»، مقال منشور على موقع 6 م. 2014 فبراير 15 الإمارات اليوم، بتاريخ: . «صناعة الفخار في الإمارات.. تــراث مهد ّّد»، مقال منشور على موقع الإمارات 7 م. 2011 أبريل 17 اليوم، بتاريخ:

. المرجع السابق. 8 . المرجع السابق. 9

75 2025 فبراير 304 / العدد

مهارة وفن تعبيري عبر التاريخ الفخّّار الإماراتي:

74

Made with FlippingBook - Share PDF online